{ والدم }أي المسفوح المهراق ، الآية : { أو دما مسفوحا }{[48]} . وهي خاصة ، والآية هنا عامة ، والخاص مقدم على العام .
{ ولحم الخنزير } المراد به جميع أجزائه . وعبر عن ذلك باللحم لأنه معظمه والمقصود بالأكل .
{ وما أهل به لغير الله } الإهلال : رفع الصوت عند رؤية الهلال ، ثم استعمل لرفع الصوت مطلقا ومنه : إهلال الصبي ، والإهلال بالحج . وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم سموا عليها أسماءها – كاللات والعزى- ورفعوا بها أصواتهم ، وسمي ذلك إهلالا . ثم توسع فيه فقيل لكل ذابح : مهل ، سمى أو لم يسم ، جهر بالتسمية أولم يجهر . والمراد بما أهل به لغير الله : ما ذبح للأصنام ونحوها ، ومنه ما يذبحه المجوسي للنار . ومنه عند الجمهور : ذبائح أهل الكتاب إذا ذكروا عليها اسم عزير أو عيسى عليهما السلام ، لأنها مما أهل به لغير الله . وذهب جماعة من التابعين إلى تخصيص الغير بالأصنام ، وإلى حل ذبائح أهل الكتاب مطلقا ، لعموم قوله تعالى في سورة المائدة وهي آخر السور نزولا : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم }{[49]} أي ذبائحهم ، وهو سبحانه يعلم ما يقولون . وروى الحسن عن علي رضي الله عنه : إذا ذكر الكتابي اسم غير الله وأنت تسمع فلا تأكل ، فإذا غاب عنك فكل ، فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون . ذكره الرازي والنيسابوري والآلوسي وغيرهم . وظاهر الآية يقتضي ألا يحرم من المعلومات سوى هذه الأربعة ، لكنا نعلم أن في الشرع مطعومات أخرى محرمة كلحوم الحمر الأهلية ، فتصير كلمة " إنما " متروكة الظاهر في العمل ، كما قاله الرازي .
{ فمن اضطر } أي فمن ألجئ بإكراه أوجوع مهلك – مع فقد الحلال – إلى أكل شيء من هذه المحرمات الأربع ، التي كانوا في الجاهلية يستحلونها ، أو التي اعتقد المؤمنون حرمتها ولوفي حالة الاضطرار فلا إثم عليه في أكلها . من الاضطرار وهو الاحتياج إلى الشيء . يقال : اضطره إليه أحوجه وألجأه فاضطر . مأخوذ من الاضرار ، وهو حمل الإنسان على أمر يكرهه ، وقهره عليه بقوة يناله بدفعها الهلاك . والآية استثناء لحالة الضرورة الملجئة .
{ غير باغ ولا عاد } " غير باغ " في أكله ، أي غير طالب للمحرم وهو يجد غيره . أو غير طالب له للذته ، أو على جهة الاستئثار به على مضطر آخر ، بأن ينفرد بتناوله فيهلك الآخر . من البغاء ، وهو الطلب تقول : بغيته بغاء وبغي بغية وبغية ، طلبته . " ولا عاد " فيه ، أي متجاوز سد الجوعة .
اسم فاعل بمعنى متعد ، تقول : عدا طوره ، إذا تجاوز حده وتعداه إلى غيره ، فهو عاد . ومنه : { بل أنتم قوم عادون } {[50]} و " غير " منصوب على الحال من الضمير المستتر في " اضطر " .
{ فلا إثم عليه } أي في أكله ، فسقطت الحرمة للاضطرار . وقيل : سقط الإثم مع بقاء الحرمة للاضطرار . روى عن مسروق : من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ثم مات دخل النار . فجعل الأكل عزيمة لا رخصة .
ولما ذكر تعالى إباحة الطيبات ذكر تحريم الخبائث فقال { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ } وهي : ما مات بغير تذكية شرعية ، لأن الميتة خبيثة مضرة ، لرداءتها في نفسها ، ولأن الأغلب ، أن تكون عن مرض ، فيكون زيادة ضرر{[118]} واستثنى الشارع من هذا العموم ، ميتة الجراد ، وسمك البحر ، فإنه حلال طيب .
{ وَالدَّمَ } أي : المسفوح كما قيد في الآية الأخرى .
{ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ } أي : ذبح لغير الله ، كالذي يذبح للأصنام والأوثان من الأحجار ، والقبور ونحوها ، وهذا المذكور غير حاصر للمحرمات ، جيء به لبيان أجناس الخبائث المدلول عليها بمفهوم قوله : { طَيِّبَاتِ } فعموم المحرمات ، تستفاد من الآية السابقة ، من قوله : { حَلَالًا طَيِّبًا } كما تقدم .
وإنما حرم علينا هذه الخبائث ونحوها ، لطفا بنا ، وتنزيها عن المضر ، ومع هذا { فَمَنِ اضْطُرَّ } أي : ألجئ إلى المحرم ، بجوع وعدم ، أو إكراه ، { غَيْرَ بَاغٍ } أي : غير طالب للمحرم ، مع قدرته على الحلال ، أو مع عدم جوعه ، { وَلَا عَادٍ } أي : متجاوز الحد في تناول ما أبيح له ، اضطرارا ، فمن اضطر وهو غير قادر على الحلال ، وأكل بقدر الضرورة فلا يزيد عليها ، { فَلَا إِثْمَ } [ أي : جناح ] عليه ، وإذا ارتفع الجناح الإثم{[119]} رجع الأمر إلى ما كان عليه ، والإنسان بهذه الحالة ، مأمور بالأكل ، بل منهي أن يلقي بيده إلى التهلكة ، وأن يقتل نفسه .
فيجب ، إذًا عليه الأكل ، ويأثم إن ترك الأكل حتى مات ، فيكون قاتلا لنفسه .
وهذه الإباحة والتوسعة ، من رحمته تعالى بعباده ، فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة فقال : { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }
ولما كان الحل مشروطا بهذين الشرطين ، وكان الإنسان في هذه الحالة ، ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها - أخبر تعالى أنه غفور ، فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال ، خصوصا وقد غلبته الضرورة ، وأذهبت حواسه المشقة .
وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة : " الضرورات تبيح المحظورات " فكل محظور ، اضطر إليه الإنسان ، فقد أباحه له ، الملك الرحمن . [ فله الحمد والشكر ، أولا وآخرا ، وظاهرا وباطنا ] .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.