أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (4)

شرح الكلمات :

{ يرمون } : أي يقذفون .

{ المحصنات } : أي العفيفات والرجال هنا كالنساء .

{ فاجلدوهم } : أي حداً عليهم واجباً .

{ ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً } : لسقوط عدالتهم بالقذف للمؤمنين والمؤمنات .

المعنى :

بعد بيان حكم الزناة بين تعالى حكم القذف فقال : { والذين يرمون المحصنات } أي والذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بالفاحشة وهي الزنا واللواط بأن يقول فلان زان أو لائط فيقذفه بهذه الكلمة الخبيثة فإن عليه أن يحضر شهوداً أربعة يشهدون أمام الحاكم على صحة ما رمى به أخاه المؤمن فإن لم يأت بالأربعة شهود أقيم عليه الحد المذكور في الآية : وهو جلد ثمانين جلدة على ظهره وتسقط عدالته حتى يتوب وهو معنى قوله تعالى : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوه لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون } أي عن طاعة الله ورسوله .

الهداية :

- بيان حد القذف وهو جلد ثمانين جلدة لمن قذف مؤمناً أو مؤمنة بالفاحشة وكان المقذوف بالغاً عاقلاً مسلماً عفيفاً أي لم يعرف بالفاحشة قبل رمية بها .

- سقوط عدالة القاذف إلا أن يتوب فإنه تعود إليه عدالته .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (4)

وبعد أن نفر - سبحانه - من جريمة الزنا أعظم تنفير ، وأمر بتنفيذ عقوبته فى مرتكبها بدون رأفة أو تساهل . . . أتبع ذلك بتشريعات أخرى من شأنها أن تحمى أعراض الناس وأنفسهم من اعتداء المعتدين ، فقال - تعالى - : { والذين يَرْمُونَ . . . } .

قوله - تعالى - { يَرْمُونَ } من الرمى ، وأصله القذف بشىء صلب أو ما يشبهه تقول : رمى فلان فلانا بحجر . إذا قذفه به . والمراد به هنا : الشتم والقذف بفاحشة الزنا ، أو ما يستلزمه كالطعن فى النسب .

قال الإمام الرازى : وقد أجمع العلماء على أن المراد هنا : الرمى بالزنا .

وفى الآية أقوال تدل عليه . أحدها : تقدم ذكر الزنا . وثانيها : أنه - تعالى - ذكر المحصنات ، وهن العفائف ، فدل ذلك على أن المراد بالرمى رميهن بضد العفاف ، وثالثها : قوله { ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ } يعنى على صحة ما رموهن به ، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا بالزنا ، ورابعها : انعقاد الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمى بغير الزنا . فوجب أن يكون المراد هنا هو الرمى بالزنا . . . " .

و " المحصنات " جمع محصنة ، والإحصان فى اللغة بمعنى المنع ، هذه درع حصينة ، أى : مانعة صاحبها من الجراحة . ويقال هذا موضع حصين ، أى : مانع من يريده بسوء .

والمراد بالمحصنات هنا : النساء العفيفات البعيدات عن كل ريبة وفاحشة .

وسميت المرأة العفيفة بذلك . لأنها تمنع نفسها من كل سوء .

قالوا : ويطلق الإحصان على المرأة والرجل ، إذا توفرت فيهما صفات العفاف . والإسلام ، والحرية ، والزواج .

وأنما خص - سبحانه - النساء بالذكر هنا : لأن قذفهن أشنع ، والعار الذى يلحقهن بسبب ذلك أشد ، وإلا فالرجال والنساء فى هذه الأحكام سواء .

وقوله - تعالى - : { والذين يَرْمُونَ المحصنات . . . } مبتدأ ، أخبر عنه بعد ذلك بثلاث جمل ، وهى قوله : " فاجلدوهم . . . ، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ، وأولئك هم الفاسقون " .

والمعنى أن الذين يرمون النساء العفيفات بالفاحشة ، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يشهدون لهم على صحة ما قذفوهن به ، فاجلدوا - أيها الحكام - هؤلاء القاذفين ثمانين جلدة ، عقابا لهم على ما تفوهوا به من سوء فى حق هؤلاء المحصنات ، ولا تقبلوا لهؤلاء القاذسفين شهادة أبدا بسبب إلصاقهم التهم الكاذبة بمن هو بىء منها . وأولئك هم الفاسقون . أى : الخارجون على أحكام شريعة الله - تعالى - وعلى آدابها السامية .

فأنت ترى أن الله - تعالى - قد عاقب هؤلاء القاذفين للمحصنات بثلاث عقوبات .

