تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم عظم نفسه، فقال: {بديع السماوات والأرض} ابتدعهما ولم يكونا شيئا.
{وإذا قضى أمرا} في علمه أنه كائن.
{فإنما يقول له كن فيكون}: لا يثنى قوله كفعل المخلوقين، وذلك أن الله عز وجل، قضى أن يكون عيسى صلى الله عليه وسلم في بطن أمه من غير أب، فقال له: كن، فكان...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"بَدِيعُ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ": مبدعها... ومعنى المبدع: المنشئ والمحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد، ولذلك سمي المبتدع في الدين مبتدعا، لإحداثه فيه ما لم يسبقه إليه غيره. وكذلك كل محدث فعلاً أو قولاً لم يتقدّمه فيه متقدّم، فإن العرب تسميه مبتدعا...
فمعنى الكلام: سبحان الله أنى يكون له ولد وهو مالك ما في السموات والأرض، تشهد له جميعا بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقرّ له بالطاعة وهو بارئها وخالقها، وموجدها من غير أصل، ولا مثال احتذاها عليه وهذا إعلام من الله جل ثناؤه عباده، أن مما يشهد له بذلك المسيح الذي أضافوا إلى الله جل ثناؤه بنوّته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل وعلى غير مثال، هو الذي ابتدع المسيح من غير والد بقدرته...
"وَإِذَا قَضَى أمْرا": وإذا أحكم أمرا وحَتَمه. وأَصْلُ كل قضاء أمرٍ الإحكام والفراغ منه ومن ذلك قيل للحاكم بين الناس: القاضي بينهم، لفصله القضاء بين الخصوم، وقَطْعه الحكم بينهم وفراغه منه. ومنه قيل للميت: قد قَضَى، يراد به قد فرغ من الدنيا وفصل منها... ومنه قول الله عز وجل: {وَقَضَى رَبّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إيَاهُ} أي فصل الحكم فيه بين عباده بأمره إياهم بذلك...
{فإنّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}: وإذا أحكم أمرا فحتمه، فإنما يقول لذلك الأمر «كُنْ»، فيكون ذلك الأمر على ما أمره الله أن يكون وأراده...
{وَإِذَا قَضَى أمْرا فإنّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}: هو عامّ في كل ما قضاه الله وبرأه، لأن ظاهر ذلك ظاهر عموم، وغير جائز إحالة الظاهر إلى الباطن من التأويل بغير برهان لما قد بينا في كتابنا: «كتاب البيان عن أصول الأحكام». وإذْ كان ذلك كذلك، فأمر الله جل وعز لشيء إذا أراد تكوينه موجودا بقوله: كُنْ في حال إرادته إياه مكوّنا، لا يتقدّم وجودَ الذي أراد إيجاده وتكوينه إرادته إياه، ولا أمره بالكون والوجود، ولا يتأخر عنه. فغير جائز أن يكون الشيء مأمورا بالوجود مرادا كذلك إلا وهو موجود، ولا أن يكون موجودا إلا وهو مأمور بالوجود مراد كذلك. ونظير قوله: {وَإِذَا قَضَى أمْرا فَإنّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أنْ تَقُومَ السمّاءُ والأرْض بأمْرِهِ ثُمّ إذَا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} بأن خروج القوم من قبورهم لا يتقدّم دعاء الله، ولا يتأخر عنه...
فمعنى الآية إذا: وقالوا اتخذ الله ولدا، سبحانه أن يكون له ولد بل هو مالك السموات والأرض وما فيهما، كل ذلك مقرّ له بالعبودية بدلالته على وحدانيته. وأنّى يكون له ولد، وهو الذي ابتدع السماوات والأرض من غير أصل، كالذي ابتدع المسيح من غير والد بقدرته وسلطانه، الذي لا يتعذّر عليه به شيء أراده، بل إنما يقول له إذا قضاه فأراد تكوينه: «كُنْ»، فيكون موجودا كما أراده وشاءه. فكذلك كان ابتداعه المسيح وإنشاؤه إذْ أراد خلقه من غير والد.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
فيه الحجة على هؤلاء الذين قالوا: {اتخذ الله ولدا} [البقرة: 116] بوجهين:
الأول: أن يقال: من قدر على خلق السماوات والأرض من غير شيء ولا سبب كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير أب؟
والثاني: أن يقال من له القدرة على خلق ما يصعب، ويعظم في أعينكم بأقل الأحرف عندكم، كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير أب؟
وقوله: {وإذا قضى أمرا} قيل: وإذا حكم حكما: {فإنما يقول له...}...
