سورة   الفاتحة
 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الفاتحة وهي مكية وآياتها سبع

شرح الكلمات :

التفسير : لغة الشرح والبيان واصطلاحا : شرح كلام الله لفهم مراده تعالى منه فيطاع في أمره ونهيه ، ويؤخذ بهدايته وإرشاده ويعتبر بقصصه ، ويتعظ بمواعظه .

السورة : السورة قطعة من كتاب الله تشتمل على ثلاث آيات فأثر وسور القرآن الكريم مائة وأربع عشرة سورة أطولها « البقرة » وأقصرها« الكوثر » .

الفاتحة : فاتحة كل شيء بدايته ، وفاتحة القرآن الكريم الحمد لله رب العالمين ولذا سميت الفاتحة ، ولها أسماء كثيرة منها : أم القرآن والسبع المثاني وأم الكتاب والصلاة .

مكية : المكي من السور : ما نل بمكة ، والمدن منه ما نزل بالمدينة والسور المكية غالبها يدور على بيان العقيدة وتقريرها والاحتجاج بها وضرب المثل لبيانها وتثبيتها . وأعظم أركان العقيدة : توحيد الله تعالى في عبادته ، وإثبات نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتقرير مبدأ المعاد والدار الآخرة ، والسور المدنية يكثر فيها التشريع وبيان الأحكام من حلال وحرام .

الآيات : جمع آية وهي لغة : العلامة . وفي القرآن : جملة من كلام الله تعالى تحمل الهدى للناس بدلالتها على وجود الله تعالى وقدرته علمه ، وعلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته ، وآيات القرآن الكريم ست آلاف ومائتا آية وزيادة ، وآيات الفاتحة سبع بدون البسملة .

الاستعاذة

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :

شرح الكلمات :

الاستعاذة : قول العبد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .

أعوذ : أستجير وأتحصن .

بالله : برب ك شيء والقادر على كل شيء والعليم بكل شيء وإله الأولين والآخرين .

الشيطان : إبليس لعنه الله .

الرجيم : المرجوم المبعد المطرود من كل رحمة وخير .

معنى الاستعاذة :

أستجير وأتحصن بالله ربي من الشيطان الرجيم أن إبليس على قراءتي . أو يضلني فأهلك وأشقى .

حكم الاستعاذة :

يسن لكل من يريد قراءة شيء من القرآن سورة فأكثر أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يقرأ . كما يستحب لمن غضب ، أو خطر بباله خاطر سوء أن يستعيذ كذلك .

البَسْملة

شرح الكلمات :

البسملة : قول العبد : بسم الله الرحمن الرحيم .

الاسم : لفظ جُعل علامة على مُسَمَّى يعرف به ويتميّز عن غيره .

{ الله } : اسم علم على ذات الربّ تبارك وتعالى يُعرف به .

{ الرحمن } : اسم من أسماء الله تعالى مشتق من الرحمة دال على كثرتها فيه تعالى .

{ الرحيم } : اسم وصفة لله تعالى مشتق من الرحمة ومعناه ذو الرحمة بعباده المفيضها عليهم في الدنيا والآخرة .

معنى البسملة :

ابتدئ قراءتي متبركا باسم الله الرحمن الرحيم مستعينا به عز وجل .

حكم البسملة :

مشروع للعبد مطلوبٌ منه أن يُبَسْمِل عند قراءة كل سورة من كتاب الله تعالى إلا عند قراءة سورة التوبة فإنه لا يبسمل وان كان في الصلاة المفروضة يبسمل سراً إن كانت الصلاة جهرية .

ويسن للعبد أن يقول باسم الله . عند الأكل والشرب ، ولبس الثوب . وعند دخول المسجد والخروج منه ، وعند الركوب . وعند كل أمر ذي بال .

كما يجب عليه أن يقول بسم الله والله أكبر عند الذبح والنحر .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} (1)

تفسير الفاتحة وهي مكية

{ 1 - 7 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ }

{ بِسْمِ اللَّهِ } أي : أبتدئ بكل اسم لله تعالى ، لأن لفظ { اسم } مفرد مضاف ، فيعم جميع الأسماء [ الحسنى ] . { اللَّهِ } هو المألوه المعبود ، المستحق لإفراده بالعبادة ، لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال . { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء ، وعمت كل حي ، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله . فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة ، ومن عداهم فلهم{[30]}  نصيب منها .

واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها ، الإيمان بأسماء الله وصفاته ، وأحكام الصفات .

