أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا} (6)

شرح الكلمات :

{ النبي أولى بالمؤمنين من } : أي ما يأمرهم به وينهاهم عنه ويطلب منهم هو أنفسهم } أحق به من أنفسهم .

{ وأزواجه أمهاتهم } : في الحرمة وسواء من طلقت أو مات عنها منهن رضي الله عنهن .

{ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } : أي في التوارث من المهاجرين والمتعاقدين المتحالفين .

{ إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً } : بأن توصوا لهم وصيَّة جائزة وهي الثلث فأقل .

{ كان ذلك في الكتاب مسطورا } : أي عدم التوارث بالإِيمان والهجرة والحلف مكتوب في اللوح المحفوظ .

المعنى :

لما أبطل الله تعالى عادة التبنّي وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة الكلبي فكان يعرف بزيد بن محمد صلى الله عليه وسلم وأصبح بذلك يدعى بزيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم تعالى كافة المؤمنين أن نبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأن أزواجه أمهاتهم في الحرمة فلا تحل امرأة النبي لأحد بعده صلى الله عليه وسلم ، ومعنى أن { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } أي فيما يأمرهم به وينهاهم عنه ويطلبه منهم هو أحق به من أنفسهم ، وبذلك أعطى الله تعالى رسوله من الرفعة وعلوّ الشأن ما لم يُعط أحداً غيره جزاء له على صبره على ما أُخذ منه من بنوَّة زيد رضي الله عنه الذي كان يُدعَى بزيد بن محمد فأصبح يعرف بزيد بن حارثة .

وقوله تعالى { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } يريد في الإِرث فأبطل تعالى بهذه الآية التوارث بالإِيمان والهجرة والحلف الذي كان في صدر الإِسلام وأصبح التوارث بالنسب والمصاهرة والولاء لا غير . وقوله { كان ذلك في الكتاب مسطوراً } التوارث بالأرحام أي بالقرابات مكتوب في اللوح المحفوظ وقوله { إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً } أي إلا أن توصوا بوصيّة جائزة وهي الثلث لأحد من المؤمنين والمهاجرين ومن حالفتم فلا بأس فهي جائزة ولا حرمة فيها ، وقوله { كان ذلك } أي المذكور من التوارث بالقرابات لا غير وجواز الوصيّة بالثلث لمن أبطل ارثهم بالإِيمان والهجرة والمؤاخاة ، في اللوح المحفوظ وهو كتاب المقادير مسطوراً أي مكتوباً مسطراً فلا يحل تبديله ولا تغييره .

الهداية :

من الهداية :

وجوب تقديم ما يريده الرسول من المؤمن على ما يريده المؤمن لنفسه .

حرمة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأنهن أُمهات المؤمنين وهو صلى الله عليه وسلم كالأب لهم .

بطلان التوارث بالمؤاخاة والهجرة والتحالف الذي كان في صدر الإِسلام .

جواز الوصيّة لغير الوارث بالثلث فأقل .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا} (6)

ولما نهى سبحانه عن التبني ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة مولاه{[55054]} لما اختاره على أبيه وأمه{[55055]} ، علل سبحانه النهي فيه بالخصوص بقوله دالاً على أن الأمر أعظم من ذلك : { النبي } أي{[55056]} الذي ينبئه الله بدقائق الأحوال في بدائع الأقوال ، ويرفعه دائماً في مراقي الكمال ، ولا يريد أن يشغله بولد ولا مال { أولى بالمؤمنين } أي الراسخين في الإيمان ، فغيرهم أولى في{[55057]} كل شيء من أمور الدين والدنيا لما حازه من الحضرة الربانية { من أنفسهم } فضلاً عن آبائهم في{[55058]} نفوذ حكمه فيهم ووجوب طاعته عليهم ، لأنه لا يدعوهم إلا إلى العقل والحكمة ، ولا يأمرهم إلا بما ينجيهم ، وأنفسهم إنما تدعوهم إلى الهوى والفتنة فتأمرهم بما يرديهم ، فهو يتصرف فيهم{[55059]} تصرف الآباء بل الملوك{[55060]} بل{[55061]} أعظم بهذا السبب الرباني ، فأيّ حاجة له{[55062]} إلى السبب{[55063]} الجسماني { وأزواجه } أي اللاتي دخل بهن لما لهن من حرمته { أمهاتهم } أي المؤمنين{[55064]} من الرجال خاصة دون النساء ، لأنه لا محذور من جهة النساء ، وذلك في الحرمة والإكرام ، والتعظيم والاحترام ، وتحريم النكاح دون جواز الخلوة والنظر وغيرهما من الأحكام ، والتعظيم بينهن وبين الأمهات في ذلك أصلاً ، فلا يحل انتهاك حرمتهن بوجه ولا الدنو من جنابهن بنوع نقص ، لأن حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته أعظم من حق الوالد على ولده ، وهو حي في قبره و{[55065]} هذا أمر جعله الله {[55066]}وهوالذي إذا جعل شيئاً كان{[55067]} ، لأن الأمر أمره والخلق خلقه{[55068]} ، وهو العالم بما يصلحهم وما يفسدهم

{ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير }[ الملك : 14 ] روى الشيخان{[55069]} عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه{[55070]} قال : " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة ، اقرؤوا إن شئتم { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } فأيما مؤمن ترك مالاً{[55071]} فلترثه عصبته من كانوا ، فإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني وأنا مولاه " .

