الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ} (25)

{ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ } أيّها المؤمنون { فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ } أي مشاهدوها أماكن حرب تستوطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوكم { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ } يعني وفي يوم حنين وهو واد بين مكة والطائف .

وقال عروة بن الزبير : هو واد إلى جنب ذي المجاز والحري ، ولأنه اسم لمذكر فقد يترك إجزاؤه يراد به اسم البلدة التي هو بها ، ومنه قول الشاعر :

نصروا نبيهم وشدّوا أزره *** بحنين يوم تواكل الابطال

وكانت قصة حنين على ما ذكره المفسّرون بروايات كثيرة لفّقتها ونسّقتها لتكون أقرب إلى الأفهام وأحسن [ . . . . . ] " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح مكة وقد بقيت عليه أيام من شهر رمضان ثم خرج متوجهاً إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في اثني عشر الفاً ، عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وألفان من الطائف " .

قال قتادة ، وقال مقاتل : كانوا أحد عشر ألفاً وخمسمائة ، وقال الكلبي : كانوا عشرة آلاف وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا [ . . . . . . . ] وكان المشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف ، وعلى هوازن ملك بن عوف النضري ، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي ، فلما التقى الجمعان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لن تُغلب اليوم من قلّة " ، ويقال : بل قال ذلك رجل من المسلمين يقال له سلمة بن سلامة ( وسمع ) رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه ، ووكلوا إلى كلمة الرجل .

قال : فاقتتلوا قتالاً شديداً . فانهزم المشركون وخلوا من الذراري ، ثم نادوا : ياحماة السوء اذكروا الفضائح ، فتراجعوا وانكشف المسلمون .

وقال قتادة : وذُكر لنا أن الطلقاء ( إنجفلوا ) يومئذ بالناس وسأل رجل البراء بن عازب : أفررتم يوم حنين ؟ فقال : كانت هوازن رماة وإنّا لمّا حملنا عليهم وانكشفوا وأقبلنا على الغنائم ، فاستقبلوا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الكلبي : كان حول رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلاثمائة من المسلمين وانهزم سائر الناس عنهم .

وقال الآخرون : لم يبق يومئذ مع النبي صلى الله عليه وسلم غير العباس بن عبد المطلب وعلي وأيمن بن أم أيمن ، وقُتل يومئذ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وطفق رسول الله يركض بغلته نحو الكفار لا يألوا ، وكانت بغلة شهباء أهداها له فروة الجدامي .

أخبرنا عبد الله بن حامد قال : أخبرنا العمري ، حدّثنا أحمد بن محمد ، حدّثنا الحمامي ، حدّثنا شريك عن أبي إسحاق ، " قيل للبراء : كان النبي صلى الله عليه وسلم فيمن ولى دبره يوم حنين قال : والذي لا إله إلاّ هو ماولّى رسول الله دبره قط ، لقد رأيناه وأبو سفيان بن الحرث آخذ بالركاب والعباس آخذ لجام الدابة ، وهو يقول : أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب ، قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس : ناد يامعشر المهاجرين ويامعشر الأنصار وكان العباس رجلاً صويّتاً .

ويروى من شدة صوت العباس أنه أُغير يوماً على مكة فنادى : واصباحاه فأسقطت كل حامل سمعت صوته جنينها .

فجعل ينادي : ياعباد الله ، يا أصحاب الشجرة ، يا أصحاب سورة البقرة ، وعطف المسلمون حين سمعوا صوته عطفة البقر على أولادها فقالوا : يالبيك يالبيك يالبيك وجاؤوا عنقاً واحداً فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عصابة من الأنصار فقال : هل معكم غيركم ؟ فقالوا : يانبي الله لو عمدت إلى برك العماد من ذي يمن لكنّا معك ، ثم أقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون ، وتنادى الأنصار : يامعشر الأنصار أم قصرت الدعوة على بني الحرث والخزرج ، فتنادوا فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس ، فأخذ بيده كفّاً من ( الحبِّ ) فرماهم وقال : شاهت الوجوه ، ثم قال : انهزموا ورب الكعبة ، انهزموا ورب الكعبة . "

قال : فوالله مازال أمرهم مدبراً وجدّهم كليلا حتى هزمهم الله تعالى .

قال يعلى بن عطاء : فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا : ما بقي منا أحد يومئذ إلا وامتلأت عيناه من ذلك التراب ، قال يزيد بن عامر وكان في المشركين يومئذ : فانصرفنا ما بقي منّا أحد ، وكأن أعيننا عميت فأنجز الله وعده وأنزل نصره وجنده فقهر المشركين ونصر المسلمين ، وقال سعيد بن جبير : أمدَّ الله ( المسلمين ) بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين ، وقال الحسن : كانوا ثمانية آلاف من الملائكة .

قال عطاء : كانوا ستة عشر ألفاً ، وقال سعيد بن المسيب : حدّثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال : لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقفوا لنا حلب شاة ، فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم ، حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقّانا رجال بيض الوجوه ، حسان الوجوه فقالوا لنا : شاهت الوجوه ارجعوا ، فرجعنا وركبوا أكتافنا فكانوا إياها ، يعني الملائكة .

وفي الخبر " أن رجلاً من بني نضر يقال له شجرة قال للمؤمنين بعد القتال : أين الخيل البلق ، والرجال عليهم ثياب بيض ما كنا نراكم فيها [ . . . . . . . . . ] ، وما كان قتلنا إلا بأيديهم فأخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : تلك الملائكة " .

