الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰٓۗ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (109)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره:"وَمَا أرْسَلْنا" يا محمد "مِنْ قَبْلِكَ إلاّ رِجالاً "لا نساء ولا ملائكة، "نُوحِي إلَيْهِمْ" آياتنا بالدعاء إلى طاعتنا وإفراد العبادة لنا "مِنْ أهْل القُرَى" يعني من أهل الأمصار، دون أهل البوادي...

وقوله: "أفَلَمْ يَسِيروا في الأرْضِ" يقول تعالى ذكره: أفل يسر هؤلاء المشركون الذين يكذبونك يا محمد، ويجحدون نبوّتك، ويُنكرون ما جئتهم به من توحيد الله وإخلاص الطاعة والعبادة له في الأرض، "فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" إذ كذّبوا رسلنا، ألم نُحِلّ بهم عقوبتنا، فنهلكَهم بها، وننج منها رسلنا وأتباعنا، فيتفكروا في ذلك ويعتبروا؟...

وقوله: "وَلَدَارُ الاَخِرَةِ خَيْرٌ" يقول تعالى ذكره: هذا فِعْلنا في الدنيا بأهل ولايتنا وطاعتنا، إن عقوبتنا إذا نزلت بأهل معاصينا والشرك بنا أنجيناهم منها، وما في الدار الآخرة لهم خير. وترك ذكر ما ذكرنا اكتفاء بدلالة قوله: "وَلَدَارُ الاَخِرَةِ خَيْرٌ للّذِينَ اتّقَوْا" عليه، وأضيفت الدار إلى الآخرة، وهي الآخرة، لاختلاف لفظهما... فتأويل الكلام: وللدار الآخرة خير للذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.

وقوله: "أفَلا تَعْقِلُونَ" يقول: أفلا يعقل هؤلاء المشركون بالله حقيقة ما نقول لهم ونخبرهم به من سوء عاقبة الكفر، وغبّ ما يصير إليه حال أهله مع ما قد عاينوا ورأوا وسمعوا مما حلّ بمن قبلهم من الأمم الكافرة المكذّبة رسل ربها.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

وإنما بعث الرسل والأنبياء من الأمصار ولم يبعثهم من البوادي ومن أهل البراري لوجهين: والله أعلم: أحدهما: لأن لأهل الأمصار والمدن اختلاطا بأصناف الناس وامتزاجا بأنواع الخلق ويكون لهم تجارب بالخلق فهم أعقل وأحلم وأبصر من أهل البادية والبرية...

والثاني: لأنه يراد من الرسالة إظهارها في الخلق في الآفاق والأطراف، والأمصار والمدن هي الأمكنة التي ينتاب الناس إليها في التجارة وأنواع الحوائج من الآفاق والأطراف فيظهر ذلك فيها، وفي أهل الآفاق والبوادي والبراري ليس يدخلها، ولا ينتاب إليها إلا الشاذة من الناس، ولا تقضى فيها الحوائج، فلا تظهر في الخلق الرسالة وما يراد بها...

(أفلم يسيروا في الأرض...) يخرج على وجهين:

أحدهما: أي قد ساروا، ونظروا كيف كان عاقبة المكذبين لكنهم عاندوا ولم يعتبروا.

والثاني: أي سيروا في الأرض وانظروا، ولكن ليس على نفس السير في الأرض، ولكن على السؤال عما نزل بأولئك...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{ولدار الآخرة خير} يعني بالدار الجنة، وبالآخرة القيامة، فسمى الجنة داراً وإن كانت النار داراً لأن الجنة وطن اختيار، والنار مسكن اضطرار...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