فيؤمنون مثلا ، بأنه رحمن رحيم ، ذو الرحمة التي اتصف بها ، المتعلقة بالمرحوم . فالنعم كلها ، أثر من آثار رحمته ، وهكذا في سائر الأسماء . يقال في العليم : إنه عليم ذو علم ، يعلم [ به ] كل شيء ، قدير ، ذو قدرة يقدر على كل شيء .


[30]:- في ب: فله.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} (1)

مقدمة السورة:

الكلام على الاستعاذة في عشرة فوائد من فنون مختلفة :

الأولى : لفظ التعوذ على خمسة أوجه :

" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وهو المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والمختار عند القراء .

" وأعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم " .

و " أعوذ بالله القوي من الشيطان الغوي " .

و " أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد " ، وهي محدثة .

و " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم " وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم .

الثانية : يؤمر القارئ بالاستعاذة قبل القراءة . سواء ابتدأ أول سورة أو جزء سورة على الندب .

الثالثة : يجهر بالاستعاذة عند الجمهور وهو المختار . وروي الإخفاء عن حمزة ونافع .

الرابعة : لا يتعوذ في الصلاة عند مالك . ويتعوذ في أول ركعة عند الشافعي وأبي حنيفة . وفي كل ركعة عند قوم . فحجة مالك عمل أهل المدينة وحجة قول غيره : قول الله تعالى :{ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم }[ النحل :98 ] وذلك يعم الصلاة وغيرها .

الخامسة : إنما جاء أعوذ بالمضارع دون الماضي ؛ لأن معنى الاستعاذة لا يتعلق إلا بالمستقبل لأنها كالدعاء . وإنما جاء بهمزة المتكلم وحده مشاكلة للأمر به في قوله : { فاستعذ }[ الأعراف :200 ] .

السادسة : الشيطان : يحتمل أن يراد به الجنس فتكون الاستعاذة من جميع الشياطين ، أو العهد فتكون الاستعاذة من إبليس . وهو من شطن إذا بعد ؛ فالنون أصلية والياء زائدة ، وزنه فيعال . وقيل : من شاط إذا هاج ؛ فالنون زائدة . والياء أصلية ووزنه فعلان . وإن سميت به لم ينصرف على الثاني لزيادة الألف والنون ، وانصرف على الأول .

السابعة : الرجيم : فعيل بمعنى مفعول ، ويحتمل معنيين : أن يكون بمعنى لعين وطريد . وهذا يناسب إبليس لقوله :{ وجعلناها رجوما للشياطين } [ الملك :5 ] والأول أظهر .

الثامنة : من استعاذ بالله صادقا أعاذه ؛ فعليك بالصدق ؛ ألا ترى امرأة عمران لما أعاذت مريم وذريتها عصمها الله . ففي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من مولود إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا إلا ابن مريم وأمه " .

التاسعة : الشيطان عدو . وحذر الله منه ؛ إذ لا مطمع في زوال علة عداوته . وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم . فيأمره أولا بالكفر ويشككه في الإيمان ؛ فإن قدر عليه ؛ وإلا أمره بالمعاصي . فإن أطاعه وإلا ثبطه عن الطاعة . فإن سلم من ذلك أفسدها عليه بالرياء والعجب .

العاشرة : القواطع عن الله أربعة : الشيطان ، والنفس ، والدنيا ، والخلق .

فعلاج الشيطان : الاستعاذة والمخالفة له .

وعلاج النفس : بالقهر .

وعلاج الدنيا : بالزهد .

وعلاج الخلق : بالانقباض والعزلة .

سورة أم القرآن

وتسمى سورة الحمد لله ، وفاتحة الكتاب ، والواقية ، والشافية ، والسبع المثاني . وفيها عشرون فائدة ، سوى ما تقدم في اللغات من تفسير ألفاظها . واختلف هل هي مكية أو مدنية ؟ ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات إلا أن الشافعي يعد البسملة آية منها ، والمالكي يسقطها ويعد أنعمت عليهم .

الفائدة الأولى : قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة عند مالك والشافعي ، خلافا لأبي حنيفة ، وحجتهما قوله صلى الله عليه وسلم للذي علمه الصلاة : " اقرأ ما تيسر من القرآن " .