{كن فيكون} لا يخلو التكوين: إما أن لم يكن، فحدث، وإما أن كان في الأزل... و... الله تعالى موصوف في الأزل أنه محدث مكون فيكون كل شيء في الوقت الذي أراد كونه فيه، وبالله التوفيق...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
البديع عند العلماء مُوجِد العين لا على مِثْل، وعند أهل الإشارة الذي ليس له شيء مِثله. فهذا الاسم يشير إلى نفي المثل عن ذاته، ونفي المثال عن أفعاله، فهو الأحد الذي لا عدد يجمعه، والصمد الذي لا أَمَدَ يقطعه، والحق الذي لا وهم يصوِّره، والموجود الذي لا فهم يقدره. وإذا قضى أمراً فلا يعارض عليه مقدور، ولا ينفكُ من حكمه محظور...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
وإنما المعنى أنّ ما قضاه من الأمور وأراد كونه، فإنما يتكوّن ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كما أنّ المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه الإباء. أكد بهذا استبعاد الولادة لأنّ من كان بهذه الصفة من القدرة كانت حاله مباينة لأحوال الأجسام في توالدها.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
وما أبدع كلية أمر كان أحرى أن يكون ما في طيه وإحاطته وإقامته من الأشياء المقامة به من مبدعه فكيف يجعل له شبيه منه؟ لأن الولد مستخرج شبيه بما استخرج من عينه -...
والقضاء إنفاذ المقدر. والمقدر ما حدّ من مطلق المعلوم -...
{فإنما يقول له كن} من الكون وهو كمال البادي في ظاهره وباطنه {فيكون} فهو منزه عن حاجة التوالد وكل حاجة...
قال الحرالي: وصيغته تمادي الكائن في أطوار وأوقات وأسنان يمتد توالها في المكون إلى غاية الكمال -انتهى...
وفائدة التعبير به مضارعاً، تصوير الحال والإرشاد إلى أن التقدير: كن فكان، لأنه متى قضى شيئاً قال له: كن، فيكون، وجعل الأحسن عطفه على {كن} لأنه وإن كان بلفظ الأمر فمعناه الخبر أي يكون؛ وقال: إن ذلك أكثر اطراداً لانتظامه لمثل قوله: {ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59]...
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
وإنما هو تمثيلٌ لسهولة تأتّي المقدورات بحسَب تعلّقِ مشيئتِه تعالى وتصويرٌ لسرعة حُدوثِها بما هو عَلَمٌ في الباب من طاعة المأمورِ المطيعِ للآمر القويِّ المطاعِ، وفيه تقريرٌ لمعنى الإبداع وتلويحٌ لحجة أخرى لإبطال ما زعموه بأن اتخاذَ الولدِ شأنُ من يفتقرُ في تحصيل مرادِه إلى مبادئ يستدعي ترتيبُها مرورَ زمانٍ وتبدلَ أطوارٍ، وفعلُه تعالى متعالٍ عن ذلك...
محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :
وهو إذا أراد شيئا، فقد فعل بلا مهلة. ولم يرد ب {إذا} حقيقة الزمان، إذ كان ذلك إشارة إلى ما قبل وجود الزمان...
وذكر لفظ القضاء إذ هو لإتمام الفعل، والأمر لكونه منطويا على اللفظ والفعل، والقول إذ هو أخف موجد منا وأسرعه إيجادا،
ولفظ {كن} لعموم معناه واختصار لفظه، ثم قال: {فيكون} تنبيها لأنه لا يمتنع عليه شيء يريد إيجاده، و {كن فيكون} وإن كان مخرجها مخرج شيئين، أحدهما مبني على الآخر، فهو في الحقيقة شيء واحد...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
وأما قوله {وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} فمعناه أنه إذا أراد إيجاد أمر وإحداثه فإنما يأمره أن يكون موجودا فيكون موجودا، فكن ويكون من كان التامة.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا ضرب من التمثيل أي أن تعلق إرادته تعالى بإيجاد الشيء يعقبه وجوده، كأمر يصدر فيعقبه الامتثال، فليس بعد الإرادة إلا حصول المراد.
