جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وهذا احتجاج من الله تعالى ذكره لنبيه على مشركي قومه الذين قالوا:"ما لِهَذَا الرّسُولِ يَأْكُلُ الطّعامَ ويَمْشِي فِي الأسْوَاقِ" وجواب لهم عنه، يقول لهم جلّ ثناؤه: وما أنكر يا محمد هؤلاء القائلون ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، من أكلك الطعام ومشيك في الأسواق، وأنت لله رسول فقد علموا أنا ما أرسلنا قبلك من المرسلين إلاّ إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كالذي تأكل أنت وتمشي، فليس لهم عليك بما قالوا من ذلك حجة.
فإن قال قائل: فإن «مَنْ» ليست في التلاوة، فكيف قلت معنى الكلام: إلاّ مَنْ إِنهم ليأكلون الطعام؟ قيل: قلنا في ذلك معناه: أن الهاء والميم في قوله: «إنهم»، كناية أسماء لم تُذكر، ولا بدّ لها من أن تعود على من كُنِي عنه بها، وإنما ترك ذكر «مَنْ» وإظهاره في الكلام اكتفاء بدلالة قوله: مِنَ المُرْسَلِينَ عليه، كما اكتفي في قوله: "وَما مِنّا إلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ "من إظهار «مَنْ»، ولا شكّ أن معنى ذلك: وما منا إلاّ من له مقام معلوم، كما قيل: "وَإنْ مِنْكُمْ إلاّ وَارِدُها" ومعناه: وإن منكم إلاّ من هو واردها فقوله: "إنّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطّعامَ" صلة ل «مَنِ» المتروك، كما يقال في الكلام: ما أرسلت إليك من الناس إلاّ مَنْ إنه ليبلغك الرسالة، فإنه «ليبلغك الرسالة» صلة ل «مَنْ».
وقوله: "وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً" يقول تعالى ذكره: وامتحنا أيها الناس بعضكم ببعض، جعلنا هذا نبيّا وخصصناه بالرسالة، وهذا ملِكا وخصصناه بالدنيا، وهذا فقيرا وحرمناه الدنيا، لنختبر الفقير بصبره على ما حُرِم مما أعطيه الغنيّ، والملك بصبره على ما أعطيه الرسول من الكرامة، وكيف رضي كل إنسان منهم بما أعطى وقُسِم له، وطاعته ربه مع ما حرِم مما أعطى غيره. يقول: فمن أجل ذلك لم أعط محمدا الدنيا، وجعلته يطلب المعاش في الأسواق، ولأبتليكم أيها الناس، وأختبر طاعتكم ربكم وإجابتكم رسوله إلى ما دعاكم إليه، بغير عَرَض من الدنيا ترجونه من محمد أن يعطيكم على اتباعكم إياه لأني لو أعطيته الدنيا، لسارع كثير منكم إلى اتباعه طمعا في دنياه أن ينال منها...
عن ابن عباس، قال: وأنزل عليه في ذلك من قولهم: "ما لِهَذَا الرّسُولِ يَأْكُلُ الطّعامَ ويَمْشِي فِي الأسْوَاقِ..." "وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلاّ إِنّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطّعامَ ويَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ" أي جعلت بعضكم لبعض بلاء، لتصبروا على ما تسمعون منهم، وترون من خلافهم، وتتبعوا الهدى بغير أن أعطيهم عليه الدنيا ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون لفعلت، ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بكم وأبتليكم بهم.
وقوله: "وكانَ رَبّكَ بَصِيرا" يقول: وربك يا محمد بصير بمن يجزع ومن يصبر على ما امتُحِن به من المحن...
