تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{حتى إذا جاء أمرنا}، يعني قولنا في نزول العذاب بهم، {وفار التنور}، فار الماء من التنور الذي يخبز فيه... {قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين}، يعني صنفين اثنين ذكرا وأنثى، فهو زوجان، ولولا أنه قال: اثنين، لكان الزوجان أربعة، {و} احمل {وأهلك}... في السفينة، {إلا من سبق عليه القول}، يعني العذاب في اللوح المحفوظ من أهلك، يعنى:... فلا تحملهم معك، فاستثنى من أهله ابنه وامرأته. {ومن ءامن}، يعني ومن صدق بتوحيد الله، فاحمله في السفينة. يقول الله تعالى: {وما ءامن معه} مع نوح، {إلا قليل}...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
قوله:"حتى إذَا جاءَ أمْرُنا" يقول: ويصنع نوح الفلك حتى إذا جاء أمرنا الذي وعدناه أن يجيء قومه من الطوفان الذي يغرقهم.
وقوله: "وَفارَ التّنّورُ "اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛
فقال بعضهم: معناه: انبجس الماء من وجه الأرض، "وفار التنور"، وهو وجه الأرض... عن ابن عباس أنه قال في قوله: "وَفارَ التّنّورُ" قال: التنور: وجه الأرض. قال: قيل له: إذا رأيت الماء على وجه الأرض، فاركب أنت ومن معك قال: والعرب تسمى وجه الأرض: تنور الأرض...
وقال آخرون: هو تنوير الصبح من قولهم: نوّر الصبح تنويرا... وقال آخرون: معنى ذلك: وفار أعلى الأرض وأشَرفِ مكان فيها بالماء. وقال: التنور أشرف الأرض...
وقال آخرون: هو التنور الذي يختبز فيه... عن ابن عباس، قوله: "حتى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التّنّورُ" قال: إذا رأيت تنور أهلك يخرج منه الماء فإنه هلاك قومك...
وفوران الماء سَوْرة دفعته، يقال منه: فار الماء يفور فوَرَانا وفَوْرا، وذاك إذا سارت دفعته.
وأولى هذه الأقوال عندنا بتأويل قوله: "التّنّور" قول من قال: هو التنور الذي يخبز فيه، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حجة على شيء منه بخلاف ذلك فيسلم لها، وذلك أنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به لإفهامهم معنى ما خاطبهم به.
"قُلْنَا" لنوح حين جاء عذابنا قومه الذي وعدنا نوحا أن نعذّبهم به، وفار التنور الذي جعلنا فورانه بالماء آية مجيء عذابنا بيننا وبينه لهلاك قومه: "احْمِلْ فِيها" يعني في الفلك "مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ" يقول: من كلّ ذكر وأنثى... عن مجاهد: "مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ" قال: ذكر وأنثى من كلّ صنف...
وقوله: "وأهْلَكَ إلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ" يقول: واحمل أهلك أيضا في الفلك، يعني بالأهل: ولده ونساءه وأزواجه "إلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ" يقول: إلا من قلت فيهم إني مهلكه مع من أهلك من قومك.
ثم اختلفوا في الذي استثناه الله من أهله؛ فقال بعضهم: هو بعض نساء نوح...قال ابن جريج: "وأهْلَكَ إلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ" قال: العذاب، هي امرأته كانت من الغابرين في العذاب.
وقال آخرون: بل هو ابنه الذي غرق...
وقوله: "وَمَنْ آمَنَ" يقول: واحمل معهم من صدّقك واتبعك من قومك. يقول الله: "وما آمَنَ مَعَهُ إلاّ قَلِيلٌ" يقول: وما أقرّ بوحدانية الله مع نوح من قومه إلا قليل.
واختلفوا في عدد الذين كانوا آمنوا معه فحملهم معه في الفلك...
والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله: "وَما آمَنَ مَعَهُ إلاّ قَلِيلٌ" يصفهم بأنهم كانوا قليلاً، ولم يحدد عددهم بمقدار ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح، فلا ينبغي أن يتجاوز في ذلك حد الله، إذ لم يكن لمبلغ عدد ذلك حد من كتاب الله أو أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
(جاء أمرنا) أي جاء وقت أمرنا بالعذاب الذي استعجلوه كقولهم: (فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) [هود: 32] وكذلك كانت عادة الأمم السالفة استعجال العذاب من رسلهم. سمى العذاب أمر الله لما لا صنع لأحد فيه، وكذلك المرض سماه أمر الله لما لا صنع لأحد من الخلائق فيه، وسمى الصلاة أمر الله لما بأمره يصلى.
(وفار التنور) قال أبو عوسجة: (وفار التنور) يقال إذا فار الماء إذا خرج يفور فورا أي غلى كما تغلي القدر وتصديقه قوله: (وهي تفور...) [الملك: 7و8] قالوا: فار أي خرج، وظهر...
وقوله تعالى: (وما آمن معه إلا قليل) يذكر هذا تذكيرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مننه ونعمه التي أنعمها عليه؛ لأن نوحا عليه السلام مع طول مكثه بين أظهر قومه وكثرة دعائه قومه إلى دين الله ومواعظه لم يؤمن إلا القليل منهم. ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع قلة مكثه وقصر عمره آمن من قومه الكثير؛ يعرفه نعمه عليه...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
طال انتظارُهم لِمَا كان يَتَوَعَّدُهم به نوحٌ عليه السلام على وجه الاستبعاد، ولم يَزِدْهُم تطاولُ الأيامٍ إلا كفراً؛ وصَمَّمُوا على عقد تكذيبهم. ثم لمَّا أتاهم الموعودُ إياهم بغتةً، وظهر من الوضع الذي لم يُحِبُّوه فارَ الماءُ من التنور المسجور، وجادت السماءُ بالمطر المعبور.
{قُلْنَا احْمِل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَينِ}: استبقاءً للتناسل...
{إلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيهِ الْقَوْلُ} بالشقاوة. وفيه تعريف بأن حُكْمَ الأَزَل لا يُرَدُّ، والحقُّ -سبحانه- لا يُنَازَعُ، والجبَّارُ لا يُخَاصَمُ، وأن مَنْ أقصاه ربُّه لم يُدْنِه تنبيهٌ ولا بِرٌّ ولا وعظ.
{وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قِلِيلٌ} ولكن بَارَكَ الحقُّ -سبحانه- في الذين نجَّاهم من نَسْلِه، ولم يدخل خَللٌ في الكونِ بعد هلاكِ مَنْ أَهْلَك مِنْ قومه...
{حتى إذا جاء أمرنا} يحتمل... أنه تعالى بين أنه لا يحدث شيء إلا بأمر الله تعالى كما قال: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} فكان المراد هذا... معنى {فار}: نبع على قوة وشدة تشبيها بغليان القدر عند قوة النار ولا شبهة في أن نفس التنور لا يفور فالمراد فار الماء من التنور، والذي روي أن فور التنور كان علامة لهلاك القوم لا يمتنع لأن هذه واقعة عظيمة، وقد وعد الله تعالى المؤمنين النجاة فلا بد وأن يجعل لهم علامة بها يعرفون الوقت المعين، فلا يبعد جعل هذه الحالة علامة لحدوث هذه الواقعة...