وقال بعضهم بل هو قول حقيقي. قال الأستاذ الإمام وقد وقع هذا الخلاف من أهل السنة وغيرهم، وعجيب وقوعه منهم، فإن عندهم مذهبين من المتشابهات التي يستحيل حملها على ظاهرها وهما مذهب السلف في التفويض، ومذهب الخلف في التأويل، وظاهر أن هذا من المتشابه، والقاعدة في تأويل مثله معروفة ومتفق عليها وهي إرجاع [العقلي] إلى [النقلي] لأنه الأصل...
وأقول: إن الأمر بكلمة "كن "هنا هو الأصل فيما يسمونه أمر التكوين، ويقابله أمر التكليف، فالأول متعلق صفة الإرادة، والثاني متعلق صفة الكلام، وأمر التكليف يخاطب به العاقل فيسمى المكلف، ولا يخاطب به غيره فضلا عن المعدوم، وأمر التكوين يتوجه إلى المعدوم كما يتوجه إلى الموجود، إذ المراد به جعله موجودا، وإنما يوجه إليه لأنه معلوم فالله تعالى يعلم الشيء قبل وجوده وأنه سيوجد في وقت كذا. فتتعلق إرادته بوجوده على حسب ما في علمه فيوجد.
وشيخ الإسلام ابن تيمية يسميه الأمر القدري الكوني، ويسمي مقابله الأمر الشرعي... ذلك شأنه تعالى في الإيجاد والتكوين وهو أغمض أسرار الألوهية فمن عرف حقيقته فقد عرف حقيقة المبدع الأول وذلك ما لا مطمع فيه. وقد عبر عن هذا السر بهذا التعبير الذي يقر به من الفهم، بما لا يتشعب فيه الوهم، ولا يوجد في الكلام تعبير آخر أليق به من هذا التعبير: يقول للشيء "كن" فيكون
فالتوالد محال في جانبه تعالى لأن ما يعهد في حدوث بعض الأشياء وتولدها من بعض فهو لا يعدو طريقين – الاستعداد القهري الذي لا مجال للاختيار فيه كحدوث الحرارة من النور وتولد العفونة من الماء يتحد بغيره، والسعي الاختياري كتولد الناس بالازدواج الذي يساقون إليه مع اختياره والقصد إليه. وإذا كان كل واحد من الأمرين محالا على الله تعالى وكان تعالى هو المبدع لجميع الكائنات وهي بأسرها ملكه ومسخرة لإرادته فلا معنى لإضافة الولد إليه {37: 180 – 182 سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين}...
تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :
والإيجاد والتكوين من أسرار الألوهية، عبر عنهما بما يقربهما من الفهم وهو أن يقول للشيء "كن فيكون"...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وتوجه الإرادة يتم بكيفية غير معلومة للإدراك البشري، لأنها فوق طاقة الإدراك البشري. فمن العبث إنفاق الطاقة في اكتناه هذا السر، والخبط في التيه بلا دليل!...
{ بديع السماوات } أي : مخترعها وخالقها ابتداء .
{ وإذا قضى أمرا } أي : قدره وأمضاه ، قال ابن عطية : يتحد في الآية المعنيان ، فعلى مذهب أهل السنة قدر في الأزل وأمضى فيه ، وعلى مذهب المعتزلة أمضى عند الخلق والإيجاد ، قلت : لا يكون قضى هنا بمعنى قدر ، لأن القدر قديم ، وإذا تقتضي الحدوث والاستقبال وذلك يناقض القدم ، وإنما قضى هنا بمعنى أمضى أو فعل أو وجد كقوله :{ فقضاهن سبع سماوات }[ فصلت :12 ] ، وقد قيل : إنه بمعنى ختم الأمر ، وبمعنى حكم ، والأمر هنا بمعنى الشيء ، وهو واحد الأمور ، وليس بمصدر أمر يأمر .
