{ الذين أنعمت عليهم } : هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون ، وكل من أنعم الله عليهم بالإيمان به تعالى ومعرفته ، ومعرفة محابه ، ومساخطه ، والتوفيق لفعل المحاب وترك المكاره .
{ غير } : لفظ يستثنى به كإلاّ .
{ المغضوب عليهم } : من غضب الله تعالى عليهم لكفرهم وإفسادهم في الأرض كاليهود .
{ الضالين } : من أخطأوا طريق الحق فعبدوا الله بما لم يرعه كالنصارى .
لما سأل المؤمن له ولإخوانه الهداية إلى الصراط المستقيم ، وكان الصراط مجملاً بيّنه بقوله صراط الذين أنعمت عليهم وهو المنهج القويم المفضي بالعبد إلى رضوان الله تعالى والجنة وهو الإسلام القائم على الإيمان والعلم والعمل مع اجتناب الشرك والمعاصي .
لما سأل المؤمن ربَّه الصراط المستقيم وبينه بأنه صراط من أنعم عليهم بنعمة الإيمان والعلم والعمل . ومبالغة في طلب الهداية إلى الحق ، وخوفاً من الغواية استثنى كلاً من طريق المغضوب عليهم ، والضالين .
- الترغيب في سلوك سبيل الصالحين : والترهيب من سلوك سبيل الغاوين .
[ تنبيه أول ] : كلمة آمين ليست من الفاتحة : ويستحب أن يقولها الإمام إذا قرأ الفاتحة يمد بها صوته ويقولها المأموم ، والمنفرد كذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أمن الإِمام فأمنوا أي قولوا آمين بمعنى اللهم استجب دعاءنا ، ويستحب الجهر بها ؛ لحديث ابن ماجة : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال : غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال آمين حتى يسمعها أهل الصف الأول فيترج بها المسجد .
[ تنبيه ثان ] : قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة من الصلاة ، أمَّا المنفرد والإِمام فلا خلاف في ذلك ، وأمَّا المأموم فإن الجمهور من الفقهاء على أنه يسن له قراءة ويكون مخصصاً لعموم حدث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب .
وهذا الصراط المستقيم هو : { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . { غَيْرِ } صراط { الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم . وغير صراط { الضَّالِّينَ } الذين تركوا الحق على جهل وضلال ، كالنصارى ونحوهم .
فهذه السورة على إيجازها ، قد احتوت على ما لم تحتو عليه سورة من سور القرآن ، فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة : توحيد الربوبية يؤخذ من قوله : { رَبِّ الْعَالَمِينَ }
وتوحيد الألوهية وهو إفراد الله بالعبادة ، يؤخذ من لفظ : { اللَّهِ } ومن قوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } وتوحيد الأسماء والصفات ، وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى ، التي أثبتها لنفسه ، وأثبتها له رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه ، وقد دل على ذلك لفظ { الْحَمْدُ } كما تقدم . وتضمنت إثبات النبوة في قوله : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة .
وإثبات الجزاء على الأعمال في قوله : { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } وأن الجزاء يكون بالعدل ، لأن الدين معناه الجزاء بالعدل .
وتضمنت إثبات القدر ، وأن العبد فاعل حقيقة ، خلافا للقدرية والجبرية . بل تضمنت الرد على جميع أهل البدع [ والضلال ] في قوله : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } لأنه معرفة الحق والعمل به . وكل مبتدع [ وضال ] فهو مخالف لذلك .
وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى ، عبادة واستعانة في قوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فالحمد لله رب العالمين .
الفائدة السادسة عشرة : { الذين أنعمت عليهم } : قال ابن عباس : " هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون " . وقيل : المؤمنون ، وقيل : الصحابة ، وقيل : قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا ، والأول أرجح لعمومه ، ولقوله :{ مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين }[ النساء :69 ] .
الفائدة السابعة عشرة : إعراب { غير المغضوب } بدل ، ويبعد النعت لأن إضافته غير مخصوصة وهو قد جرى عن معرفة وقرئ بالنصب على الاستثناء أو الحال .
الفائدة الثامنة عشرة : إسناد نعمة عليهم إلى الله ، والغضب لما لم يسم فاعله على وجه التأدب : كقوله :{ وإذا مرضت فهو يشفين }[ الشعراء :80 ] ، وعليهم أول في موضع نصب ، والثاني في موضع رفع .
الفائدة التاسعة عشرة : { المغضوب عليهم } : اليهود ، و{ الضالين } : النصارى ، قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما ، وقد روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : ذلك عام في كل مغضوب عليه ، وكل ضال ، والأول أرجح لأربعة أوجه : روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وجلالة قائله ، وذكر و " لا " في قوله : { ولا الضالين } دليل على تغاير الطائفتين ، وأن الغضب صفة اليهود في مواضع من القرآن : كقوله { فباءُوا بغضب }[ البقرة :90 ] ، والضلال صفة النصارى لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى ابن مريم عليه السلام ، ولقول الله فيه :{ قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل }[ المائدة :77 ] .
الفائدة العشرون هذه السورة جمعت معاني القرآن العظيم كله فكأنها نسخة مختصرة منه فتأملها بعد تحصيل الباب السادس من المقدمة الأولى :
تعلم ذلك في الألوهية حاصلا في قوله : { الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم } .
والدار الآخرة : في قوله : { مالك يوم الدين } .
العبادات كلها من الاعتقادات والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي : في قوله : { إياك نعبد } .
والشريعة كلها في قوله : { الصراط المستقيم } .
والأنبياء وغيرهم في قوله :{ الذين أنعمت عليهم } .
وذكر طوائف الكفار في قوله :{ غير المغضوب عليهم ولا الضالين } .
خاتمة : أمر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة للدعاء الذي فيها ، وقولك آمين اسم فعل معناه اللهم استجب ، وقيل : هو من أسماء الله ويجوز فيه مد الهمزة وقصرها ولا يجوز تشديد الميم ، وليؤمن في الصلاة ، المأموم والفذ والإمام إذا أسر ، واختلفوا إذا جهر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.