أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ} (118)

شرح الكلمات :

{ بطانة } : بطانة الرجل الذي يطلعهم على باطن أمره الذي يخفيه على الناس للمصلحة .

{ من دونكم } : من غيركم أي من غير المسلمين كالكفار وأهل الكتاب .

{ لا يألونكم } : لا يقصرون في إفساد الأمور عليكم .

{ خبالاً } : فساداً في أمور دينكم وديناكم .

{ ودوا ما عنتم } : أحبّوا عنتكم أي مشقتكم .

{ بدت البغضاء } : ظهرت شدة بغضهم لكم .

المعنى :

لما أخبر تعالى عن مصير الكافرين في الآخرة ، وأن ذاك المصير المظلم كان نتيجة كفرهم وظلمهم حذر المؤمنين من موالاته دون المؤمنين وخاصة أولئك الذين يحملون في صدورهم الغيظ والبغضاء للمسلمين الذي لا يقصرون في العمل على إفساد أحوال المسلمين والذين يسوءهم أن يروا المسلمين متآلفين متحابين أقوياء ظاهرين منصورين على أهل الشرك والكفر ، ويسرهم أيضا أن يروا المسلمين مختلفين أو ضعفاء منكسرين مغلوبين . فقال تعالى -وقوله الحق- { يا أيها الذين آمنوا } أي بالله رباً وبالإِسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيّاً ورسولاً { لا تتخذوا بطانة } أي أفراداً من دونكم أي من غير أهل دينكم ، كاليهود والنصارى والمنافقين والمشركين تستشيرونهم وتطلعونهم على أسراركم وبواطن أموركم . ووصفهم تعالى تعريفاً . بهم فقال : { لا يألونكم خبالاً } يعني لا يقصرون في إفساد أموركم الدينية والدنيوية .

{ ودوا ما عنتم } أي أحبوا عنتكم ومشقتكم ، فلذا هم لا يشيرون عليكم إلا بما يفسد عليكم أموركم ويسبب لكم الكوارث والمصائب في حياتكم وقوله تعالى { قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر } وصف آخر مشخص لهؤلاء الأعداء المحرم اتخاذهم بطانة ، ألا وهو ظهور البغضاء من أفواههم بما تنطق به ألسنتهم من كلمات الكفر والعداء للإِسلام وأهله ، وما يخفونه من ذلك في صدورهم وهو أكبر مما يتفلت من ألسنتهم . ويؤكد عز وجل تحذيره للمؤمنين فيقول : { قد بينّا لكم الآيات } المتضمنة لبيان أعدائكم وأحوالهم وصفاتهم لتعتبروا { إن كنتم تعقلون } أي الخطاب وما يتلى عليكم ويقال لكم .

هذا ما تضمنته الآية الأولى ( 118 ) .

الهداية

من الهداية :

- حرمة اتخاذ مستشارين وأصدقاء من أهل الكفر عامّة وحرمة إطلاعهم على أسرار الدولة الإِسلامية ، والأمور التي يخفيها المسلمون على أعدائهم لما في ذلك من الضرر الكبير .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ} (118)

ولما كان الجمال بالمال لا سيما مع الإنفاق من أعظم المرغبات في الموالاة ، وكانت هذه الآية قد {[18760]}صيرت جميله{[18761]} قبيحاً وبَذوله شحيحاً ؛ قال سبحانه وتعالى - مكرراً التنبيه على مكر ذوي الأموال والجمال الذين يريدون إيقاع الفتنة بينهم من اليهود والمنافقين ليضمحل أمرهم وتزول شوكتهم{[18762]} : { يا أيها الذين آمنوا } أي إيماناً صحيحاً مصدقاً ادعاؤه بالعمل الصالح الذي من أعظمه الحب في الله والبغض في الله { لا تتخذوا بطانة } أي من تباطنونهم بأسراركم وتختصونهم{[18763]} بالمودة والصفاء ومبادلة المال والوفاء { من دونكم } أي ليسوا منكم أيها المؤمنون ، وعبر بذلك إعلاماً بأنهم يهضمون{[18764]} أنفسهم وينزلونها عن{[18765]} علّي درجتها{[18766]} بموادتهم . ثم{[18767]} وصفهم تعليلاً للنهي بقوله : { لا يألونكم خبالاً } أي يقصرون بكم من{[18768]} جهة الفساد ، ثم بين ذلك بقوله على سبيل التعليل أيضاً : { ودّوا ما عنتم } أي تمنوا{[18769]} مشقتكم .

ولما كان هذا قد يخفى بيَّنه بقوله معللاً : { قد بدت البغضاء من أفواههم } أي هي بينة في حد ذاتها مع اجتهادهم في إخفائها ، لأن الإنسان إذا امتلأ من شيء غلبه بفيضه ، ولكنكم لحسن ظنكم وصفاء نياتكم لا تتأملونها{[18770]} فتأملوا . ثم أخبر عن علمه سبحانه قطعاً وعلم الفطن من عباده بالقياس ظناً بقوله : { وما تخفي صدورهم أكبر{[18771]} } مما ظهر على سبيل الغلبة . ثم استأنف على طريق الإلهاب والتهييج قوله : { قد بيَّنا } أي بما لنا من العظمة { لكم } أي بهذه الجمل { الآيات } أي الدالات{[18772]} على سعادة الدارين ومعرفة الشقي والسعيد والمخالف والمؤالف . وزادهم إلهاباً{[18773]} بقوله : { إن كنتم } أي جبلة وطبعاً { تعقلون * }


[18760]:في ظ: جبرت حيلة ـ كذا.
[18761]:في ظ: جبرت حيلة ـ كذا.
[18762]:في ظ: شكوتهم.
[18763]:في ظ: تخصمونهم.
[18764]:من ظ ومد، وفي الأصل: عرضون ـ كذا.
[18765]:زيد من مد.
[18766]:في ظ: درجاتها.
[18767]:في ظ: في .
[18768]:زيد من ظ ومد.
[18769]:من ظ ومد، وفي الأصل: يمنوا.
[18770]:من ظ ومد، وفي الأصل: لا يتأملونها.
[18771]:زيد من ظ ومد والقرآن المجيد.
[18772]:في ظ: الدالة.
[18773]:في ظ: اتفاقا.