{ فإنما يقول له كن فيكون } قال الأصوليون : هذا عبارة عن تعود قدرة الله تعالى وليس بقول حقيقي ، لأنه إن كان قول :{ كن } خطابا للشيء في حال عدمه لم يصح ، لأن لمعدوم لم يخاطب وإن كان خطابا في حال وجوده لأنه قد كان ، وتحصيل الحاصل غير مطلوب وحمله المفسرون على حقيقته ، وأجابوا عن ذلك بأربعة أجوبة :
أحدها : أن الشيء الذي يقول له :{ كن فيكون } هو موجود في علم الله وإنما يقول له :{ كن } ليخرجه إلى العيان لنا .
والثاني : أن قوله :{ كن } لا يتقدم على وجود الشيء ولا يتأخر عنه قاله الطبري .
والثالث : أن ذلك خطابا لمن كان موجودا على حاله فيأمر بأن يكون على حالة أخرى : كإحياء الموتى ، ومسخ الكفار ، وهذا ضعيف لأنه تخصيص من غير مخصص .
والرابع : أن معنى { يقول له } : يقول من أجله ، فلا يلزم خطابه : والأول أحسن هذه الأجوبة .
وقال ابن عطية : تلخيص المعتقد في هذه الآية : أن الله عز وجل لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها ، فكل ما في الآية مما يقتضي الاستقبال ، فهو بحسب المأمورات إذ المحدثات تجيء بعد أن لم نكن ، { فيكون } رفع على الاستثناء .
قال سيبويه : معناه فهو يكون ، قال غيره : { يكون } عطف على يقول ، واختاره الطبري وقال ابن عطية : وهو فاسد من جهة المعنى ، ويقتضي أن القول مع التكوين والوجود ، وفي هذا نظر .
ثم{[4620]} علل ذلك بما هو أعظم منه فقال : { بديع السماوات والأرض } أي خالقهما على غير مثال سبق ، وما أبدع كلية أمر كان أحرى{[4621]} أن يكون ما في طيه وإحاطته وإقامته من الأشياء المقامة به من مبدعه فكيف يجعل له شبيه{[4622]} منه ؟ لأن الولد مستخرج شبيه بما استخرج من عينه - ذكره الحرالي . { وإذا قضى } {[4623]}أي أراد { أمراً } منهما أو من غيرهما{[4624]} ، والقضاء إنفاذ{[4625]} المقدر . والمقدر ما حدّ من مطلق المعلوم - قاله الحرالي . { فإنما يقول له كن } من الكون وهو{[4626]} كمال البادي{[4627]} في ظاهره وباطنه { فيكون } {[4628]}فهو منزه عن حاجة التوالد وكل حاجة ، وسر التعبير بالمضارع يذكر إن شاء الله تعالى في آل عمران . {[4629]}قال الحرالي : وصيغته تمادي الكائن في أطوار وأوقات وأسنان يمتد توالها في المكون إلى {[4630]}غاية الكمال{[4631]} - انتهى . قالوا : ورفع " يكون " للاستئناف أي فهو يكون ، أو العطف على { يقول } إيذاناً بسرعة التكوين على جهة التمثيل ، ومن قال بالأول منع العطف على { يقول } {[4632]}لاقتضاء الفاء أن القول مع التكوين فيلزم قدم التكوين ، وقال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة : إن ذلك لا يطرد في مثل ثاني حرفي آل عمران وهو قوله : { ثم قال له كن فيكون{[4633]} }[ آل عمران : 59 ] لأنه لا يحسن تخالف الفعلين{[4634]} المتعاطفين بالمضي وغيره ، وأول قوله :
ولقد أمر على اللئيم يسبني *** فمضيت ثم أقول لا يعنيني
بأن معناه : مررت ماضياً ، وطعن فيه أبو شامة بأن يكون في الآية ماض مثله وقد صرح أبو علي والحق معه بأنه على بابه يعني ؛ وفائدة التعبير به مضارعاً{[4635]} ، تصوير الحال والإرشاد إلى أن التقدير : كن فكان ، لأنه متى قضى شيئاً قال له : كن ، فيكون ، وجعل الأحسن عطفه على { كن } لأنه وإن كان بلفظ الأمر فمعناه الخبر{[4636]} أي يكون ؛ وقال : إن ذلك أكثر اطراداً لانتظامه لمثل قوله :