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
إنّي جعلت بعضكم بلاءً لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم وترون من خلافهم وتتبعوا الهدى بغير أن أُعطيهم عليه الدنيا، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رُسلي فلا يخالفون لفعلت، ولكن قدّرت أن أبتلي العباد بكم وأبتليكم بهم...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أخبر أن الذين تَقْدَّموه من الرسل كانوا بَشَراً، ولم تكن الخصوصية لهم إلا ظهورَ المعجزات عليهم. وفي الجملة الفضائل بالمعاني لا بالصورة، ثم قال: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً}. فَضَّلَ بعضاً على بعض، وأمر المفضولَ بالصبر والرضاء، والفاضلَ بالشكر على العطاء وخصَّ قوماً بالبلاء وجعلهم فتنة لأهل البلاء، وخصَّ قوماً بالعوافي، وآخرين بالأسقام والآلام، فلا لِمَن نَعَّمَه مناقب، ولا لِمَنْ امتحنه معايب... فبحُكمِه لا يِجُرْمهم، وبفضله لا بفعلهم، وبإرادته لا بعبادتهم، وباختياره لا بأوضارهم، وبأقذاره لا بأوزارهم، وبه لا بهم. قوله: {أَتَصْبِرُونَ؟} استفهام في معنى الأمر، فَمَنْ ساعَدَه التوفيقُ صبر وشكر ومن قارنه الخذلان أبي وكفر.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلاّ آكلين وماشين... {فِتْنَةً} أي محنة وابتلاء. وهذا تصبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قالوه واستبدعوه، من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعد ما احتج عليهم بسائر الرسل..
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
" وما أرسلنا قبلك من المرسلين "نزلت جوابا للمشركين حيث قالوا:"مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق "[الفرقان: 7].
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
يقول تعالى مخبرا عن جميع مَنْ بعثه من الرسل المتقدمين: إنهم كانوا يأكلون الطعام، ويحتاجون إلى التغذي به {وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ} أي: للتكسب والتجارة، وليس ذلك بمناف لحالهم ومنصبهم؛ فإن الله جعل لهم من السمات الحسنة، والصفات الجميلة، والأقوال الفاضلة، والأعمال الكاملة، والخوارق الباهرة، والأدلة القاهرة، ما يستدل به كل ذي لب سليم، وبصيرة مستقيمة، على صدق ما جاءوا به من الله عز وجل.
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير لابن باديس 1359 هـ :
وما أرسلنا قبلك رجالا من المرسلين إلا حالة أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق: أي ما أرسلناهم في حالة من الأحوال إلا في هذه الحال. و إن واللام والحصر بما و إلا، كل هذه لتأكيد المعنى الذي سيق إليه الكلام، و هو إثبات أن رسول البشر لا يكون إلا بشرا ردا على منكري ذلك المشركين. وعبر بالمضارع في يأكلون ويمشون؛ لأنهما من ضروريات بشريتهم، فهو يتجدد ويتكرر منهم. وأكل الطعام والمشي في الأسواق كناية عن البشرية، لأنهما وصفان لازمان لها...وعلمنا أن الرسول لا يكون إلا من جنس المرسل إليهم، ليحصل الاتصال، و يمكن التلقي. وأن أهل الأرض لو كانوا ملائكة لأرسل لهم ملك، و أنهم لو أنزل عليهم بشر لكسى حلة البشرية و لا لتلبس عليهم أمره، و لقالوا فيه مثل ما قالوا في المرسلين من البشر...وعلمنا أن البشر يؤهل للرسالة باصطفاء الله له، و من مقتضى ذلك الاصطفاء تطهيره من أول نشأته من أوضار البشرية، وظلم الجسمانية وتسفلها فتبقى روحه على غاية الطهر، والعلوية النورانية مستعدة للاتصال بالملأ الأعلى، حتى تستكمل قواها فيأتيها الملك بالوحي...وعلمنا: أن الرسل و إن كانوا موافقين لنا الخلقة البشرية.. فإنهم مباينون لنا غاية المباينة في الخلقة النفسية، من حيث الطهر والكمال..
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
هذا رد على قولهم: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق}...