أولاها : حسية ، وتتمثل فى جلدهم ثمانين جلدة ، وهى عقوبة قريبة من عقوبة الزنا .

وثانيتها : معنوية ، وتتمثل فى عدم قبول شهادتهم ، بأن تهدر أقوالهم ، ويصيرون فى المجتمع أشبه ما يكونون بالمنبوذين ، الذين إن قالوا لا يصدق الناس أقوالهم ، وإن شهدوا لا تقبل شهادتهم ، لأنهم انسخلت عنهم صفة الثقة من الناس فيهم .

وثالثتها : دينية ، وتتمثل فى وصف الله - تعالى - لهم بالفسق . أى : بالخروج عن طاعته - سبحانه - وعن آداب دينه وشريعته .

وما عاقب الله - تعالى - هؤلاء القاذفين فى أعراض الناس ، بتلك العقوبات الرادعة ، إلا لحكم من أهمها : حماية أعراض المسلمين من ألسنة السوء ، وصيانتهم من لك ما يخدش كرامتهم ، ويجرح عفافهم .

وأقسى شىء على النفوس الحرة الشريفة الطاهرة ، أن تلصق بهم التهم الباطلة . وعلى رأس الرذائل التى تؤدى إلى فساد المجتمع ، ترك ألسنة السوء تنهش أعراض الشرفاء ، دون أن تجد هذه الألسنة من يخرسها أو يردعها .

وقد اتفق الفقهاء على أن الاستثناء فى قوله - تعالى - { إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ } يعود على الجملة الأخيرة . بمعنى أن صفة الفسق لا تزول عن هؤلاء القاذفين للمحصنات إلا بعد توبتهم وصلاح حالهم .

أى : وأولئك القاذفون للمحصنات دون أن يأتوا بأربعة شهداء على صحة ما قالوه . هم الفاسقون الخارجون عن طاعة الله - تعالى - ، إلا الذين تابوا منهم من بعد ذلك توبة صادقة نصوحا ، وأصحلوا أحوالهم وأعمالهم ، فإن الله - تعالى - كفيل بمغفرة ذنوبهم ، وبشمولهم برحمته .

كما اتفقوا - أيضا - على أن هذا الاستثناء لا يعود إلى العقوبة الأولى وهى الجلد ، لأن هذه العقوبة يجب أن تنفذ عليهم ، متى ثبت قذفهم للمحصنات ، حتى ولو تابوا وأصلحوا .

والخلاف إنما هو فى العقوبة الوسطى وهى قبول شهادتهم ، فجمهور الفقهاء يرون صحة عودة الاستثناء عليها بعد التوبة ، فيكون المعنى : إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ، فاقبلوا شهادتهم .

ويرى الإمام أبو حنيفة أن الاستثناء لا يرجع إلى قبول شهادتهم ، وإنما يرجع فقط إلى العقوبة الأخيرة وهى الفسق ، فهم لا تقبل شهادتهم أبدا أى : طول مدة حياتهم ، حتى وإن تابوا وأصلحوا .

وقد فصل القول فى هذه المسألة الإمام القرطبى فقال ما ملخصه : " تضمنت الآية ثلاثة أحكام فى القاذف : جلده ، ورد شهادته أبدا ، وفسقه .

فالاستثناء غير عامل فى جلده وإن تاب - أى أنه يجلد حتى ولو تاب .

وعامل فى فسقه بإجماع . أى : أن صفة الفسق تزول عنه بعد ثبوت توبته .

واختلف الناس فى عمله فى رد الشهادة . فقال أبو حنيفة وغيره : " لا يعمل الاستثناء فى رد شهادته . وإنما يزول فسقه عند الله - تعالى - . وأما شهادة القاذف فلا تقبل ألبتة . ولو تاب وأكذب نفسه ، ولا بحال من الأحوال .

وقال الجمهور : الاستثناء عامل فى رد الشهادة ، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته ، وإنما كان ردها لعلة الفسق ، فإذا زال بالتوبة قبلت شهادته مطلقا ، قبل الحد وبعده . وهو قول عامة الفقهاء .

ثم اختلفوا فى صورة توبته ، فمذهب عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - والشعبى وغيره : أن توبته لا تكون - مقبولة - إلا إذا كذب نفسه فى ذلك القذف الذى حد فيه .

وقالت فرقة منها مالك وغيره : توبته أن يصلح ويحسن حاله ، وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب ، وحسبه الندم على قذفه ، والاستغفار منه ، وترك العود إلى مثله " .