{ ثم قال له كن{[4637]} فيكون{[4638]} }[ آل عمران : 59 ] . وهذا الموضع مجمع على رفعه ، وكذا قوله تعالى في الأنعام :
{ ويوم يقول{[4639]} كن فيكون }[ الأنعام : 73 ] . وإنما الخلاف في ستة مواضع اختص ابن عامر منها بأربعة : وهي هذا الموضع ، وقوله تعالى في آل عمران :
{ إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون{[4640]} }[ آل عمران : 47 ] ، وفي مريم مثله سواء ، وفي غافر :{ فإذا قضى أمراً فإنما يقول له{[4641]} كن فيكون{[4642]} }[ غافر : 68 ] ؛ ووافقه الكسائي {[4643]}في حرفين{[4644]} في النحل :{ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له{[4645]} كن فيكون{[4646]} }[ النحل : 40 ] وفي يس :{ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون{[4647]} }[ يس : 82 ] فجعلوا النصب في هذين عطفاً على { يقول } وفي الأربعة الأولى جواباً للأمر في قوله : { كن } اعتباراً بصورة اللفظ وإن{[4648]} لم يكن المعنى على الأمر فالتقدير{[4649]} : يقول له يكون فيكون ، أي فيطاوع ، فطاح قول من ضعفه بأن المعنى على الخبر وأنه لا يصح النصب إلا إذا تخالف الأمر وجوابه ، وهذا ليس كذلك بل يلزم فيه أن يكون الشيء شرطاً لنفسه ، لأن التقدير : إن يكن يكن ؛ وصرح ابن مجاهد بوهم ابن عامر وأن هذا غير جائز في العربية ، كما نقله عنه الإمام أبو شامة في شرح الشاطبية ؛ فأمعنت النظر في ذلك لوقوع القطع بصحة قراءة ابن عامر لتواترها نقلاً عمن أنزل عليه القرآن ، فلما رأيته لم ينصب إلا ما في حيز { إذا } علمت أن ذلك لأجلها لما فيها من معنى الشرط ، فيكون مثل قوله تعالى في الشورى :ويعلم الذين يجادلون في آياتنا{[4650]} }[ الشورى : 35 ] بنصب " يعلم " في قراءة غير نافع وابن عامر على بعض التوجيهات ، وذلك ماش على نهج السداد من غير كلفة ولا استبعاد إذا تؤمل الكلام على " إذا " قال الرضي وهو العلامة نجم الدين محمد{[4651]} بن حسن الإستراباذي في الظرف{[4652]} من شرحه لقول العلامة أبي عمرو عثمان بن الحاجب في كافيته : ومنها " إذا " وهي للمستقبل وفيها معنى الشرط ، فلذلك اختير بعدها الفعل ، والأصل في استعمال " إذا " أن تكون لزمان من أزمنة المستقبل مختص من بينها بوقوع حدث فيه{[4653]} مقطوع به ، ثم قال : وكلمة الشرط ما يطلب جملتين يلزم من وجود مضمون أولاهما فرضاً حصول مضمون الثانية ، فالمضمون الأول مفروض ملزوم ، والثاني لازمه ؛ ثم قال : و " إن " موضوعة لشرط مفروض وجوده{[4654]} في المستقبل مع عدم قطع المتكلم لا بوقوعه ولا بعدم وقوعه ، وذلك لعدم القطع في الجزاء لا بالوجود ولا بالعدم ، سواء شك في وقوعه كما في حقنا ، أو لم يشك كان الواقعة في كلامه تعالى ؛ وقال : ولا يكون الشرط في اسم إلا بتضمن معناها ؛ ثم قال : فنقول{[4655]} : لما كان " إذا " للأمر{[4656]} المقطوع بوجوده في اعتقاد المتكلم في