صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{۞وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ نُوحٍ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكُم مَّقَامِي وَتَذۡكِيرِي بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡتُ فَأَجۡمِعُوٓاْ أَمۡرَكُمۡ وَشُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُنۡ أَمۡرُكُمۡ عَلَيۡكُمۡ غُمَّةٗ ثُمَّ ٱقۡضُوٓاْ إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ} (71)

{ كبر عليهم مقامي } عظم وشقت عليكم قيامي ، أي وجودي بينكم ، أو إقامتي بين أظهركم ، أو على دعوتكم مدة طويلة ، فهو اسم مكان ، أو مصدر ميمي . { فأجمعوا أمركم } أعزموا

وصمموا على إهلاكي . يقال : كأجمع أمره وأجمع عليه ، أي عزمه وصمم عليه . وأصله جعل أمره مجموعا بعد ما كان مفرقا . { و شركاءكم } أي مصاحبين لهم في العزم على إهلاكي . { ثم لا يكن أمركم } ثم لا يكن أمركم مستورا عليكم بل أظهروه وجاهروني به ، فإن الستر إنما يصار إليه اتقاء الهرب أو نحوه ، وذلك محال في حقي ، فلم يكن للستر وجه . والغمة : الستر ، من غمه إذا ستره . و { عليكم } متعلق ب{ غمة } .

{ ثم اقضوا إلي . . . . } أدوا إلى ذلك الأمر الذي تريدون بي ، كما يؤدى الرجل دينه إلى غريمه ، من القضاء بمعنى الأداء . يقال : قضى دينه ، إذا أداه . { ولا تنظرون } ولا تمهلوني بل عجلوا أشد ما تقدرون عليه . والكلام خارج مخرج التهكم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ نُوحٍ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكُم مَّقَامِي وَتَذۡكِيرِي بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡتُ فَأَجۡمِعُوٓاْ أَمۡرَكُمۡ وَشُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُنۡ أَمۡرُكُمۡ عَلَيۡكُمۡ غُمَّةٗ ثُمَّ ٱقۡضُوٓاْ إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ} (71)

قوله تعالى : { واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظروا } .

أمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقصص القصص على قومه المشركين فيذكرهم بما حل بقوم نوح من إهلاكهم بالغرق ليكون في ذلك ما يزجرهم ويخوفهم ويردعهم عن التلبس بالشرك وعبادة الأوثان . وهو قوله : { واتل عليهم نبأ نوح إذ قال قومه يا قوم عن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله } أي إن كان قد ثقل عليكم مقامي وهو مكثي وإقامتي بين أظهركم { وتذكيري بآيات الله } أي شق وكبر عليكم وعظي وما أذكركم به من البراهين والدلائل { فعلى الله توكلت } أي فإني لا أعبأ ولا أبالي بكيدكم وصدكم ؛ لأني قد توكلت على الله ، وفوضت أمري إليه ، واعتمدت في شأني كله عليه { فأجمعوا أمركم وشركاءكم } أي اجتمعوا أنتم وشركاؤكم من الأوثان والآلهة المزيفة الموهومة ، وأعدوا أمركم واعزموا على ما أنتم مقدمون عليه من الكيد لي والمكر بي والنيل مني . وإنما قال ذلك لقلة مبالاته بهم وثقته بما وعده ربه من الكلاءة والعصمة ، وأنهم لن ينفروا إليه ولن يجدوا إليه سبيلا .

قوله : { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } الغمة من الاغتمام . وهو التغطية والاستتار ، والمعنى : لا يكن أمركم عليكم ملتبسا مبهما . أو لا يكن قصدكن إلى إهلاكي مستورا بل مكشوفا تجاهرونني به .

قوله : { ثم اقضوا إلى ولا تنظرون } أي أمضوا إلى ما تحدثكم به أنفسكم من كيدي والإيقاع بي . أو قضوا إلي ما كنتم قاضين ثم لا تؤخرون ولا تمهلون بل عجلوا أمركم واصنعوا بي ما بدا لكم . وفي هذا تعزية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وتقوية من الله لقلبه كيلا يعبأ بكيد المشركين وأذاهم ؛ فالله معه لا يذره وحيدا ولا يسلمه للمتربصين والماكرين{[2014]} .


[2014]:تفسير ابن كثير جـ 2 ص 435 والكشاف جـ 2 ص 245 وتفسير الطبري جـ 11 ص 99.