هذه الآية تتضمن الرد على مستغربي إرسال الرسل من البشر كالطائفة التي قالت: أبعث الله بشراً رسولاً، وكالطائفة التي اقترحت ملكاً وغيرهما...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما أوضح إبطال ما تعنتوا به من قولهم "لو أنزل عليه كنز "أتبعه ما يوضح تعنتهم في قولهم {أو جاء معه ملك} بذكر المرسلين، وأهل السبيل المستقيم، الداعين إلى الله على بصيرة، فقال: {وما أرسلنا} أي بما لنا من العظمة. ولما كان الإرسال لشرفه لا يتأتى على ما جرت به الحكمة في كل زمن كما أنه لا يصلح للرسالة كل أحد، وكان السياق لإنكار التأييد بملك في قوله {أو جاء معه ملك} كالذي في النحل، لا لإنكار رسالة البشر، أدخل الجار تنبيهاً على ذلك فقال: {من قبلك} أي إلى المكلفين {إلا رجالاً} أي مثل ما أنك رجل، لا ملائكة ولا إناثاً -كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما، والرجل مأخوذ من المشي على الرجل {نوحي إليهم} أي بواسطة الملائكة مثل ما يوحى إليك {من أهل القرى} مثل ما أنك من أهل القرى، أي الأماكن المبنية بالمدر والحجر ونحوه، لأنها متهيئة للإقامة والاجتماع وانتياب أهل الفضائل، وذلك أجدر بغزارة العقل وأصالة الرأي وحدة الذهن وتوليد المعارف من البوادي، ومكة أم القرى في ذلك لأنها مجمع لجميع الخلائق لما أمروا به من حج البيت، وكان العرب كلهم يأتونها...

وذلك لأن المدن مواضع الحكمة، والبوادي مواطن لظهور الكلمة، ولما كانت مكة أو القرى مدينة، وهي مع ذلك في بلاد البادية، جمعت الأمرين وفازت بالأثرين، لأجل أن المرسل إليها جامع لكل ما تفرق في غيره من المرسلين، وخاتم لجميع النبيين- صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين...

ولما كان الاعتبار بأحوال من سلف للنجاة مما حل بهم أهم المهم، اعترض بالحث عليه بين الغاية ومتعلقها، فقال: {أفلم يسيروا} أي يوقع السير هؤلاء المكذبون {في الأرض} أي في هذا الجنس الصادق بالقليل والكثير. ولما كان المراد سير الاعتبار سبب عنه قوله {فينظروا} أي عقب سيرهم وبسببه، ونبه على أن ذلك أمر عظيم ينبغي الاهتمام بالسؤال عنه بذكر أداة الاستفهام فقال {كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {الذين} ولما كان الذين يعتبر بحالهم -لما حل بهم من الأمور العظام- في بعض الأزمنة الماضية، وكان المخاطبون بهذا القرآن لا يمكنهم الإحاطة بأهل الأرض وإن كان في حال كل منهم عظه، أتى بالجار فقال: {من قبلهم} في الرضى بأهوائهم في تقليد آبائهم، وهذا كما تقدم في سورة يونس من أن الآيات لا تغني عمن ختم على قلبه، والتذكير بأحوال الماضين من هلاك العاصين ونجاة الطائعين، والاعتراض بين ذلك بقوله {قل انتظروا إني معكم من المنتظرين} وهو يدل على أنه تعالى يغضب ممن أعرض عن تدبر آياته؛ والسير: المرور الممتد في جهة، ومنه أخذ السير، وأخذ السيور من الجلد؛ والنظر: طلب إدراك المعنى بالعين أو القلب، وأصله مقابلة الشيء بالبصر لإدراكه.

ولما كان من الممكن أن يدعي مطموس البصيرة أنه كان لهم نوع خير، قال على طريقة إرخاء العنان: {ولدار} أي الساعة أو الحالة {الآخرة} أي التي وقع التنبيه عليها بأمور تفوت الحصر منها دار الدنيا فإنه لا تكون دنيا إلا بقصيا {خير للذين اتقوا} أي حملهم الخوف على جعل الائتمار والانزجار وقاية من حياة أهون مآلها الموت، وإن فرض فيها من المحال أنها امتدت ألف عام، وكان عيشها كله رغداً من غير آلام.