فقد توسلوا به إلى إبطال رسالته بثبوت صفات البشر له، فكان الرد عليهم بأن جميع الرسل كانوا متصفين بصفات البشر، ولم يكن المشركون منكرين وجود رسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم... وإذ كانوا موجودين فبالضرورة كانوا يأكلون الطعام إذ هم من البشر ويمشون في أسواق المدن والبادية لأن الدعوة تكون في مجامع الناس...وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو قريشاً في مجامعهم ونواديهم ويدعو سائر العرب في عكاظ وفي أيام الموسم...فضمير الخطاب في قوله: {بعضكم} يعم جميع الناس بقرينة السياق. وكلا البعضين مبهم يبينه المقام. وحال الفتنة في كلا البعضين مختلف، فبعضها فتنة في العقيدة، وبعضها فتنة في الأمن، وبعضها فتنة في الأبدان.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
هذا بيان أن الرسل لا يكونون إلا من البشر، وذلك ليستطيعوا أن يرشدوهم ويوجهوهم، ويهديهم الله تعالى بهم...لا بد أن يعيشوا كما يعيش الضعفاء، فلا يكونون ملوكا أو من حواشي الملوك، وإذا كان بعض الأنبياء ذكر بالملك كداود وسليمان، فقد كانوا ملوكا في سلطانهم الحق، ولكن في عيشهم كانوا يعيشون كالضعفاء، فداود عليه السلام كان يأكل من عمل يده، ولعل ابنه سليمان لم يكن من الملوك الذين يستقلون في معيشتهم عن رعيتهم، ومن المؤكد أنه لم يكن ملكا مستعليا على رعيته، ولا يعيش عيش ضعفائهم...
{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} جعل الأقوياء فتنة للضعفاء بإيذائهم، والكافرين فتنة للرسل بعنادهم، والأغنياء فتنة للفقراء باستعلائهم، والضعفاء فتنة للأقوياء بسبقهم إلى الإيمان والحق، وتأخرهم، وهكذا كل من أعطى خيرا دنيويا أو أخرويا يكون فتنة لمن لم يكن مثله، وإن الواجب للمفتون هو الصبر، والواجب على أهل الحق من الأنبياء والصديقين أن يصبروا... {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} كان دالة على الدوام، وأن الناس تحت رقابة الله دائما، يعلم بحال الصابرين والتمكين منهم علم السميع الذي يسمع، والبصير الذي يبصر..
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
يرد هاهنا استفسار، وهو أن ردّ القرآن على المشركين في الآيات أعلاه قائم على أن جميع الأنبياء، كانوا من البشر. وهذا لا يحلّ المشكلة، بل يزيد من حدّتها، ذلك أن من الممكن أن يعمموا إشكالهم على جميع الأنبياء. و الجواب: أنّ الآيات القرآنية المختلفة تدلّ على أن إشكالهم على شخص النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانوا يعتقدون أنه اتخذ لنفسه وضعاً خاصاً به، ولهذا كانوا يقولون: ما لهذا الرّسول...وعلى فرض أنّهم سيعممون هذا الأشكال على جميع الأنبياء، فقد أعطى القرآن جوابهم أيضاً حيث يقول: (ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلا)... إشارة إلى أن الإنسان فقط يستطيع أن يكون مرشداً للإنسان، فهو الواقف على جميع حاجاته ورغباته ومشكلاته ومسائله.
قوله تعالى : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا ( 20 ) } .
جملة ( إلا أنهم ليأكلون ) في محل نصب صفة لمفعول محذوف تقديره : وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين . وقيل : الجملة في محل نصب على الحال . والتقدير : إلا وإنهم . فقدرت معها الواو بيانا للحالية .
وقد كسرت إن ، لوجود اللم في خبرها{[3310]} .
وذلك احتجاج على المشركين الخاطئين بزعمهم أن الرسول لا يأكل كما يأكلون ولا يمشي في الأسواق متكسبا متجرا كما يمشون . وهو كذلك تسلية من الله لرسوله ( ص ) ؛ إذ يخبره أن النبيين الذين أرسلهم من قبله لهداية الناس ما كانوا إلا بشرا يأكلون الطعام كما يأكل الناس ، ويمشون في الأسواق طلبا للرزق والمعاش كما يفعل الناس . فليس في ذلك ما يثير التعجب أو الاستهجان . فالنبيون من جنس البشر يأكلون كما يأكلون وينامون كما ينامون ، ويموتون كما يموتون . لكنهم مع صفاتهم الآدمية هذه ؛ فإنهم أناس أفذاذ مصطفون مميزون بخصائص جليلة فيها من عظيم السمات النفسية والروحية والخلقية ما لا يبلغ دون معشاره البشر .
