أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنٗاۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۖ فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ} (8)

شرح الكلمات :

{ أفمن زين له سوء عمله } : أي قبيح عمله من الشر والمعاصي .

{ فرآه حسناً } : أي رآه حسناً زيناً لا قبح فيه .

{ فلا تذهب نفسك عليهم } : أي على أولئك الذين زين لهم الشيطان قبيح أعمالهم .

{ حسرات } : أي لا تُهلِك نفسك بالتحسر عليهم لكفرهم .

{ إن الله عليم بما يصنعون } : وسيجزيهم بصنيعهم الباطل .

المعنى :

ما زال السياق الكريم في تقوية روح الرسول صلى الله عليه وسلم والشد من عزمه أمام تقلبات المشركين وعنادهم ومكرهم فقال تعالى : { أفمن زيِّن له سوءُ عمله فرآه حسناً } أي أفمن زين له الشيطان ونفسه وهو قبيح عمله وهو الشرك والمعاصي فرآه حسناً كمن هداه الله فهو على نور من ربّه يرى الحسنة حسنة والسيئة سيئة والجواب : لا ، لا . وقوله تعالى : { فإن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء } يضل بعدله وحسب سننه في الإِضلال من يشاء من عباده ، ويهدى بفضله من يشاء هدايته إذاً فلا تذهب نفسك أيها الرسول على عدم هدايتهم حسرات فتهلك نفسك تحسُّراً على عدم هدايتهم . وقوله { إن الله عليم بما يصنعون } فلذا لا داعي إلى الحزن والغمّ ما دام الله تعالى وهو ربهم قد أحصى أعمالهم وسيجزيهم بها .

الهداية :

من الهداية :

- التحذير من اتباع الهوى والاستجابة للشيطان فإن ذلك يؤدي بالعبد إلى أن يصبح يرى الأعمال القبيحة حسنة ويومها يحرم هداية الله فلا يهتدي أبداً وهذا ينتج عن الإِدمان على المعاصي والذنوب .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنٗاۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۖ فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ} (8)

ثم بين - سبحانه - الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر ، والمطيع ، والعاصى ، فقال : { أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً . . . } .

والاستفهام للإِنكار . و " من " موصولة فى مضوع رفع على الابتداء . والجملة بعدها صلنها ، والخبر محذوف لدلالة الكلام عليه ، و { زُيِّنَ } من التزيين بمعنى التحسين . وقوله { سواء عَمَلِهِ } أى : عمله السيئ . فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف .

والمعنى : أفمن زين له الشيطان عمله السيئ ، فرآه حسنا ، كمن ليس كذلك ؟ كلا إنهما لا يستويان فى عرف أى عاقل ، فإن الشخص الذى ارتكب الأفعال القبيحة التى زينها له الشيطان ، أو نفسه الأمارة بالسوء ، أو هواه . . . مصيره إلى الشقاء والتعاسة .

أما الشخص الذى خالف الشيطان ، والنفس الأمارة بالسوء ، والهوى المردى . . فمصيره إلى السعادة والفلاح .

وقد صرح - سبحانه - بالأمرين فى آيات منها قوله - تعالى - { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ واتبعوا أَهْوَاءَهُمْ } وجملة { فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ } تعليل لسببية التزيين لرؤية القبيح حسنا . .

أى : هؤلاء الذين يعملون الأعمال السيئة ، وهم يحسبون أنهم يسحنون صنعا ، لا قدرة لك على هدايتهم - أيها الرسول الكريم - فإن الله - تعالى - وحده ، هو الذى يضل من يشاء إضلاله ، ويهدى من يشاء هدايته .

والفاء فى قوله - تعالى - : { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } لتفريع . والحسرات جمعه حسرة ، وهى أشد ما يعترى الإِنسان من ندم على أمر قد مضى وانتهى والجار والمجرور " عليهم " متعلق بقوله " حسرات " .

أى : إذا كان الأمر كما أخبرناك - أيها الرسول الكريم - فامض فى طريقك وبلغ رسالة ربك ، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، ولا تهلك نفسك هما وغما وحزنا من اجل هؤلاء الذين أعرضوا عن الحق ، واعتنقوا الباطل ، وظنوا أنهم بذلك يحسنون صنعا . .

ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يزيد فى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - : { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } .

أى : إن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ مما يفعله هؤلاء الجاهلون من أفعاله قبيحة ، وسيجازيهم يوم القيامة بما يستحقونه من عقاب .

وشبيه هذه الآية قوله - تعالى - : { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } وقوله - سبحانه - : { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً }

وبعد هذه التسلية من الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم وبعد هذا التحذير من وسوسة الشيطان ومن خداعه ، وبعد هذا البيان لسوء عاقبة الكافرين ، وحسن عاقبة المؤمنين ، بعد كل ذلك . . ساقت السورة الكريمة ألوانا من نعم الله - تعالى - على عباده ، ومن حرمته بهم ، نرى ذلك فى الرياح وفى السحب ، وفى البحار والأنهار ، وفى الليل نهار ، وفى الشمس القمر . . . وفى غير ذلك من النعم الظاهرة والباطنة فى هذا الكون .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنٗاۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۖ فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ} (8)

قوله : { أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا } مَن : اسم موصول في محل رفع مبتدأ وخبره محذوف دل عليه قوله : { فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } فيكون المعنى : أفمن زيّن الشيطان له سوء عمله من الكفر والمعاصي فرآه حسنا ، إذْ حسب سيئ ذلك حُسنا ، وقُبْحه جميلا ، ذهبت نفسك عليهم حسرات ؛ فالله جل وعلا نهى رسوله صلى الله عليه وسلم عن شدة الاغتمام بكفر قومه وظلمهم ، وعن فرط حزنه عليهم بسبب شركهم وإعراضهم ع توحيد الله . وقيل : نزلت في مشركي قريش ؛ إذْ أعرضوا عن دين الله وصدوا عن سبيل الله وتمادوا في حب الأصنام وعبادتها .

قوله : { فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } الله الهادي إلى سواء السبيل ؛ فهو سبحانه يوفق من يشاء للهداية والرشاد ، ويخذل من يشاء عن الإيمان ، لحكمة مكنونة لا يعلمها إلا هو سبحانه { فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } { حَسَرَاتٍ } ، منصوب على وجهين . أحدهما : أنه مفعول له . وثانيهما : أنه مصدر{[3842]} والمعنى : لا تهلك نفسك حزنا واغتماما على كفرهم وضلالهم وتكذيبهم لك .

قوله : { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } ذلك تخويف من الله للعباد . فالله جلت قدرته يعلم ما يصنعه العباد ؛ إذ لا يخفى عليه من أفعالهم شيء وهو سبحانه مطلع على ما يصنعه المشركون الضالون الذين زيّن لهم الشيطان سوء أعمالهم ، فالله يجازيهم بذلك سوء الجزاء{[3843]} .


[3842]:البيان لابن الأنباري ج 2 ص 287
[3843]:تفسير الطبري ج 22 ص 78-79 وتفسير القرطبي ج 14 ص 324-326