فإن قيل: الإنسان أشرف من جميع الحيوانات، فما السبب أنه وقع الابتداء بذكر الحيوانات؟
قلنا: الإنسان عاقل وهو لعقله كالمضطر إلى دفع أسباب الهلاك عن نفسه، فلا حاجة فيه إلى المبالغة في الترغيب، بخلاف السعي في تخليص سائر الحيوانات، فلهذا السبب وقع الابتداء به...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{حتى إذا جاء أمرنا} أي وقت إرادتنا لإهلاكهم {وفار} أي غلا وطفح {التنور} وعن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن ومجاهد أنه الحقيقي الذي يخبز فيه، و هذا هو الظاهر فلا يعدل عنه إلا بدليل، لأن صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل عبث كما قاله أهل الأصول {قلنا} بعظمتنا {احمل} ولما كان الله تعالى قد أمره أن يجعل لها غطاء -كما قاله أهل التفسير- لئلا تمتلئ من شدة الأمطار، كانت الظرفية فيها بخلاف غيرها من السفن واضحة فلذلك قال: {فيها} أي السفينة {من كل زوجين} من الحيوانات، والزوج فرد يكون معه آخر لا يكمل نفعه إلا به {اثنين} ذكراً وأنثى {وأهلك} أي احملهم، والأهل: العيال {إلا من سبق} غالباً {عليه القول} بأني أغرقه وهو امرأته وابنه {ومن} أي واحمل فيها من {آمن}... ثم سلى المخاطب بهذه القصص صلى الله عليه وسلم وذكره نعمته بكثرة من اتبعه مع صدعهم بمؤلم الإنذار على قصر الزمان دون نوح عليهم السلام مع تطاول الزمن فقال: {وما} أي والحال أنه ما {آمن} كائناً {معه} أي بإنذاره {إلا قليل} بسبب تقديرنا لا بإغضائهم بما كوفحوا به من الإنذار...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{حتى إذا جاء أمرنا} هذا بيان لابتداء الغاية مما ذكر قبله من الاستعداد لهلاك قوم نوح أي وكان يصنع الفلك كما أمره، ويقابل السخرية بغير ابتئاس ولا ضجر، حتى إذا جاء وقت أمرنا بهلاكهم {وفار التنور} اشتد غضب الله تعالى عليهم. فهو مجاز كحمي الوطيس، أو فار الماء من التنور عند نوح لأنه بدأ ينبع من الأرض. والتنور الذي يخبز فيه الخبز معروف عند العرب...
والفور والفوران ضرب من الحركة والارتفاع القوي يقال في الماء إذا نبغ وجرى، وإذا غلا وارتفع، قال في الأساس: فارت القدر، وفارت فوارتها، وعين فوارة في أرض خوارة، وفار الماء من العين. ومن المجاز: فار الغضب، وأخاف أن تفور علي، وقال ذلك في فورة الغضب اه.
وقال الراغب في مفردات القرآن: الفور شدة الغليان ويقال ذلك في النار نفسها إذا هاجت وفي القدر وفي الغضب، نحو {وهي تفور} [الملك: 7] {وفار التنور} اه. والمتبادر من فوران التنور هنا اشتداد غضب الله تعالى على أولئك المشركين الظالمين لأنفسهم وللناس وحلول وقت انتقامه منهم...
{قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين}... أي حتى إذا جاء موعد أمرنا قلنا لنوح حينئذ احمل فيها أي في الفلك وهو السفينة من كل زوج اثنين ذكرا وأنثى. والتقدير على قراءة حفص: احمل فيها من كل نوع من الأحياء فتتناسل ويبقى نوعها على الأرض {وأهلك إلا من سبق عليه القول} أي واحمل فيها أهل بيتك ذكورا وإناثا وأهل بيت الرجل عند الإطلاق نساؤه وأولاده وأزواجهم، والظاهر أن المستثنى منهم كفارهم إن كان فيهم كفار لأنهم يدخلون في عموم قوله: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا أنهم مغرقون} وإلا كان المستثنى ولده الذي ستذكر قصته قريبا {ومن آمن} معك من قومك {وما آمن معه إلا قليل} منهم، ولم يبين لنا الله تعالى ولا رسوله عددهم، فكل ما قاله المفسرون فيهم مردود لا دليل عليه كما قال ابن جرير الطبري، كما أنه لم يبين لنا أنواع الحيوانات التي حملها ولا كيف جمعها وأدخلها السفينة، وهي مفصلة في سفر التكوين، وللمفسرين فيها إسرائيليات مضحكة تخالفها، لا ينبغي تضييع شيء من العمر في نقلها وإشغال القراء بها.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ثم مشهد التعبئة عندما حلت اللحظة المرتقبة:
(حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور، قلنا: احمل فيها من كل زوجين اثنين، وأهلك -إلا من سبق عليه القول- ومن آمن، وما آمن معه إلا قليل. وقال: اركبوا فيها باسم الله مجريها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم).