ويبدو لنا أن ما أفتى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب هو الأولى بالقبول ، لأن اعتراف القاذف بكذبه ، فيه محو لآثار هذا القذف ، وفيه تبرئة صريحة للمقذوف ، وهذه التبرئة تزيده انشراحا وسرورا ، وترد إليه اعتباره بين أفراد المجتمع .

كما يبدو لنا أن الأَوْلى فى هذه الحالة أن تقبل شهادة القاذف ، بعد هذه التوبة التى صاحبها اعتراف منه بكذبه فيما قال : لأن إقدامه على تكذيب نفسه قرينة على صدق توبته وصلاح حاله .

وهكذا يحمى الإسلام أعراض أتباعه ، بهذه التشريعات الحكيمة ، التى يؤدى اتباعها إلى السعادة فى الدنيا والآخرة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (4)

قوله تعالى : { الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ( 4 ) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ( 5 ) } هذه الآية في حكم القذف الذي يعتدي به النساء العفيفات بالإذاية من القول الفاحش مما فيه طعن لشرفهن ومس بسمعتهن . وذلك بالتهمة الظالمة المفترية التي لا يسعفها دليل ولا بينة .

وقوله : ( يرمون ) أي يشتمون . و ( المحصنات ) يعني العفائف من النساء . والمراد : رميهن بضد العفاف وهو الزنا . من أجل ذلك أعد الله للمعتدين على سمعة النساء العفائف بقذفهن بفاحش الزنا- عقوبة الحد وهو الضرب ثمانين جلدة ثم رد شهادتهم وتفسيقهم .

قوله : ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) أوجب الله لإثبات الزنا خاصة دون غيره من الحقوق ، أربعة شهداء . وتلك رحمة من الله بالعباد ؛ إذ يريد لهم الستر والصون والرعاية من كل أذى .

وتشريع الشهادة بأربعة شهود عدول يصون الفرد والجماعة من طمع المرتابين المتعجلين الذين يبادرون لابتغاء الهلكة للمقذوفين فضلا عن تشنيع سمعتهم وإثارة الريبة من حولهم . وبذلك فإن تشريع العقوبة للقاذف بحده ثمانين جلدة يكف عن الناس ألسنة السوء ، ويدرأ عنهم بذاءة القول الفاحش صونا لسمعتهم وكرامتهم ، وتنبيها للمرتابين الظانين بالناس سوءا أنهم محدودون بالضرب على ظهورهم إذا ما اندلقت من ألسنتهم مقالة الشتم والطعن في أعراض الأبرياء من غير حجة أو برهان .

حد القذف

القذف في الشرع ، معناه الرمي بالزنا صراحة أو دلالة . كأن يقول لإنسان : يا زان . أو يا لوطي . ونحو ذلك من الألفاظ الصريحة الدالة على القذف بالزنا . أو كان الرمي كناية . كقوله لإنسانة : يا قحبة أو يا فاجرة{[3220]} .

شروط حد القذف

هذه شروط خمسة لوجوب الحد على القاذف وهي :

الشرط الأول : أن يكون القاذف مكلفا . وهو كونه عاقلا بالغا غير مكره . فلا يقام الحد على القاذف المجنون أو الصبي أو المكره على القذف . وذلك للخبر : " رفع القلم عن ثلاثة ، عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم " وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " رفع عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه " .

الشرط الثاني : أن يكون المقذوف محصنا . وذلك للآية هنا : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) وبذلك لا يجلد من قذف غير المحصنات أو المحصنين . والمحصنة أو المحصن هو المسلم الحر العاقل البالغ العفيف . وعلى هذا فإن المحصنين . والمحصنة أو المحصن هو المسلم الحر العاقل البالغ العفيف . وعلى هذا فإن صفات المقذوف خمسة وهي : العقل والبلوغ والحرية والإسلام والعفة . فلا يجب الجلد على قاذف المجنون أو الصبي أو العبد أو الكافر أو غير المتعفف وذلك لضعف شعورهم بالمعرّة . وغير المتعفف يراد به المتهتك المريب الذي يرد مواطن الفحش والخنا .

والجمهور من أهل العلم ، على أنه لا حد على قاذف الكافر لانعدام غيرته على عرضه أو ضعف إحساسه بالعار إذ قذف . وقيل : يحد قاذف المرأة الكتابية المزوجة من مسلم أو كان لها ولد مسلم .

أما لفظ المحصنات فهو على أربع معان هي : العفائف ، ثم ذوات الأزواج ، ثم الحرائر ، ثم المسلمات . لقوله تعالى : ( فإذا أحصن ) أي أسلمن .

