التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (87)

{ وذا النون } هو يونس عليه السلام ، والنون هو الحوت نسب إليه لأنه التقمه .

{ إذ ذهب مغاضبا } أي : مغاضبا لقومه إذ كان يدعوهم إلى الله فيكفرون حتى أدركه ضجر منهم فخرج عنهم ، ولذلك قال الله : { ولا تكن كصاحب الحوت } [ القلم :48 ] ، ولا يصح قول من قال : مغاضبا لربه .

{ فظن أن لن نقدر عليه } أي : ظن أن نضيق عليه ، فهو من معنى قوله : { فقدر عليه رزقه } [ الطلاق :7 ] ، وقيل : هو من القدر والقضاء أي : ظن أن لن نضيق عليه بعقوبة ، ولا يصح قول من قال : إنه من القدرة .

{ فنادى في الظلمات } قيل : هذا الكلام محذوف لبيانه في غير هذه الآية ، وهو أنه لما خرج ركب السفينة فرمي في البحر فالتقمه الحوت فنادى في الظلمات ، وهي ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت ويحتمل أنه عبر بالظلمة عن بطن الحوت لشدة ظلمته كقوله : { وتركهم في ظلمات } [ البقرة :17 ] .

{ أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } أن مفسرة أو مصدرية على تقدير نادى بأن ، والظلم الذي اعترف به كونه لم يصبر على قومه وخرج عنهم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (87)

قوله تعالى : { وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ( 87 ) فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ( 88 ) } ( النون ) ، معناه الحوت . ( وذا النون ) أي صاحب الحوت وهو يونس ابن متّى ؛ فقد بعثه الله إلى أهل نينوى بالعراق فدعاهم إلى الله تعالى فأبوا واستكبروا ، فغضب منهم لله شديد الغضب . وهو قوله : ( إذ ذهب مغاضبا ) ( مغاضبا ) ، منصوب على الحال . أي مراغما لقومه . ومعنى مغاضبته لهم : إنه أغضبهم بمفارقته لهم ؛ إذ خافوا أن يحل بهم عقاب من الله . وقد ذكر إنه تبرّم بهم لطول ما دعاهم إلى عبادة الله وذكَّرهم تذكيرا فلم يتعظوا ؛ بل أقاموا على كفرهم معاندين . فراغمهم يونس إغضابا لهم ظنا منه جواز ذلك ، مع أنه لم يفعله إلا غضبا وبغضا للكفر والكافرين ؛ فقد كان عليه أن يحتمل ويصبر وينتظر الإذن من الله في المهاجرة عنهم . من أجل ذلك ابتلاه ربه ببطن الحوت . وهو قوله : ( فظن أن لن نقدر عليه ) أي نضيق عليه . وقد ذكر أنه عليه السلام حال مغاضبته لهم ، ذهب صوب البحر فركب مع قوم في سفينة فاضطربت بهم وخافوا الغرق ، فاقترعوا على رجل من بينهم يلقونه في البحر يتخففون منه ، فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات ؛ إذ كانوا يأبون أن يلقوه لما لمسوه فيه من صلاح وتقوى . فما لبث يونس بعد ذلك أن ألقى بنفسه في البحر فالتقمه الحوت ( فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) جمع الظلمات لشدة تكاثفها فكأنها ظُلمة فوق ظلمة . وقيل : الظلمات هي : ظلمة بطن الحوت . وظلمة البحر . وظلمة الليل .

وفي هذه الساعات العصيبة التي تذهب فيها النفس ويغيب فيها كل نصير ومعوان ، وينقطع فيها الرجاء من كل أسباب المدد أو النجاة ، يلوذ المؤمن المبتلى المكروب برب العالمين ؛ ليجد في رحابه الأمن والسكينة والرضى وعسى أن يكشف عنه الغم ويدرأ عنه ما أحاط به من بلاء وهو يدعو ربه ضارعا إليه متذللا ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) أي ظلمت نفسي بخروجي من قومي قبل أن تأذن لي في الخروج . وقد روى الترمذي والنسائي بسنده عن سعد قال : قال رسول الله ( ص ) : " من دعا بدعاء يونس استجيب له " وروى الإمام أحمد بسنده عن عثمان بن عفان من حديث عن رسول الله ( ص ) قال فيه : " نعم دعوة ذي النون ؛ إذ هو في بطن الحوت ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له " .