قال الزهري : وبلغني أن شيبة بن عثمان قال : استدبرت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم حنين وأنا أريد أن أقتله بطلحة بن عثمان ، وعثمان بن طلحة ، وكانا قد قتلا يوم أُحد ، فأطلع الله تعالى رسوله على ما في نفسي فالتفت إليَّ وضرب في صدري وقال : أُعيذك بالله ياشيبة ، فارتعدت فرائصي فنظرت إليه وهو أحبّ إليَّ من سمعي ومن بصري فقلت : أشهد أنك رسول الله ، وأن الله أطلعك على مافي نفسي .

فلمّا هزم الله المشركين ولّوا مدبرين وانطلقوا حتى أتوا ( أوطاس ) وبها عيالهم وأموالهم فبعث رسول الله إلى هناك رجلاً من الأشعريين يقال له : أبو عامر وأمّره على الناس ، فسار إليهم فاقتتلوا بها ، ثم إن الله تعالى هزمهم ، وثبتوا قبال المشركين وهزم أميرهم مالك بن عوف النضري ، فأتى الطائف فتحصّن بها وأخذ أهله وماله فيمن أخذ ، وقتل أمير المسلمين ابن عامر ، ثم إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أتى الطائف من فوره ذلك فحاصرهم بقية ذلك الشهر ، فلمّا دخل ذو القعدة وهو شهر حرام لا يحلّ فيه القتال انصرف عنهم فأتى الجعرانة فأحرم فيه بعمرة ، فقسم بها النبي المال وغنائم حنين وأوطاس وتألّف أُناساً ، كأبي سفيان بن حرب والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو والأقرع بن حابس فأعطاهم فجعل يعطي الرجل منهم الخمسين والمائة من الإبل ، فقالت الأنصار : حنَّ الرجل وآثر قومه يا للعجب إنّ أسيافنا تقطر من دمائهم وإن غنائمنا ترد عليهم ، فبلغ ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو في قبة من أدم فجمعهم فقال لهم : يا معشر الأنصار ما هذا الذي بلغني عنكم .

فقالوا : هو الذي بلغك ، وكانوا لايكذبون ، فقال : ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي ، وكنتم أذلاء فأعزكم الله بي ، وكنتم وكنتم ، فقال سعيد بن عبد الله : أتأذن لي أتكلم ، فقال : تكلم .

قال : أما قولك : كنتم ضلالاً فهداكم الله بي ، فكنّا كذلك ، وأما قولك : كنتم أذلّة فأعزّكم الله فقد علمت العرب أنه ما كان حي من أحياء العرب أمنع لما وراء ظهورهم منّا . فقال عمر : يا سعيد أتدري من تُكَلِّم ؟ قال : ياعمر أُكلّم رسول الله ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ( والذي نفسي بيده لو سلكت الأنصار وادياً لسلكتُ وادي الأنصار ، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار ، الأنصار كرشي وعيبتي فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم ، ثم قال : يا معشر الأنصار أما ترضون أن ينقلب الناس بالإبل والشاة وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم ) .

فقالت الأنصار : رضينا بالله ورسوله ، والله ما قلنا ذلك الا ضنّاً بالله ورسوله ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم .

فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قام خطيباً فقال : " أما إنّ خطيب الأنصار قد قال : كنت طريداً فآويناك ، وكنت خائفاً فأمّنّاك ، وكنت مخذولاً فنصرناك ، وكنت وكنت ، فإنّه قد صدق ، فبكت الأنصار ، وقالت بل الله ورسوله أعظم علينا منّاً " .

قال قتادة : وذكر لنا " أن ظئر النبي صلى الله عليه وسلم التي أرضعته من بني سعد أتته يوم حنين وسألته سبايا يوم حنين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لا أملكهم إنّما لي نصيبي منهم ، ولكني ائتني غداً فسليني والناس عندي ، فإني إذا أعطتيك نصيبي أعطاك الناس ، فجاءت في الغد فبسط لها ثوبه فقعدت عليه ثم سألته ذلك فأعطاها نصيبه ، فلما رأى الناس منه أعطوها أنصباءهم " .

قال الزهري : أخبرني سعيد بن المسيب " أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف سبي ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر منادياً ينادي يوم أوطاس : ألا لاتوطأ الحبالى حتى يضعن ، ولا غير الحبالى حتى يستبرئن بحيضة .

ثم [ . . . . ] من هوازن أقبلوا مسلمين بعد ذلك فقالوا : يارسول الله أنت خير الناس وأبرّهم وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن عندي من ترون ، وخير القول أصدقه ، اختاروا إمّا ذراريكم ونساءكم ، وإمّا أموالكم ، فقالوا : ماكنا نعدل بالأحساب شيئاً ، فقام النبي منتصباً فقال : إن هؤلاء قد جاءوني مسلمين ، وإنا خيّرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً ، فأمّا ما أصاب بنو هاشم رددناه إليهم ، فمن كان بيده منهم شيء وطابت نفسه أن يردّه عليهم فذلك ، ومن لا فليعطنا وليكن قرضاً علينا حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه ، ومن لم يرد ففديته خمسون من الابل .

فلما رأى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ردّ قالوا يانبي الله رضينا وسلّمنا ، فقال النبي : لا أدري لعلّ منكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إليه فرفعت إلينا العرفاء أن قد رضوا وسلّموا ، وردوا جميعاً غير رجل واحد وهو صفوان بن أميّة لأنه وقع على امرأة أصابها فحبلت منه " .

فأنزل الله { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ } حتى قلتم : لن نُغلب اليوم من قلّة { فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ } كثرتكم { شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ } أي برحبها وسعتها وهما المصدر { ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } منهزمين