ولما رد الله سبحانه الأشياء إلى أصولها ، ونهى عن التشتت والتشعب ، وكان من ذلك أمر التبني ، وكان من المتفرع عليه الميراث بما كان قديماً من الهجرة والنصرة والأخوة التي قررها النبي صلى الله عليه وسلم لما كان الأمر{[55072]} محتاجاً إليها ، وكان ذلك قد نسخ بالآية{[55073]} التي في آخر الأنفال ، وهي قبل هذه السورة ترتيباً ونزولاً ، وكان ما ذكر هنا فرداً داخلاً في عموم العبارة{[55074]} في تلك الآية{[55075]} ، أعادها منا{[55076]} تأكيداً وتنصيصاً على هذا الفرد للاهتمام به مع ما فيها من تفصيل وزيادة فقال : { و{[55077]} أولوا الأرحام } أي القرابات بأنواع النسب من النبوة وغيرها{[55078]} { بعضهم أولى } بحق القرابة { ببعض } في جميع المنافع العامة للدعوة والإرث والنصرة والصلة { في كتاب الله } أي قضاء الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه ، وحكمه كما تقدم في كتابكم هذا ، وكما أشار إليه الحديث الماضي آنفاً .

ولما بين أنهم أولى بسبب القرابة ، بين المفضل عليه فقال : { من } أي هم أولى بسبب القرابة من { المؤمنين }{[55079]} الأنصار{[55080]} من غير{[55081]} قرابة مرجحة { والمهاجرين } المؤمنين من غير قرابة{[55082]} كذلك ، ولما كان المعنى : أولى{[55083]} في{[55084]} كل نفع ، استثنى منه على القاعدة الاستثناء من أعم العام قوله ، لافتاً النظم إلى أسلوب الخطاب ليأخذ المخاطبون منه أنهم متصفون بالرسوخ في الإيمان الذي مضى ما دل عليه في آية الأولوية من التعبير بالوصف ، فيحثهم ذلك على فعل المعروف : { إلا أن تفعلوا } أي{[55085]} حال كونكم موصلين ومسندين { إلى أوليائكم } بالرق أو التبني{[55086]} أو الحلف في الصحة مطلقاً وفي المرض من الثلث تنجيراً أو وصية { معروفاً } تنفعونهم{[55087]} به ، فيكون حينئذ ذلك الولي مستحقاً لذلك ، ولا يكون ذو الرحم أولى منه ، بل لا وصية لوارث .

ولما أخبر أن هذا الحكم في كتاب الله ، أعاد التنبيه على ذلك تأكيداً قلعاً لهذا الحكم الذي تقرر في الأذهان بتقريره سبحانه فيما مضى فقال مستأنفاً : { كان ذلك } أي الحكم العظيم { في الكتاب } أي القرآن في آخر سورة الأنفال { مسطوراً * } بعبارة تعمه ، قال الأصبهاني{[55088]} : وقيل : في التوراة ، لأن في التوراة : إذا نزل رجل بقوم من أهل دينه فعليهم أن يكرموه ويواسوه ، وميراثه لذوي قرابته ، فالآية من الاحتباك : أثبت وصف الإيمان أولاً دليلاً على حذفه ثانياً و{[55089]} وصف الهجرة ثانياً دليلاً على حذف النصرة أولاً .


[55054]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: مولا.
[55055]:في ظ وم ومد: عمه.
[55056]:سقط من ظ.
[55057]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: من.
[55058]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: "و".
[55059]:زيد من ظ وم ومد.
[55060]:من م، وفي الأصل وظ ومد: الملاك.
[55061]:زيد من ظ وم ومد.
[55062]:سقط من ظ.
[55063]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: التسبب.
[55064]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: المؤمنون.
[55065]:سقط من ظ وم ومد.
[55066]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[55067]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[55068]:زيد من ظ وم ومد.
[55069]:في ظ وم ومد: البخاري، والحديث أخرجه البخاري واللفظ له في كتاب التفسير من صحيحه، وأخرجه مسلم في الفرائض من صحيحه ـ راجع 2/36.
[55070]:سقط من ظ وم ومد.
[55071]:من ظ وم ومد والصحيحن، وفي الأصل: ما له.
[55072]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: أمرا.
[55073]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: الآية.
[55074]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: الآية.
[55075]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: العبارة.
[55076]:زيد من ظ وم ومد.
[55077]:ليس في الأصل فقط.
[55078]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: غيرهم.
[55079]:زيد في الأصل: أي، ولم تكن الزيادة في ظ وم ومد فحذفناها.
[55080]:زيدت الواو في الأصل ولم تكن في ظ وم ومد فحذفناها.
[55081]:زيد من ظ وم ومد.
[55082]:زيد في ظ: المهاجرين.
[55083]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: أدل.
[55084]:سقط من ظ.
[55085]:زيد من ظ وم ومد.
[55086]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: بالتبني.
[55087]:في ظ: ينفعونكم.
[55088]:في ظ: الأصفهاني.
[55089]:سقط من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا} (6)