ولما كان تسليم هذا لا يحتاج فيه إلى أكثر من العقل، قال مسبباً عنه منكراً عليهم مبكتاً لهم: {أفلا يعقلون} أي فيتبعوا الداعي إلى هذا السبيل الأقوم.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

ثم قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا} أي: لم نرسل ملائكة ولا غيرهم من أصناف الخلق، فلأي شيء يستغرب قومك رسالتك، ويزعمون أنه ليس لك عليهم فضل، فلك فيمن قبلك من المرسلين أسوة حسنة {نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} أي: لا من البادية، بل من أهل القرى الذين هم أكمل عقولا، وأصح آراء، وليتبين أمرهم ويتضح شأنهم. {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} إذا لم يصدقوا لقولك، {فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} كيف أهلكهم الله بتكذيبهم، فاحذروا أن تقيموا على ما أقاموا عليه، فيصيبكم ما أصابهم، {وَلَدَارُ الْآخِرَةِ} أي: الجنة وما فيها من النعيم المقيم، {خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} الله في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن نعيم الدنيا منغص منكد، منقطع، ونعيم الآخرة تام كامل، لا يفنى أبدا، بل هو على الدوام في تزايد وتواصل، {عطاء غير مجذوذ} {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أي: أفلا تكون لكم عقول تؤثر الذي هو خير على الأدنى...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

إن النظر في آثار الغابرين يهز القلوب. حتى قلوب المتجبرين. ولحظات الاسترجاع الخيالي لحركاتهم وسكناتهم وخلجاتهم؛ وتصورهم أحياء يروحون في هذه الأمكنة ويجيئون، يخافون ويرجون، يطمعون ويتطلعون.. ثم إذا هم ساكنون، لا حس ولا حركة. آثارهم خاوية، طواهم الفناء وانطوت معهم مشاعرهم وعوالمهم وأفكارهم وحركاتهم وسكناتهم، ودنياهم الماثلة للعيان والمستكنة في الضمائر والمشاعر.. إن هذه التأملات لتهز القلب البشري هزا مهما يكن جاسيا غافلا قاسيا. ومن ثم يأخذ القرآن بيد القوم ليوقفهم على مصارع الغابرين بين الحين والحين: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى).. لم يكونوا ملائكة ولا خلقا آخر. إنما كانوا بشرا مثلك من أهل الحاضرة، لا من أهل البادية، ليكونوا أرق حاشية وألين جانبا.. وأصبر على احتمال تكاليف الدعوة والهداية، فرسالتك ماضية على سنة الله في إرسال رجال من البشر نوحي إليهم.. (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم؟).. فيدركوا أن مصيرهم كمصيرهم؛ وأن سنة الله الواضحة الآثار في آثار الغابرين ستنالهم، وأن عاقبتهم في هذه الأرض إلى ذهاب: ولدار الآخرة خير للذين اتقوا. خير من هذه الدار التي ليس فيها قرار.

(أفلا تعقلون؟).. فتتدبروا سنن الله في الغابرين؟ أفلا تعقلون فتؤثروا المتاع الباقي على المتاع القصير؟...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

... وليس تخصيص الرجال وأنهم من أهل القرى لقصد الاحتراز عن النساء ومن أهل البادية ولكنه لبيان المماثلة بين مَن سلّموا برسالتهم وبين محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: {فليأتنا بآية كما أرسل الأولون} [الأنبياء: 5] و {قالوا لولا أوتي مثلَ ما أوتي موسى} [القصص: 48]، أي فما كان محمد صلى الله عليه وسلم بِدعاً من الرسل حتى تبادروا بإنكار رسالته وتُعرضوا عن النظر في آياته...

والاستفهام إنكاري؛ فإن مجموع المتحدّث عنهم ساروا في الأرض فرأوا عاقبة المكذبين مثل عاد وثمود. وهذا التفريع اعتراض بالوعيد والتهديد...

وجملة {ولدار الآخرة} خبر. معطوفة على الاعتراض فلها حكمه، وهو اعتراض بالتبشير وحسن العاقبة للرسل عليهم السلام ومن آمن بهم وهم الذين اتقوا، وهو تعريض بسلامة عاقبة المتقين في الدنيا، وتعريض أيضاً بأن دار الآخرة أشد أيضاً على الذين من قبلهم من العاقبة التي كانت في الدنيا فحصل إيجاز بحذف جملتين...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

وكان رسل الله من أهل المدن يبعثون فيها، ليكون الرسول على علم بأحوال الناس، وليكون معروفا بينهم مشهورا غير مغمور، يكون ذا مكانة من غير غطرسة فيهم، قبل النبوة، فتكون شهادة له بالصدق بعدها...

ودعاهم سبحانه وتعالى إلى التفكير، واستعمالهم عقولهم، فقال: {أفلا تعقلون} (الفاء) كما ذكرنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن ما قبلها من أحوال الأمم، وما يكون يوم القيامة للأبرار يدعوهم إلى التعقل والتفكير...

