أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ} (89)

شرح الكلمات :

{ في ملتكم } : في دينكم .

{ على الله توكلنا } : أي فوضنا أمرنا واعتمدنا في حمايتنا عليه .

{ ربنا افتح بيننا } : أي يا ربنا احكم بيننا .

{ وأنت خير الفاتحين } : أي وأنت خير الحاكمين .

المعنى :

{ قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } ووجه الكذب على الله إن عادوا إلى ملة الباطل هو أن شعيباً أخبرهم أن الله تعالى أمرهم بعبادته وحده وترك عبادة غيره ، وأنه تعالى أرسله إليهم رسولاً وأمرهم بطاعته إنقاذاً لهم من الباطل الذي هم فيه فإذا ارتد وعاد هو ومن معه من المؤمنين إلى ملة الشرك كان موقفهم موقف من كذب على الله تعالى بأنه قال كذا وكذا والله عز وجل لم يقل . هذا ثم قال شعيب { وما يكون لنا أن نعود فيها } ليس من الممكن ولا من المتهيئ لنا العودة في ملتكم أبداً ، اللهم إلا أن يشاء ربنا شيئاً فإن مشيئته نافذة في خلقه ، وقوله : { وسع ربنا كل شيء علما } فإذا كان قد علم أنا نرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ، فسوف يكون ما علمه كما علمه وهو الغالب على أمره .

ثم قال عليه السلام بعد أن أعلمهم أن العودة إلى دينهم غير واردة ولا ممكنة بحال من الأحوال إلاّ في حال مشيئة الله ذلك ، وهذا مما لا يشاءه الله تعالى قال : { على الله توكلنا } في الثبات على دينه الحق ، والبراءة من الباطل ثم سأل ربه قائلاً : { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق } أي احكم بيننا وبينهم بالحق { وأنت خير الفاتحين } أي الحاكمين ، وذلك بإحقاق الحق وإبطال الباطل .

الهداية

من الهداية :

- لا يصح من أهل الحق بعد أن عرفوه ودعوا إليه أن يتنكروا ويقبلوا الباطل بدله .

- يستحب الاستثناء في كل ما عزم عليه المؤمن مستقبلاً وإن لم يرده أو حتى يفكر فيه .

- وجوب التوكل على الله عند تهديد العدو وتخويفه ، والمضي في سبيل الحق .

- مشروعية الدعاء وسؤال الله تعالى الحكم بين أهل الحق وأهل الباطل ، لأن الله تعالى يحكم بالحق وهو خير الحاكمين .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ} (89)

قوله : { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } الافتراء ، الاختلاق والكذب{[1471]} والملة ، معناها الدين والشريعة{[1472]} .

ذلك إقرار كامل من شعيب عليه الصلاة والسلام ببطلان ما سوى ملة الإسلام حيث التوحيد واليقين وتصديق النبين أجمعين ، ومجانبة الشرك والمشركين . إقرار كامل بأن العود إلى ملة الكفر بعد التنجية منها سقوط في ظلام الكفر والضلال وانتكاس إلى ردة الجحد والباطل بعد أن من الله بالتنحية والإنقاذ من هذه الوهدة المظلمة السحيقة .

قوله : { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } أي ما يستقيم لنا وما ينبغي أن نعود في ملتكم –ملة الكفر والباطل- إلا حال مشيئة الله . فإن يشأ الله إضلال أحد أضله . على أن إيراد هذا الاستثناء قد جيء به على سبيل الإيمان المطلق بقدر الله فإن كان قد سبق في علم الله وتقديره العود في ملتهم ؛ فإن حكم الله في ذلك نافذ . ومع ذلك فإن المؤمن المدكر الحريص ، له في كل الأحوال والأوقات بالغ الرجاء والضراعة إلى الله أن يكتبه في زمرة الناجين الآمنين مكره وعذابه .

قوله : { وسع ربنا كل شيء علما } علما منصوب على التمييز ؛ أي أحاط علم الله بكل شيء فلا يند عن علمه شيء من المعلومات ؛ فهو عليم بما هو كائن وما سيكون سواء في ذلك هداية الناس وضلالهم ، أو ما هم صائرون إليه في كل حال .

قوله : { على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين } أي اعتمدنا على الله دون أحد سواه في أن يثبتنا على الحق والإيمان ، وأن يحول بيننا وبين الباطل وأهله ، وأن يدرأ عنا شر الفتن ويعصمنا من البلايا والنقم ، وأن يدفع عنا كذلك ما توعدتمونا به من ظلم الإخراج وفظاعة الإضلال والفتنة .

وبعد أن أيس شعيب من استجابة قومه وأيقن أنهم لا محالة سادرون في الغي والضلال دون انثناء أو رجوع ، عندئذ دعا ربه أن { افتح بيننا وبين قومك بالحق وأنت خير الفاتحين } أي اقض بيننا وبين قومنا المشركين بالحق وهو نصر المحقين وإهلاك المبطلين .


[1471]:مختار الصحاح ص 502.
[1472]:مختار الصحاح ص 634.