وتتفرق الأقوال حول فوران التنور، ويذهب الخيال ببعضها بعيدا، وتبدو رائحة الإسرائيليات فيها وفي قصة الطوفان كلها واضحة. أما نحن فلا نضرب في متاهة بغير دليل، في هذا الغيب الذي لا نعلم منه إلا ما يقدمه لنا النص، وفي حدود مدلوله بلا زيادة.
وأقصى ما نملك أن نقوله: إن فوران التنور -والتنور الموقد- قد يكون بعين فارت فيه، أو بفوارة بركانية. وأن هذا الفوران ربما كان علامة من الله لنوح، أو كان مصاحبا مجرد مصاحبة لمجيء الأمر، وبدءا لنفاذ هذا الأمر بفوران الأرض بالماء. وسح الوابل من السماء.
لما حدث هذا (قلنا: احمل فيها من كل زوجين اثنين...) كأن نظام العملية كان يقتضي أن يؤمر نوح بمراحلها واحدة واحدة في حينها. فقد أمر أولا بصنع الفلك فصنعه، ولم يذكر لنا السياق الغرض من صنعه، ولم يذكر أنه أطلع نوحا على هذا الغرض كذلك. (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور).. أمر بالمرحلة التالية.
(قلنا: احمل فيها من كل زوجين اثنين، وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن)..
ومرة أخرى تتفرق الأقوال حول (من كل زوجين اثنين) وتشيع في الجو رائحة الإسرائيليات قوية. أما نحن فلا ندع الخيال يلعب بنا ويشتط حول النص: (احمل فيها من كل زوجين اثنين).. مما يملك نوح أن يمسك وأن يستصحب من الأحياء. وما وراء ذلك خبط عشواء..
(وأهلك -إلا من سبق عليه القول -)..
قوله تعالى : " حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور " اختلف في التنور على أقوال سبعة : الأول : أنه وجه الأرض ، والعرب تسمي وجه الأرض تنورا ، قاله ابن عباس وعكرمة والزهري وابن عيينة ، وذلك أنه قيل له : إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك . الثاني : أنه تنور الخبز الذي يخبز فيه ، وكان تنورا من حجارة ، وكان لحواء حتى صار لنوح ، فقيل له : إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك . وأنبع الله الماء من التنور ، فعلمت به امرأته فقالت : يا نوح فار الماء من التنور ، فقال : جاء وعد ربي حقا . هذا قول الحسن ، وقال مجاهد وعطية عن ابن عباس . الثالث : أنه موضع اجتماع الماء في السفينة ، عن الحسن أيضا .