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰٓۗ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (109)

ولما أوضح{[43088]} إبطال ما تعنتوا به من قولهم " لو أنزل{[43089]} عليه كنز " أتبعه ما{[43090]} يوضح تعنتهم في قولهم { أو جاء معه ملك } بذكر المرسلين ، وأهل السبيل المستقيم ، الداعين إلى الله{[43091]} على بصيرة ، فقال : { وما أرسلنا } أي بما لنا من العظمة . ولما كان الإرسال لشرفه لا يتأتى على ما جرت به الحكمة في كل زمن كما أنه لا يصلح للرسالة كل أحد ، وكان السياق لإنكار التأييد بملك في قوله { أو جاء معه ملك } كالذي في النحل{[43092]} ، لا لإنكار رسالة البشر ، أدخل الجار تنبيهاً على ذلك فقال : { من قبلك } أي إلى المكلفين { إلا رجالاً } أي مثل ما أنك رجل ، لا ملائكة{[43093]} ولا إناثاً{[43094]} - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما{[43095]} ، والرجل مأخوذ من المشي على الرجل { نوحي{[43096]} إليهم } أي بواسطة الملائكة{[43097]} مثل ما يوحى إليك { من أهل القرى } مثل ما أنك من أهل القرى ، أي الأماكن المبنية بالمدر والحجر ونحوه ، لأنها متهيئة للإقامة والاجتماع وانتياب{[43098]} أهل الفضائل ، وذلك أجدر بغزارة{[43099]} العقل وأصالة الرأي وحدة الذهن وتوليد المعارف من البوادي ، ومكة أم القرى في ذلك لأنها مجمع لجميع الخلائق لما أمروا به من حج البيت ، وكان العرب كلهم يأتونها ؛ قال الرماني : وقال الحسن{[43100]} : لم يبعث الله نبياً من أهل البادية ولا من الجن ولا من النساء - انتهى .

وذلك لأن المدن مواضع الحكمة ، والبوادي مواطن لظهور الكلمة ، ولما كانت مكة أو القرى مدينة ، وهي مع ذلك في بلاد البادية ، جمعت الأمرين وفازت بالأثرين ، لأجل أن المرسل إليها{[43101]} جامع لكل ما تفرق في غيره من المرسلين ، وخاتم لجميع النبيين - صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين .

