{ إني متوفيك ورافعك إلي } أي آخذك وافيا بروحك وجسمك ، ورافعك إلى محل كرامتي ، فالعطف للتفسير . يقال : وفيت فلانا حقه ، أي أعطيته إياه وافيا ، فاستوفاه وتوفاه ، أي أخذه وافيا . أو قابضك ومستوفي شخصك من الأرض ، من توفى المال بمعنى استوفاه وقبضه .
واعلم أن عيسى عليه السلام لم يقتل ولم يصلب ، كما قال تعالى : { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } {[90]} وقال : { وما قتلوه يقينا } {[91]} . فاعتقاد النصارى القتل والصلب كفر لا ريب فيه . وقد أخبر الله تعالى أنه رفع إليه عيسى ، كما قال : { ورافعك إلي } وقال : { بل رفعه الله إليه } {[92]}فيجب الإيمان به .
والجمهور على أنه رفع حيا من غير موت ولا غفوة بجسده وروحه إلى السماء . والخصوصية له عليه السلام هي في رفعه بجسده وبقائه فيها إلى الأمد المقدر له ، أما التوفي المذكور في هذه الآية ، وفي قوله تعالى { فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم } فالمراد منه ما ذكرنا على الرواية الصحيحة عن ابن عباس والصحيح من الأقوال ، كما قاله القرطبي ، وهو اختيار الطبري وغيره . وكما كان عليه السلام في مبدء خلقه آية للناس ومعجزة ظاهرة ، كان في نهاية أمره آية ومعجزة باهرة . والمعجزات بأسرها فوق قدرة البشر ومدارك العقول ، وهي من متعلقات القدرة الإلهية ومن الأدلة على صدق الرسل عليهم السلام .
{ ومطهرك من الذين كفروا } بتبعيدك منهم برفعك ، وبنجاتك مما قصدوا بك .
{ وجاعل الذين اتبعوك . . } هم كل من آمن بأنه عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، وآمن بما جاء به من التوحيد الذي به جميع الرسل . ويندرج فيهم المسلمون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، الذين آمنوا برسل الله جميعا ، ولم يفرقوا بين أحد منهم ، وهم فوق الذين كفروا بالحجة والبرهان إلى يوم القيامة .
فقال تعالى مخبراً عن ذلك على وجه مبشر له بأنه عاصمه من أن يقتلوه ومميته حتف{[17390]} أنفه : { إذ } أي مكر حين{[17391]} { قال الله } أي بما له من{[17392]} التفرد بصفات الكمال { يا عيسى إني متوفيك } وعبر عن ذلك بطريق الكناية الإيمائية فإن عصمته من قتل{[17393]} الكفار ملزومة للموت حتف{[17394]} الأنف ، وأما قول الزمخشري : أي مستوفي أجلك ومعناه : إني{[17395]} عاصمك من أن يقتلك الكفار ، ومؤخرك إلى أجل كتبته لك ، ومميتك حتف{[17396]} أنفك لا قتلاً بأيديهم - ليكون كناية تلويحية عن العصمة{[17397]} من القتل{[17398]} لأنها ملزومة لتأخيره إلى الأجل المكتوب والتأخير ملزوم للموت حتف{[17399]} الأنف - فلا ينبغي الاغترار به لأنه مبني على مذهب الاعتزال من أن القاتل قطع أجل المقتول المكتوب ، وكأن القاضي البيضاوي لم يتفطن له فترجم هذه العبارة بما يؤديها ؛ ويجوز أن{[17400]} يكون معنى متوفيك{[17401]} : آخذك إليّ من غير أن يصلوا منك إلى محجم دم{[17402]} ولا ما فوقه من عضو ولا نفس فلا تخش{[17403]} مكرهم .
قال في القاموس : أوفى{[17404]} فلاناً حقه : أعطاه وافياً ، كوفّاه ووافاه فاستوفاه{[17405]} وتوفاه{[17406]} .
ثم زاد{[17407]} سبحانه وتعالى في بشارته بالرفعة إلى محل كرامته وموطن ملائكته ومعدن النزاهة عن الأدناس فقال : { ورافعك } وزاد إعظام ذلك بقوله : { إليّ ومطهرك من الذين كفروا } .
ولما كان لذوي الهمم العوال{[17408]} ، أشد التفات{[17409]} إلى ما يكون عليه خلائفهم بعدهم{[17410]} من الأحوال ، بشره سبحانه وتعالى في ذلك بما يسره{[17411]} فقال : { وجاعل الذين اتبعوك } أي ولو بالاسم { فوق الذين كفروا } أي ستروا ما يعرفون{[17412]} من نبوتك بما رأوا من الآيات التي أتيت{[17413]} بها مطابقة{[17414]} لما عندهم من البشائر بك { إلى يوم القيامة } وكذا كان ، لم يزل من اتسم {[17415]}بالنصرانية حقاً أو باطلاً فوق اليهود ، ولا يزالون كذلك{[17416]} إلى{[17417]} أن يعدموا{[17418]} فلا يبقى منهم أحد .
ولما كان البعث عاماً دل عليه بالالتفات{[17419]} إلى الخطاب فقال{[17420]} تكميلاً لما بشر به من النصرة : { ثم إليّ مرجعكم } أي المؤمن والكافر في الآخرة { فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون * } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.