الرابع : أنه طلوع الفجر ، ونور الصبح ، من قولهم : نور الفجر تنويرا ، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه . الخامس : أنه مسجد الكوفة ، قاله علي بن أبي طالب أيضا ، وقاله مجاهد . قال مجاهد : كان ناحية التنور بالكوفة . وقال : اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة ، وكان التنور على يمين الداخل مما يلي كندة . وكان فوران الماء منه عَلَما لنوح ، ودليلا على هلاك قومه . قال الشاعر وهو أمية :
فار تَنُّورُهم وجاش بماء*** صار فوق الجبال حتى علاها
السادس : أنه أعالي الأرض ، والمواضع المرتفعة منها ، قاله قتادة . السابع : أنه العين التي بالجزيرة " عين الوردة " رواه عكرمة . وقال مقاتل : كان ذلك تنور آدم ، وإنما كان بالشام بموضع يقال له : " عين وردة " وقال ابن عباس أيضا : ( فار تنور آدم بالهند ) . قال النحاس : وهذه الأقوال ليست بمتناقضة ؛ لأن الله عز وجل أخبرنا أن الماء جاء من السماء والأرض ، قال : " ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر . وفجرنا الأرض عيونا{[8685]} " [ القمر :11 - 12 ] . فهذه الأقوال تجتمع في أن ذلك كان علامة . والفوران الغليان . والتنور اسم أعجمي عربته العرب ، وهو على بناء فَعَّل ؛ لأن أصل بنائه تَنَّر ، وليس في كلام العرب نون قبل راء{[8686]} . وقيل : معنى " فار التنور " التمثيل لحضور العذاب ، كقولهم : حمي الوطيس إذا اشتدت الحرب . والوطيس التنور . ويقال : فارت قدر القوم إذا اشتد حربهم ، قال شاعرهم :
تركتم قدرَكم لا شيء فيها*** وقدرُ القومِ حاميةٌ تفورُ
قوله تعالى : " قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين " يعني ذكرا وأنثى ، لبقاء أصل النسل بعد الطوفان . وقرأ حفص " من كل زوجين اثنين " بتنوين " كل " أي من كل شيء زوجين . والقراءتان ترجعان إلى معنى واحد : شيء{[8687]} معه آخر لا يستغني عنه . ويقال للاثنين : هما زوجان ، في كل اثنين لا يستغني أحدهما عن صاحبه ، فإن العرب تسمي كل واحد منهما زوجا يقال : له زوجا نعل إذا كان له نعلان . وكذلك عنده زوجا حمام ، وعليه زوجا قيود ، قال الله تعالى : " وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى{[8688]} " . [ النجم : 45 ] . ويقال للمرأة هي زوج الرجل ، وللرجل هو زوجها . وقد يقال للاثنين هما زوج ، وقد يكون الزوجان بمعنى الضربين ، والصنفين ، وكل ضرب يدعى زوجا ؛ قال الله تعالى : " وأنبتت من كل زوج بهيج{[8689]} " [ الحج : 5 ] أي من كل لون وصنف . وقال الأعشى :
وكل زوجٍ من الديباج يلبَسه*** أبو قدامة محبوٌّ بذاك مَعَا
أراد كل ضرب ولون . و " ومن كل زوجين " في موضع نصب ب " احمل " . " اثنين " تأكيد . " وأهلك " أي وأحمل أهلك . " إلا من " " من " في موضع نصب بالاستثناء . " عليه القول " منهم أي بالهلاك ، وهو ابنه كنعان وامرأته واعلَة كانا كافرين . " ومن آمن " قال الضحاك وابن جريج : أي احمل من آمن بي ، أي من صدقك ، ف " من " في موضع نصب ب " احمل " . " وما آمن معه إلا قليل " قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( آمن من قومه ثمانون إنسانا ، منهم ثلاثة من بنيه ، سام وحام ويافث ، وثلاث كنائن له{[8690]} . ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية وهي اليوم تدعى قرية الثمانين بناحية الموصل ) . وورد في الخبر أنه كان في السفينة ثمانية أنفس ، نوح وزوجته غير التي عوقبت ، وبنوه الثلاثة وزوجاتهم ؛ وهو قول قتادة والحكم بن عتيبة وابن جريج ومحمد بن كعب ، فأصاب حام امرأته في السفينة ، فدعا نوح الله أن يغير نطفته فجاء بالسودان . قال عطاء : ودعا نوح على حام ألا يعدو شعر أولاده آذانهم ، وأنهم حيثما كان ولده يكونون عبيدا لولد سام ويافث . وقال الأعمش : كانوا سبعة : نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين ، وأسقط امرأة نوح . وقال ابن إسحاق : كانوا عشرة سوى نسائهم ، نوح وبنوه سام وحام ويافث ، وستة أناس ممن كان آمن به ، وأزواجهم جميعا . و " قليل " رفع بآمن ، ولا يجوز نصبه على الاستثناء ؛ لأن الكلام قبله لم يتم ، إلا أن الفائدة في دخول " إلا " و " ما " لأنك لو قلت : آمن معه فلان وفلان جاز أن يكون غيرهم قد أمن ، فإذا جئت بما وإلا ، أوجبت لما بعد إلا ونفيت عن غيرهم .