ومادة " قرى " - يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة بتراكيبها الخمسة عشر - تدور على الجمع ، ويلزمه{[43102]} الإمساك ، وربما كان عنه الانتشار ، فالقرية - بالفتح ويكسر{[43103]} : المصر الجامع ، وأقرى : لزم القرية ، والقاري : ساكنها ، والقارية{[43104]} : الحاضرة الجامعة ، وطير أخضر ، إما للزومها ، وإما لجمع لونه للبصر ، والقريتين - مثنى وأكثر ما{[43105]} يتلفظ به{[43106]} بالياء : مكة{[43107]} والطائف ، وقرية النمل : مجتمع ترابها ، وقريت{[43108]} الماء في الحوض : جمعته ، والمقراة : شبه حوض ، وكل ما اجتمع فيه ماء ، والقريّ : ماء مستجمع ، والمدة تقرى في الجرح - أي تجتمع{[43109]} ، والقواري : الشهود{[43110]} - لجمعهم الأمور{[43111]} ، والقواري : الناس الصالحون - كأنه مخفف من المهموز ، وقريت الضيف{[43112]} قرى بالكسر والقصر ، وبالفتح والمد : أضفته كاقتريته ، والمقراة : الجفنة{[43113]} يقرى فيها الضيف ، والمقاري : القدور ، وقرى البعير وكل ما اجتر : جمع جرته في شدقه ، وقرت الناقة : ورم شدقاها من وجع الأسنان{[43114]} كأنها لا تقدر مع ذلك على جمع الجرة ، فيكون من السلب ، وقرى البلاد : تتبعها يخرج من أرض إلى أرض كاقتراها{[43115]} واستقراها - لجمعه بينها ، وقريّ الماء كغني : مسيله من التلاع{[43116]} ، أو موقعه من الربو{[43117]} إلى الروضة{[43118]} - لأنه مكان اجتماعه ، وقرى الخيل : واد - كأنها اجتمعت فيه ، والقرية - كغنية : العصا لأن الراعي يجمع بها ما يرعاه . وبها يجمع كل ما يراد جمعه ، وأعواد فيها فرض{[43119]} يجعل فيها رأس عمود البيت ، لأنه بها يقام فيجمع من{[43120]} يراد ، وعود الشراع{[43121]} الذي في عرضه من أعلاه ، لأنه يجمع الشراع ملفوفاً ومنشوراً ، وقريت الصحيفة لغة في قرأتها - إذا تلوتها فجمعت علمها وكلامها ، والقارية : أسفل الرمح ، لأنه يجمع زجه ، أو أعلاه ، لأنه يجمع عاليته ، وحد الرمح ، لأنه يجمع مراد صاحبه ، وكذا حد السيف ، والقارية - بالتشديد{[43122]} : طائر أخضر إذا رأوه استبشروا بالمطر - كأنه{[43123]} رسول الغيث أو مقدمة السحاب ، جمعه قواري ، كأنه سمي بذلك لأنه سبب جمع الهم للمطر ؛ والقير والقار : شيء أسود تطلى به السفن ، والإبل ، والحباب ، والزقاق ، أو هما الزفت ، وعلى كل تقدير هو ساد للشقوق{[43124]} والمسام فكان الجامع بين أجزاء{[43125]} السفينة وغيرها ، وهذا أقير من هذا{[43126]} أشد{[43127]} مرارة - تشبيه بالقير الطعم ، والمر أيضاً يجمع الفم نحوه بالقبض ، والقيّور - كتنور : الخامل{[43128]} النسب ، شبه به أيضاً لأن القير لما قل احتياج أكثر{[43129]} الناس إليه في كثير من الأوقات صار قليل الذكر - وهذا معنى الخمول ، والقيار كشداد{[43130]} : صاحب القير ، وبئر لبني عجل قرب واسط ، كأنها سميت لجمعها إياهم ، وقيار{[43131]} اسم فرس ، كأنه لجودته يجمع لصاحبه ما يريد{[43132]} ، والقارة : الدّبة{[43133]} كذلك ، والقارة : حي من العرب سموا لأن ابن الشداخ{[43134]} أراد أن يفرقهم في كنانة{[43135]} فقال شاعرهم :

دعونا قارة لا تجفلونا{[43136]} *** فنجفل مثل إجفال الظليم

ذكره مختصر العين{[43137]} هنا وغيره في الواو ، واقتار الحديث اقتياراً : بحث عنه - لأن ذلك سبب لجمعه ، والقيِّر - كهيّن : الأسوار من الرماة الحاذق ، لأنه يجمع بذلك ما يريد ؛ ورقيت الرجل بالفتح رقية : عوذته ، ونفثت في عوذته - لأن الراقي يجمع ريقه وينفث{[43138]} ، ورقيت في الشيء رقياً - إذا صعدت عليه - كأنك جمعت بين درجه ، والمرقاة بالفتح ويكسر : الدرجة ، لأن العلو من آثار الجمع ، ورقى عليه كلاماً ترقية : رفع ، لأنه جمعه عليه ، ومرقيا{[43139]} الأنف : حرفاه لأنهما الجامعان له ؛ والرائق من الماء : الخالص ، لأنه إذا خلص اشتد تلاصق أجزائه لزوال ما{[43140]} كان يتخللها من الغبر{[43141]} ، وراق الماء يريق - إذا انصب ، إما لأنه اجتمع إلى المحل الذي انصب إليه ، أو يكون من السلب كأراقه بمعنى صبه ، وراق السراب{[43142]} يريق وتريق{[43143]} يتريق - إذا تضحضح فوق الأرض أي تردد ، إما من السلب ، وإما تشبيه بالمجتمع ، والريق : تردد الماء على وجه الأرض من الضحضاح أي ليسير ونحوه ، لأنه لا يتردد إلا وهو مجتمع ، والريق : أول كل شيء وأفضله من الرائق بمعنى الخالص ، ولأن الأول يجتمع{[43144]} إليه غيره ، والأفضل يجمع{[43145]} ما يراد ، والريق أيضاً : الباطل ، كالريوق{[43146]} كتنور - تشبيهاً{[43147]} بالسراب{[43148]} ، وريق الفم معروف ، لاجتماعه ، والريق : القوة ، لجمعها المراد ، والريق والرائق : الخالص وكل ما أكل أو شرب على الريق ، {[43149]} ومن ليس في يده شيء ، كأنه خلص عن العلائق فاجتمع همه ، ومن هو على الريق{[43150]} كريق ككيس ، وهو يريق بنفسه : يجود بها عند الموت ، من راق{[43151]} الماء : انصب ، والمريق - كمعظم : من لا يزال يعجبه شيء ، ولعله من{[43152]} راقه يروقه - إذا أعجبه ، فجمع همه إليه ؛ واليارق : ضرب من الأسورة ، لأنه يجمع المعصم ، واليرقان - ويسكن : الاستقامة والطريقة وآفة للزرع . ومرض معروف ، وسيذكر في " أرق " في{[43153]} أول سورة الحجر إن شاء الله تعالى .