إن النبيين والمرسلين قد أوتوا من حظوظ الكمال الخلقي والخلقي ، والجمال الروحي والفطري ما يسمو بهم فوق مستويات الناس كافة ؛ فهم بذلك أخيار وأبرار وأطهار قد اصطفاهم الله على العالمين . بما بث في كينونتهم وفطرتهم من رسوخ الإيمان والتقوى ، وجلال الطبع الرهيف الرفاف ، بما ينبغي القطع في يقين أن هؤلاء نخبة مختارة مصطفاة للوحي والرسالة .
قوله : ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ) الفتنة ، البلاء والمحنة . وهذا تصبير لرسول الله ( ص ) على ما قاله المشركون واستهجنوه من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعد أن احتج الله عليهم بسائر المرسلين ؛ إذا كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وهم مرسلون من ربهم لهداية الناس .
على أن الحقيقة الراسخة هنا هي جعل الله الناس بعضهم لبعض فتنة . فقد ابتلى بعضهم ببعض . كما ابتلى أو امتحن الفقراء بالأغنياء ، والمرضى بالأصحاء ، والأغنياء بأولي الفطانة الأذكياء ، ابتلى العلماء بالجهلاء ، مثلما ابتلى النبيين المرسلين الذين بعثهم الله لهداية الناس ، ولإخراجهم من ظلام الباطل والضلال إلى نور الحق واليقين والفضيلة –ابتلاهم الله بالذين أرسلوا إليهم من الأمم الضالة الفاسقة الذين اسكتبروا وأعرضوا عن دين الله فناصبوا رسلهم العداء وآذوهم شر إيذاء ، ووضعوا في طريقهم الأشواك والمعوقات . لا جرم أن ذلك ابتلاء من الله امتحن به عباده الأبرار من النبيين والمرسلين .
وكذلك الذين يدعون إلى الله مخلصين على بصيرة ؛ فإنهم يصطدمون غالبا في طريقهم بالمثبطين المعوقين من الناس الذي يروق لهم العيش في الفسق والفحش والرذيلة ، والذين لا يرغبون لمنهج الله أن يشيع أو يذيع . أولئك شرار الناس الذين مردت نفوسهم على الهوى والباطل والتلبس بالكفر والعصيان ، وقد ابتلى الله بهم المصلحين من المسلمين الذين يأمرون الناس بالمعروف وينهونهم عن المنكر . وبذلك فإن الناس ، بعضهم لبعض فتنة ، فما من أحد في الغالب إلا هو فتنة لغيره . القوي فتنة للضعيف ، والطيب فتنة للخبيث ، والنشيط فتنة للعاجز المتثاقل ، والمحسود فتنة للحسود . فكل مفتون بغيره . والمفلح من نجاه الله من الفتنة ودفع عنه أذى الأشرار وجعله من الصابرين الأخيار . جعلنا الله بفضله ورحمته منهم .
قوله : ( أتصبرون ) الاستفهام بمعنى الأمر ؛ أي اصبروا . أو أتصبرون على هذه الفتنة فتؤجروا أم لا تصبرون فتزدادوا اغتماما ؟ على أن هذه الجملة الاستفهامية ذات الإيقاع الخاص المؤثر ، تتضمن من التحريض على الصبر ما يكشف عن الأهمية البالغة لهذه الخصلة الفضلى وهي الصبر . ويكشف عن درجة التكريم التي يحتلها الصابرون على البلاء والمحن من أذى الأشرار ، وسفه الجاهلين ، وحسد الحاسدين ، ونحو ذلك من ضروب المحن .
قوله : ( وكان ربك بصيرا ) الله عليم بأحوال الناس وبما يستكن في قلوبهم من مختلف الطوايا والمقاصد . وعليم بالذين يصبرون على البلايا والمحن مما يكيده لهم الظالمون على اختلاف صفاتهم ، ويعلم الذين لا يصبرون فيجزعون عند مواجهة الفتن .