الكلام على البسملة

فيه عشر فوائد :

الأولى : ليست البسملة عند مالك آية من الفاتحة ولا من غيرها ، إلا في النمل خاصة ، وهي عند الشافعي آية من الفاتحة ، وعند ابن عباس آية من أول كل سورة ، فحجة مالك ما ورد في الحديث الصحيح ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أنزلت علي سورة ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها " ، ثم قال : " الحمد لله رب العالمين " فبدأ بها دون البسملة ، وما ورد في الحديث الصحيح : " إن الله يقول قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين : يقول العبد : الحمد لله رب العالمين " فبدأ بها دون البسملة : وحجة الشافعي ما ورد في الحديث : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين " وحجة ابن عباس ثبوت البسملة مع كل سورة في المصحف .

الثانية : إذا ابتدأت أول سورة بسملت ؛ إلا براءة . وسنذكر علة سقوطها من براءة في موضعه ، وإذا ابتدأت جزء سورة فأنت مخير بين البسملة وتركها عند أبي عمرو الداني ، وتترك البسملة عند غيره ، وإذا أتممت سورة وابتدأت أخرى ، فاختلف القراء في البسملة وتركها .

الثالثة : لا يبسمل في الصلاة عند مالك ، ويبسمل عند الشافعي جهرا في الجهر ، وسرا في السر ، وعند أبي حنيفة سرا في الجهر والسر فحجة مالك من وجهين : أحدهما أنه ليست عنده آية في الفاتحة حسبما ذكرنا ، والآخر ما ورد في الحديث الصحيح عن أنس أنه قال : " صليت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين ، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول الفاتحة ولا في آخرها " ، وحجة الشافعي من وجهين : أحدهما أن البسملة عنده آية من الفاتحة ، والأخرى ما ورد في الحديث من قراءتها حسبما ذكرنا .

الرابعة : كانوا يكتبون باسمك اللهم حتى نزلت { بسم الله مجراها }[ هود :41 ] فكتبوا { بسم الله } ، حتى نزلت : { أو ادعوا الرحمن }[ الإسراء :110 ] فكتبوا بسم الله الرحمن ، حتى نزل { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } [ النمل : 30 ] فكتبوها ، وحذفت الألف في بسم الله لكثرة الاستعمال .

الخامسة : الباء من بسم الله : متعلقة باسم محذوف عند البصريين والتقدير : ابتداء كائن بسم الله ؛ فموضعها رفع ، وعند الكوفيين تتعلق بفعل تقديره أبدأ أو أتلو فموضعها نصب وينبغي أن يقدر متأخرا لوجهين :

أحدهما : إفادة الحصر والاختصاص .

والأخرى : تقديم اسم الله اعتناء كما قدم في { بسم الله مجراها }[ هود :41 ] . السادسة : الاسم مشتق من السمو عند البصريين فلامه واو محذوفة وعند الكوفيين مشتق من السمة وهي العلامة ، ففاؤه محذوفة ، ودليل البصريين التصغير والتكبير ؛ لأنهما يردان الكلمات إلى أصولها ، وقول الكوفيين أظهر في المعنى ، لأن الاسم علامة على المسمى .

السابعة : قولك الله اسم مرتجل جامد والألف واللام فيه لازمة لا للتعريف ، وقيل : إنه مشتق من التأله وهو التعبد ، وقيل من الولهان : وهي الحيرة لتحير العقول في شأنه ، وقيل أصله إله من غير ألف ولام ، ثم حذفت الهمزة من أوله على غير قياس ، ثم أدخلت الألف واللام عليه ، وقيل : أصله الإله بالألف واللام ثم حذفت الهمزة ، ونقلت حركتها إلى اللام كما نقلت إلا الأرض وشبهه ، فاجتمع لامان ، فأدغمت إحداهما في الأخرى ، وفخم للتعظيم ؛ إلا إذا كان قبله كسرة .

الثامنة : الرحمن الرحيم صفتان من الرحم ومعناهما الإحسان فهي صفة فعل وقيل : إرادة الإحسان ، فهي صفة ذات .

التاسعة : الرحمن الرحيم على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن الرحمن في الدنيا والرحيم في الآخرة " ، وقيل : الرحمن عام في رحمة المؤمنين والكافرين لقوله : { وكان بالمؤمنين رحيما }[ الأحزاب :43 ] ، فالرحمن أعم وأبلغ ، وقيل : الرحمن . أبلغ لوقوعه بعده ، على طريقة الارتقاء إلى الأعلى .

العاشرة : إنما قدم الرحمن لوجهين : اختصاصه بالله ، وجريانه مجرى الأسماء التي ليست بصفات . انتهى والله أعلم .