ولما كان الاعتبار بأحوال من سلف للنجاة مما حل{[43154]} بهم أهم{[43155]} المهم ، اعترض بالحث{[43156]} عليه بين الغاية ومتعلقها ، فقال : { أفلم يسيروا } أي يوقع السير هؤلاء المكذبون{[43157]} { في الأرض } أي في هذا الجنس الصادق بالقليل والكثير . ولما كان المراد سير الاعتبار سبب عنه قوله{[43158]} { فينظروا } أي عقب سيرهم وبسببه ، ونبه على أن{[43159]} ذلك{[43160]} أمر عظيم ينبغي الاهتمام بالسؤال عنه{[43161]} بذكر أداة الاستفهام فقال { كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { الذين } ولما كان الذين يعتبر بحالهم - لما حل{[43162]} بهم من الأمور العظام - في بعض الأزمنة الماضية ، وكان المخاطبون بهذا القرآن لا يمكنهم الإحاطة بأهل الأرض وإن كان في حال كل منهم عظه ، أتى بالجار فقال : { من قبلهم } في الرضى بأهوائهم في تقليد آبائهم ، وهذا كما تقدم في سورة يونس من أن الآيات لا تغني{[43163]} عمن ختم على قلبه ، والتذكير بأحوال الماضين من هلاك العاصين ونجاة الطائعين ، والاعتراض بين ذلك بقوله { قل انتظروا إني معكم من المنتظرين } وهو{[43164]} يدل على أنه تعالى يغضب ممن أعرض عن تدبر{[43165]} آياته ؛ والسير : المرور الممتد في جهة ، ومنه أخذ السير ، وأخذ السيور من الجلد ؛ والنظر : طلب إدراك المعنى بالعين أو{[43166]} القلب ، وأصله{[43167]} مقابلة الشيء بالبصر لإدراكه .

ولما كان من الممكن أن يدعي مطموس البصيرة أنه{[43168]} كان لهم نوع خير ، قال على طريقة{[43169]} إرخاء العنان : { ولدار } أي الساعة أو الحالة { الآخرة } أي التي وقع التنبيه عليها بأمور تفوت الحصر منها دار الدنيا فإنه لا تكون{[43170]} دنيا إلا بقصيا{[43171]} { خير للذين اتقوا } أي حملهم الخوف على جعل الائتمار والانزجار وقاية من حياة أهون مآلها الموت ، وإن فرض فيها من المحال أنها امتدت ألف عام ، وكان عيشها كله رغداً من غير آلام .

ولما كان تسليم{[43172]} هذا لا يحتاج فيه إلى أكثر من العقل ، قال مسبباً عنه منكراً{[43173]} عليهم مبكتاً لهم : { أفلا يعقلون * } أي فيتبعوا الداعي إلى هذا السبيل الأقوم .


