تأويلات أهل السنة للماتريدي - الماتريدي  
{مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّينَةٍ أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيُخۡزِيَ ٱلۡفَٰسِقِينَ} (5)

الآية 5 وقوله تعالى : { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله } وما ذكر أن اليهود نادوا المسلمين أنكم تزعمون أن الله لا يحب الفساد ، وأنتم تفسدون بقطع النخيل ، لا يحتمل هذا .

قال الله تعالى قبل [ ذلك ]{[20884]} : { يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } فإذا كانت أنفسهم تسخى بتخريب البيوت فما بالها لا تسخى بقطع الأشجار ؟

ومعلوم أنه لا يؤمل في البيوت منفعة بعد تخريبها ، وقد يؤٍٍٍمل في النخيل منافع بعد قطعها . ولكن إن كان يصح ذلك الخبر فتأويله عندنا أنه يجوز أن يكون المسلمون خوّفوهم بالقتل ، فقالوا على إثر ذلك : إنكم إذا قتلتمونا صارت هذه النخل ملكا لكم ، فكيف تفسدون أملاككم ؟

ثم في إذن الله بقطع النخيل أوجه{[20885]} من التأويل :

أحدها : أن يكون فيه بيان أن مقاتلة المسلمين إياهم لم تكن لرغبة في أموالهم بل ليستسلموا لله ولرسوله ويخضعوا لدينه .

والوجه الثاني : أن حرمة هذه الأموال إنما هي لحرمة أربابها ، وأبيح قتلهم وإتلافهم ، فما ظنك بأموالهم ؟ .

والوجه الثالث : أن الله عز وجل كتب عليهم الجلاء ، ومعلوم أن أنفسهم بالجلاء إذا خربت بيوتهم ، وقطعت أشجارهم أسخى منه إذا بقيت ؛ ليقطع طمع من أجلي عن المقام . فأذن الله تعالى في قطع النخيل إتماما/ 559- ب / لما كتب عليهم من الجلاء ، والله أعلم .

[ والوجه ]{[20886]} الرابع : أن هؤلاء كانوا أئمة اليهود والتحريف والتبديل للتوراة ، إنما وقع منهم رغبة في الدنيا وسعتها ، فأذن الله تعالى في قطع النخيل عقوبة لهم وخزيا من الوجه الذي وقع له التبديل منهم ، والله أعلم .

وقوله تعالى : { فبإذن الله } إن كان المراد منه العلم فوجهه أن الله تعالى أمر بالقطع والترك جميعا ، وإن كان المراد منه المشيئة فهو أن الله تعالى قد شاء الأمرين جميعا ، والله أعلم .

واللينة اللون من النخيل كما تقول : قوت وقيتة .

وقوله تعالى : { وليخزي الفاسقين } أي ليكون كبتا وغيظا للفاسقين ، والله أعلم .


[20884]:ساقطة من الأصل و م.
[20885]:في الأصل و م:أوجها.
[20886]:ساقطة من الأصل و م.