قوله تعالى : { حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل } { حتى } ، للغاية التي يبدأ بعدها الكلام . يعني : فكان يصنع الفلك إلى أن جاء الوعد بالتغريق{[2090]} ؛ أي حتى إذا جاء وعد الله بالعذاب { وفار التنور } وقد اختلفوا في تأويل التنور على عدة أقوال منها : أنه وجه الأرض والعرب تسمي وجه الأرض تنورا . وهو قول علي كرم الله وجهه{[2091]} .
ومنها : أنه أعالي الأرض والمواضع المرتفعة منها .
ومنها : أنه تنور الخبز ؛ فقد صارت الأرض عيونا تتدفق منها المياه حتى صارت التنانير التي هي مكان النار تفور ماء . وذلك لفظاعة الطوفان الدافق الجارف الذي أتى على الحياة والأحياء جميعا فلم يستبق غير الذين على ظهر السفينة ؛ لقد أتى الماء على كل شيء وأغرق كل مكان حتى التنانير التي تتأرجج فيها النار وتضطرم فارت ماء .
قوله : { قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك } { اثنين } في محل نصب مفعول للفعل { احمل } ، و { أهلك } معطوف عليه{[2092]} .
والزوج كل واحد معه أخر من جنسه ؛ فالسماء زوج ، والأرض زوج ، والشتاء زوج ، والصيف زوج ، والنهار زوج ، والليل زوج ، ونقول للمرأة هي زوج ، وهو زوجها . لقوله تعالى : { وخلق منها زوجها } يعني المرأة . وقوله : { وانه خلق الزوجين الذكر والأنثى } فثبت بذلك أن الواحد قد يقال له : زوج . ويقال للاثنين أيضا : هما زوجان وهما زوج . وقد يكون معنى الزوجين الضربين أو الصنفين . وكل ضرب يسمى زوجا .
والمراد هنا : أن يحمل معه في السفينة { من كل زوجين } ذكرا وأنثى . قال الرازي في ذلك : الزوجان عبارة عن كل شيئين يكون أحدهما ذكرا والآخر أنثى . والتقدير : كل شيئين هما كذلك فاحمل منهما في السفينة اثنين . واحد ذكر والآخر أنثى . وذلك لكي يبقى أصل الأنواع بعد الطوفان .
قوله : { وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن } { وأهلك } ، معطوف على { اثنين } . و { من سبق } ، في موضع نصب مستثنى من { وأهلك } {[2093]} أي واحمل في السفينة أهلك { إلا من سبق عليه القول } يعني إلا من سبق فيه علم الله أنه يختار الكفر بإرادة الله وتقديره فيكون من الهالكين .
قوله : { ومن آمن } معطوف على { أهلك } . أي واحمل في السفينة من آمن من قومك .
قوله : { وما آمن معه إلا قليل } وقد اختلفوا في عدتهم فقيل : كانوا سبعة ، وقيل : كانوا عشرة ، وقيل : كانوا اثنين وسبعين . وقيل : كانوا ثمانين إنسانا ، منهم ثلاثة من بنيه وهم سام ، وحام ، ويافث ، وزوجاتهم . وقيل غير ذلك{[2094]} .