المستقبل لم يكن لمفروض وجوده ، لتنافي{[4657]} القطع والفرض في الظاهر ، فلم يكن فيه معنى " إن " الشرطية ، لأن الشرط كما بينا هو المفروض وجوده ، لكنه لما كان ينكشف لنا الحال كثيراً في الأمور التي نتوقعها قاطعين بوقوعها عن خلاف ما نتوقعه{[4658]} جوّزوا تضمين " إذا " معنى " إن " كما في " متى " وسائر الأسماء الجوازم ، فيقول القائل : إذا جئتني فأنت مكرم - شاكاً في مجيء المخاطب غير مرجح وجوده على عدمه بمعنى متى جئتني سواء ؛ ثم قال : ولما كثر دخول معنى الشرط في " إذا " وخروجه عن أصله من الوقت المعين جاز استعماله وإن لم يكن فيه معنى " إن " الشرطية ، وذلك في الأمور القطعية استعمال " إذا " المتضمنة لمعنى " إن " ، وذلك لمجيء جملتين بعده على طرز الشرط والجزاء وإن لم يكونا شرطاً وجزاء ، ثم قال في الكلام على الفاء في نواصب الفعل ، وقد تضمر " أن " بعد الفاء والواو الواقعتين بعد الشرط{[4659]} قبل الجزاء ، نحو إن تأتيني فتكرمني - أو لو . تكرمني - آتك ، أو بعد الشرط والجزاء ، نحو إن تأتني آتك فأكرمك - أو : وأكرمك - وذلك لمشابهة الشرط في الأول والجزاء في الثاني المنفي ، إذ{[4660]} الجزاء مشروط وجوده بوجود الشرط ، ووجود الشرط مفروض ، فكلاهما غير موصوفين بالوجود حقيقة ، وعليه حمل قوله تعالى : { إن يشأ يسكن الريح فيظللن } - إلى قوله :{ ويعلم الذين يجادلون{[4661]} }[ الشورى : 35 ] على {[4662]}قراءة النصب ؛ ثم قال : وإنما صرفوا ما بعد فاء السببية من الرفع إلى النصب لأنهم قصدوا التنصيص على كونها سببية والمضارع المرتفع بلا قرينة مخلصة للحال والاستقبال ظاهر في معنى الحال ، كما تقدم في باب المضارع ، فلو أبقوه مرفوعاً لسبق إلى الذهن أن الفاء لعطف{[4663]} جملة حالية الفعل على الجملة التي قبل الفاء ، يعني{[4664]} فكان يلزم أن يكون الكون قديماً كالقول ، فصرفه إلى النصب منبه في الظاهر على أنه ليس معطوفاً ، إذ المضارع المنصوب بأن مفرد ، وقبل الفاء المذكورة جملة ، ويتخلص المضارع للاستقبال اللائق بالجزائية كما ذكرنا في المنصوب بعد إذن ، فكان فيه شيئان : رفع جانب كون الفاء للعطف . وتقوية{[4665]} كونه للجزاء ؛ فيكون إذن ما بعد الفاء مبتدأ محذوف الخبر وجوباً - انتهى . فالتقدير هنا والله أعلم : فكونه واقع حق ليس بخيال كالسحر والتمويهات ، فعلى هذا قراءة النصب أبلغ لظهورها{[4666]} في{[4667]} الصرف عن الحال إلى الاستقبال مع ما دلت عليه من سرعة{[4668]} الكون وأنه حق ، ثم رأيت البرهان بن{[4669]} إبراهيم بن محمد السفاقُسي حكى{[4670]} في إعرابه ما خرجته عن ابن الضائع{[4671]} - يعني بالضاد المعجمة والعين المهملة - وهو الأستاذ أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الكُتامي{[4672]} شيخ أبي حيان فقال ما نصه : زاد ابن الضائع في نصب { فيكون } وجهاً حسناً وهو نصبه في جواب الشرط وهو إذا ، وكان مراده التسبيب عن الجواب كما ذكرت ، قال السفاقسي : ويصح فيه وجه ثالث على مذهب الكوفيين وهو نصبه في جواب الحصر بإنما ، لأنهم أجازوا : إنما هي ضربة أسد فيتحطم{[4673]} ظهره .