أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ} (25)

شرح الكلمات :

{ في مواطن } : المواطن جمع موطن بمعنى الوطن وهو محل إقامة الإِنسان .

{ حنين } : وادٍ على بعد أميال يسيرة من الطائف .

{ إذ أعجبتكم كثرتكم } : أي كثرة عددكم حتى قال من قال : لن نغلب اليوم من قلة .

{ فلم تغن عنكم شيئاً } : أي لم تجز عنكم شيئاً من الإِجزاء إذا انهزمتم في أول اللقاء .

{ وضاقت عليكم الأرض } : أي لم تعرفوا أين تذهبون ، وكيف تتصرفون كأنكم محصورون في مكان ضيق .

{ بما رحبت } : أي على رحابتها وسعتها .

المعنى :

/د25

{ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة } كَبَدْر والنضير وقريظة والفتح وغيرها { ويوم حنين } حين قاتلوا قبيلة هوازن مذكراً إياهم بهزيمة أصابت المؤمنين نتيجة خطأ من بعضهم وهو الاغترار بكثرة العدد إذ قال من قال منهم : لن نغلب اليوم من الوادي حتى رماهم العدو بوابل من النبل والسهام فلم يعرفوا كيف يتصرفون حتى ضاقت عليهم الأرض على سعتها وولوا مدبرين هاربين ولم يثبت إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان على بغلته البيضاء المسماة ( بالدُلْدُل ) والعباس إلى جنبه وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عمه ، ثم نادى منادي رسول الله : أن يا أصحاب سورة البقرة هلموا أصحاب السمرة ( شجرة بيعة الرضوان ) هلموا . فتراجعوا إلى المعركة ودارت رحاها و { أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً } تلامس القلوب وتنفخ فيها روح الشجاعة والصبر والثبات ، فصبروا وقاتلوا وما هى إلا ساعة وإذا بالعدو سبي بين أيديهم ولم يحصل لهم أن غنموا يوما مثل ما غنموا هذا اليوم إذ بلغ عدد الإِبل اثني عشر ألف بعير ، ومن الغنم مالا يحصى ولا يعد . بهذا جاء قوله تعالى : { ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين } أي هاربين من العدو .

الهداية

من الهداية :

- حرمة العجب بالنفس والعمل إذ هو أي العجب من العوائق الكبيرة عن النجاح .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ} (25)

قوله تعالى : { لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين 25 ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين 26 ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم } ذلك تذكير بفضل الله على المؤمنين وإحسانه غليهم ؛ إذ نصرهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وما كان ذلك عم كبير عدة أو كثرة عدد وإنما كان بتأييد الله وتقديره . وكان عدد المسلمين الذين جاءوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتحة لمكة عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار ومعه الذين أسلموا مع أهل مكة وهم الطلقاء في ألفين ، فسار بهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى العدو فاتلوا بواد بين مكة والطائف يقال له حنين ، حيث كمنت فيه هوازن ، فلما تواجهوا لم يشعر المسلمون إلا والمشركون يبادرونهم الرشق بالنبال وإصلات السيوف ، ففوجئ المسلمون بذلك أعظم مفاجأة ؛ إذ أخذهم العدو على غرة فولوا مدبرين ، فلم يغنهم جمعهم وكثرتهم شيئا ، فهزموا وبلغت فلولهم مكة بعد أن أعجبتهم كثرتهم ؛ فتملكهم الاغترار والإعجاب بالنفس وطنوا أنهم منصورون لا محالة ركونا إلى عددهم وكثرة جموعهم ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ظل صابرا ثابتا لا يتزحزح من أرض النزال ولم يبرح ساحة الوغي ومن حوله قلة من المسلمين منهم عمه العباس ؛ إذ كان آخذا بلجام دابته ، وآخرون من صناديد الصحابة الأبرار ، وإذ ذاك ضاقت بهم الأرض على سعتها حتى ما يجد المسلمون موضعا يهربون إليه لفرط ما أصابهم من الرعب { ثم وليتم مدبرين } أي منهزمين . ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمه العباس –وكان جهير الصوت- أن ينادي بأعلى صوته : يا أصحاب الشجرة ، يا أصحاب البقرة . فجعلوا يقولون : يا لبيك يا لبيك .

وانعطف الناس فترجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما اجتمعت منهم شرذمة قليلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أمرهم أن يصدقوا الحملة ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجتلد القوم فقال : ( الآن حمي الوطيس ) فكتب الله لهم النصر ، وجعل الهزيمة والخزي على المشركين الظالمين .