[43088]:تكرر في الأصل، وزيد بعده في مد: بطلان.
[43089]:من سورة 11 آية 12، وفي الأصول: ألقى.
[43090]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: بما.
[43091]:سقط من ظ.
[43092]:راجع آية 43.
[43093]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: ملكة.
[43094]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: اناما- كذا.
[43095]:راجع البحر 5/353.
[43096]:وقراءة حفص بنون التكلم.
[43097]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: ملكة.
[43098]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: انتساب.
[43099]:من م ومد، وفي الأصل: بطرارة، وفي ظ: بغرازة.
[43100]:راجع روح المعاني 4/131.
[43101]:في ظ: إياها.
[43102]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: يستلزمه.
[43103]:من القاموس، وفي الأصل و ظ و م: بكسر، وفي مد: تكسر.
[43104]:من م ومد والقاموس، وفي الأصل: القرابة، وفي ظ: القراية- كذا.
[43105]:في ظ: بما.
[43106]:من م والقاموس، وفي الأصل و ظ: بالباء مكية، وفي مد: بالياء مكية- كذا.
[43107]:من م والقاموس، وفي الأصل و ظ: بالباء مكية، وفي مد: بالياء مكية- كذا.
[43108]:في مد: قرية.
[43109]:في ظ: تجمع.
[43110]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الشهور.
[43111]:وراجع أيضا قول الزمخشري في التاج.
[43112]:العبارة من هنا إلى " يقرى فيها" ساقطة من ظ.
[43113]:من م والتاج، وفي الأصل و ظ ومد: خفية.
[43114]:زيد ما بين الحاجزين من ظ و م ومد.
[43115]:من م ومد والقاموس، وفي الأصل و ظ: فاقتراها.
[43116]:من م ومد والقاموس، وفي الأصل و ظ: القلاع.
[43117]:من م والقاموس، وفي الأصل: الرث، وفي ظ ومد: الرثو- كذا.
[43118]:من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل: الرضة.
[43119]:من القاموس، وفي الأصول: قرص.
[43120]:في م ومد: ما.
[43121]:من م ومد والقاموس، وفي الأصل و ظ: السراع.
[43122]:من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل: التشديد.
[43123]:في ظ: لأنه.
[43124]:في ظ: للشعوف.
[43125]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: أخذ.
[43126]:زيد من م ومد.
[43127]:من م ومد والقاموس، وفي الأصل و ظ: أسد.
[43128]:من م والقاموس، وفي الأصل و ظ ومد: الحامل.
[43129]:سقط من ظ.
[43130]:من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل: كشدار.
[43131]:من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل: قياس.
[43132]:في ظ: يريده.
[43133]:من القاموس، وفي الأصول: الدابة.
[43134]:من م ومد والتاج، وفي الأصل: السراح، وفي ظ: الشراع.
[43135]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: كتابه؛ وفي التاج: بني كنانة.
[43136]:في التاج: لا تذعرونا.
[43137]:من ظ ومد، وفي الأصل: المعنى، وفي م: العيني- كذا.
[43138]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: يرفث.
[43139]:من القاموس، وفي الأصول: مرق- كذا.
[43140]:تكرر في الأصل و ظ.
[43141]:من م ، وفي الأصل و ظ ومد: الغير.
[43142]:من القاموس، وفي الأصول: الشراب.
[43143]:من م واللسان، وفي الأصل و ظ ومد: يريق.
[43144]:سقط ما بين الرقمين من مد.
[43145]:سقط ما بين الرقمين من مد.
[43146]:من م والقاموس، وفي الأصل و ظ ومد: كالرهوق.
[43147]:زيد في مد: ما.
[43148]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: بالشراب.
[43149]:سقط ما بين الرقمين من مد.
[43150]:سقط ما بين الرقمين من مد.
[43151]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: رائق.
[43152]:في مد: لمن.
[43153]:في ظ ومد: من.
[43154]:في مد: أحل.
[43155]:سقط من مد.
[43156]:في ظ: بالحب.
[43157]:من مد، وفي الأصل و ظ و م: المكذبين.
[43158]:زيد من م ومد.
[43159]:زيد من ظ و م ومد.
[43160]:زيد بعده في مد: ينبغي.
[43161]:في ظ: عليه.
[43162]:في مد: أحل.
[43163]:زيد من م ومد.
[43164]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: هذا.
[43165]:في مد: تذكر.
[43166]:في مد "و".
[43167]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: أصل.
[43168]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: إنهم.
[43169]:في مد: طريق.
[43170]:من مد، وفي الأصل و ظ و م: لا يكون.
[43171]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: بقصا.
[43172]:في مد: تسليهم- كذا.
[43173]:زيد من م ومد.