الشرط الثالث : أن لا يكون القاذف والدا للمقذوف . ويندرج في الولد ، الأصل أو من علاه . فلو قذف والد ولده أو حفيده فإنه لا يحد . ووجه ذلك : أن عقوبة القذف تجب لحق آدمي . فلا تجب للولد على والده كالقصاص . أما إذا قذف الولد أباه أو أمه فقد وجب عليه الحد وهو قول الجمهور من الفقهاء{[3221]} .

الشرط الرابع : القذف بالزنا . وهو نوعان بيناهما سابقا . وجملة ذلك : أنه صريح وكناية . فالصريح : هو القول الظاهر الذي لا يحتمل غير مفهوم الزنا ، كقوله : يا زاني أو أنت زنيت . أو فرجك زنا ؛ فذلك قذف صريح يجب به الحد على القاذف . وأما الكناية : فهي التكلم بكلام يحتمل القذف بالزنا وغيره . كقوله لها : يا فاجرة . أو يا خبيثة أو يا قحبة . أو قال لرجل : يا مخنث أو يا فاجر ونحو ذلك من الكلام الذي يحتمل أكثر من معنى . ومثل هذا القذف المحتمل لا يجب به الحد . وهو قول الحنيفية ، والحنبلية في الراجح من مذهبهم . وثمة قول في المذهب بوجوب الحد . وكذلك الشافعية لا يجب الحد عندهم في قذف الكناية أو التعريض في القول إلا إذا نوى القاذف ذلك . وبذلك لا يجب الحد في قذف الكناية لاستتار النية ؛ فإن محلها القلب . أما المالكية فإنهم يوجبون الحد في القذف الصريح والكناية . حتى لو عرّض القاذف تعريضا بالمقذوف وجب عليه الحد{[3222]} .

الشرط الخامس : عدم إثبات القذف بأربعة شهداء . فإذا لم يكن مع القاذف غير نفسه أو كان معه غيره ولم تكتمل بهم عدة الأربعة من الشهود العدول لم تقبل شهادتهم بل كانوا جميعا قذفة ليجب في حقهم الحد{[3223]} .

وللمستزيد من أحكام القذف أكثر مما بيناه هنا أن يراجع ذلك في مظانه من كتب الفقه .

قوله : ( فاجلدوهم ثمانين جلدة ) الجلد ، معناه الضرب{[3224]} والمخاطب ، الإمام ، أو ولي الأمر الذي يسوس المسلمين بشرع الله فهو منوط به تنفيذ الحدود . وثمانين ، منصوب على المصدر . وجلدة ، منصوب على التمييز{[3225]} .

واختلفوا في حد القذف ، هل هو حق من حقوق الله كحد الزنا ؟ فهو من حقوق الله عند الإمام أبي حنيفة وأتباعه . وعند المالكية والشافعية أنه حق من حقوق المقذوف . وهو الراجح ؛ لأنه يتوقف على مطالبة المقذوف ، ويصح له الرجوع عنه . وهو لا يقيمه الإمام إلا بمطالبة المقذوف . وهو قول الجمهور .

قوله : ( ولا تقبلوا لهم شهداء أبدا ) معطوف على وجوب جلدهم ؛ أي عاقبوهم بالجلد وعدم قبول شهادتهم ، فقد صاروا بالقذف غير عدول بل فسقة . وذلك مدة حياتهم . وهو تأويل قوله : ( أبدا ) .

قوله : ( وأولئك هم الفاسقون ) أي الخارجون عن طاعة الله بكذبهم وافترائهم على المقذوفين بالباطل .


[3220]:- الأحكام السلطانية ص 29 والروض المربع بشرح زاد المستنقع للشيخ منصور البهوتي جـ 2 ص 386.
[3221]:- تحفة الفقهاء للسمرقندي جـ3 ص 25 ومغني المحتاج جـ4 ص 155 والمبسوط جـ 9 ص 118 وأحكام القرآن للشافعي جـ1 ص 307-311 والكافي جـ3 ص 217 وأسهل المدارك جـ3 ص 173.
[3222]:- الكافي جـ 3 ص 20 والبدائع جـ 7 ص 42 وأسهل المدارك جـ 3 ص 173 وحاشية الخرشي جـ8 ص 87. والمغني جـ8 ص 217 والمبسوط جـ9 ص 115.
[3223]:- المبسوط جـ9 ص 115 والمهذب جـ2 ص 272 والمغني جـ 8 ص 217 والهداية جـ2 ص 112.
[3224]:- مختار الصحاح ص 107.
[3225]:- البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 192.