قوله تعالى : { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا }

يبين الله م كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من بالغ الشفقة والرحمة بأمته وما كان عليه من شديد الحرص عليهم والنصح لهم . لا جرم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد العالمين حدبا ورأفة واهتماما بالمسلمين ، بل بالبشرية كافة . وهو عليه الصلاة والسلام حريص على هداية الناس وإيمانهم ؛ لكي يستقيموا وتصلح حالهم ، فتكتب لهم النجاة والسلامة والصلاح في الدنيا والآخرة ؛ فهو بذلك أولى بالمؤمنين من أنفسهم فضلا عن كونه أولى بهم من غيرهم ، فوجب على المسلمين بذلك أن يطيعوه فوق طاعتهم لأنفسهم ؛ وأن يقدموه فيما دعاهم إليه ، ويؤخروا ما دعتهم إليه أنفسهم ، وأن يحبوه أعظم الحب أكثر من حبهم أنفسهم . وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين " وكذلك جاء في الصحيح أن عمر ( رضي الله عنه ) قال : يا رسول الله والله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي فقال صلى الله عليه وسلم : " لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك " فقال : يا رسول الله لأنت أحبُّ إلي من كل شيء حتى من نفسي . فقال صلى الله عليه وسلم : " الآن يا عمر " .

وروى البخاري عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة . اقرؤوا إن شئتم { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا . وإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه " .

وأخرج الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله ( رضي الله عنه ) عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : " أنا أولى مؤمن من نفسه ، فأيما رجل مات وترك دينا فإليّ ، ومن ترك مالا فهو لورثته " .

قوله : { وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } ذلك تشريف من الله لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إذ جعلهن أمهات المؤمنين . وذلك في وجوب التوقير والاحترام والإعظام وحرمة النكاح على الرجال . لكن لا تجوز الخلوة بهن ، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع ، بل إن هذه الأمومة لا توجب ميراثا كأمومة النبي .

قوله : { وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ } المراد بكتاب الله ، القرآن أو هو حكم الله . والمعنى : أن أولي القرابات أولى بالتوارث في حكم الله ، من المهاجرين والأنصار وهذا نسخ للتوارث بالهجرة ؛ فقد كانوا من قبل يتوارثون بالحِلف ، والمؤاخاة في الدين ، التي كانت بينهم . قال ابن عباس في ذلك : كان المهاجري يرث الأنصاري دون قرابته وذوي رحمه ؛ للأخوة التي آخى بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكذا قال آخرون من السلف والخلف . فقد روي عن الزبير بن العوام ( رضي الله عنه ) قال : أنزل الله عز وجل فينا خاصة معشر قريش والأنصار { وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ } وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا ولا أموال لنا ، فوجدنا الأنصار نِعْمَ الإخوانُ ، فواخيناهم ووارثناهم . فآخى أبو بكر ( رضي الله عنه ) خارجة بنت زيد ، وآخى عمر ( رضي الله عنه ) فلانا ، وآخى عثمان ( رضي الله عنه ) رجلا من بني زريق ، حتى أنزل الله تعالى هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة فرجعنا إلى مواريثنا .

قوله : { إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا } يعني ، إلا أن توصوا لذوي قراباتكم من غير أهل الإيمان والهجرة . فقد ذهب الميراث ، وبقي البر والإحسان والصلة والوصية . وقيل : نزلت في إجازة الوصية لليهودي والنصراني . أي يُفعل هذا مع الولي القريب وإن كان كافرا . فالمشرك وليّ في النسب لا في الدين فيوصى له بوصية .

قوله : { كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا } المراد بالكتاب اللوح المحفوظ . وقيل : القرآن . و { مَسْطُورًا } يعني مكتوب . سطرت الكتاب سطرا أي كتبته . ويجمع السطر على أسطر وسطور{[3695]} .

والمعنى : أن هذا الحكم وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض مكتوب ومُثبت من الله في كتابه الأزلي الذي فيه علم الأولين والآخرين ، فهو لا يأتي عليه التغيير أو التبديل{[3696]}

وتخصيص أولي الأرحام والقرابات بالميراث ، مراعاة حقيقة وكبرى لفطرة الإنسان الذي جُبل على حب ذويه أولي القربى والميل إليهم بشدة واحترار . والإنسان قد جُعلت في أعماقه مودة مطبوعة ؛ لأقربائه من البنين والبنات والآباء والأمهات والأجداد والجدات والأعمام والعمات والأخوال والخالات . أولئك يميل الطبع البشري إليهم ؛ ليفيض عليهم بالرأفة والرقة والحدْب والتحتان . فلا جرم أن هذه مزية أصلية ومفطورة من مزايا الإسلام العظيم ، وهي خِصِّيصة من خصائص الإسلام تشهد له بالصلوح للبشرية في كل زمان .


[3695]:المصباح المنير ج 1 ص 296.
[3696]:تفسير ابن كثير ج 3 ص 468 وتفسير القرطبي ج 14 ص 126.