البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا} (6)

وكونه ، عليه السلام ، { أولى بالمؤمنين من أنفسهم } : أي أرأف بهم وأعطف عليهم ، إذ هو يدعوهم إلى النجاة ، وأنفسهم تدعوهم إلى الهلاك .

ومنه قوله ، عليه السلام : « أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها تقحم الفراش » ومن حيث ينزل لهم منزلة الأب .

وكذلك في محصف أبي ، وقراءة عبد الله : { وأزواجه أمهاتهم } : وهو أب لهم ، يعني في الدين .

وقال مجاهد : كل نبي أبو أمته .

وقد قيل في قول لوط عليه السلام : هؤلاء بناتي ، إنه أراد المؤمنات ، أي بناته في الدين ؛ ولذلك جاء : { إنما المؤمنون إخوة } أي في الدين .

وعنه عليه السلام : « ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة .

واقرأوا إن شئتم : { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } ، فأيما مؤمن هلك وترك مالاً ، فليرثه عصبته من كانوا ؛ وإن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي » قيل : وأطلق في قوله تعالى : { أولى بالمؤمنين } : أي في كل شيء ، ولم يقيد .

فيجب أن يكون أحب إليهم من أنفسهم ، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها ، وحقوقه آثر ، إلى غير ذلك مما يجب عليهم في حقه . انتهى .

ولو أريد هذا المعنى ، لكان التركيب : المؤمنون أولى بالنبي منهم بأنفسهم .

{ وأزواجه أمهاتهم } : أي مثل أمهاتهم في التوقير والاحترام .

وفي بعض الأحكام : من تحريم نكاحهن ، وغير ذلك مما جرين فيه مجرى الأجانب .

وظاهر قوله : { وأزواجه } : كل من أطلق عليها أنها زوجة له ، عليه السلام ، من طلقها ومن لم يطلقها .

وقيل : لا يثبت هذا الحكم لمطلقة .

وقيل : من دخل بها ثبتت حرمتها قطعاً .

وهمَّ عمر برجم امرأة فارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونكحت بعده ، فقالت له : ولم هذا ، وما ضرب علي حجاباً ، ولا سميت للمسلمين أماً ؟ فكف عنها .

كان أولاً بالمدينة ، توارث بأخوة الإسلام وبالهجرة ، ثم حكى تعالى بأن أولي الأرحام أحق بالتوارث من الأخ في الإسلام ، أو بالهجرة في كتاب الله ، أي في اللوح المحفوظ ، أو في القرآن من المؤمنين والمهاجرين ، أي أولى من المؤمنين الذين كانوا يتوارثون بمجرد الإيمان ، ومن المهاجرين الذين كانوا يتوارثون بالهجرة .

وهذا هو الظاهر ، فيكون من هنا كهي في : زيد أفضل من عمرو .

وقال الزمخشري : يجوز أن يكون بياناً لأولي الأرحام ، أي الأقرباء من هؤلاء ، بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب . انتهى .

والظاهر عموم قوله : { إلى أوليائكم } ، فيشمل جميع أقسامه ، من قريب وأجنبي ، مؤمن وكافر ، يحسن إليه ويصله في حياته ، ويوصي له عند الموت ، قاله قتادة والحسن وعطاء وابن الحنفية .

وقال مجاهد ، وابن زيد ، والرماني وغيره : { إلى أوليائكم } ، مخصوص بالمؤمنين .

وسياق ما تقدم في المؤمنين يعضد هذا ، لكن ولاية النسب لا تدفع في الكافر ، إنما تدفع في أن تلقي إليه بالمودة ، كولي الإسلام .

وهذا الاستثناء في قوله : { إلا أن تفعلوا } هو مما يفهم من الكلام ، أي : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } في النفع بميراث وغيره .

وعدى بإلى ، لأن المعنى : إلا أن توصلوا إلى أوليائكم ، كان ذلك إشارة إلى ما في الآيتين .

{ في الكتاب } : إما اللوح ، وإما القرآن ، على ما تقدم .

{ مسطوراً } : أي مثبتاً بالأسطار ، وهذه الجملة مستأنفة كالخاتمة ، لما ذكر من الأحكام ، ولما كان ما سبق أحكام عن الله تعالى ، وكان فيها أشياء مما كانت في الجاهلية ، وأشياء في الإسلام نسخت .