الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ} (25)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} يقول: ويمنعون الناس عن دين الله، عز وجل، {و} عن {والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه} يعني: المقيم في الحرم، وهم أهل مكة {والباد} يعني: من دخل مكة من غير أهلها. {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} يقول: من لجأ إلى الحرم يميل فيه بشرك {نذقه من عذاب أليم}، يعني: وجيعا.

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

{سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25]. 642- ابن رشد: سئل مالك عن هذه الآية: {سواء العاكف فيه والباد} قال: سواء في الحق والسعة. والباد أهل البادية وغيرهم ممن يقدم عليهم. وكانت الفساطيط تضرب في الدور. ولقد سمعت أن عمر بن الخطاب كان ينزع أبواب مكة إذا قدم الناس.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: إن الذين جحدوا توحيد الله وكذّبوا رسله وأنكروا ما جاءهم به من عند ربهم، "ويَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ الله "يقول: ويمنعون الناس عن دين الله أن يدخلوا فيه، وعن المسجد الحرام الذي جعله الله للناس الذين آمنوا به كافة لم يخصص منها بعضا دون بعض "سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ "يقول: معتدل في الواجب عليه من تعظيم حرمة المسجد الحرام، وقضاء نسكه به، والنزول فيه حيث شاء، العاكف فيه وهو المقيم به، والباد: وهو المنتاب إليه من غيره.

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛

فقال بعضهم: معناه: سواء العاكف فيه وهو المقيم فيه والباد، في أنه ليس أحدهما بأحقّ بالمنزل فيه من الآخر... عن ابن سابط، قال: كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة بأحق بمنزله منهم، وكان الرجل إذا وجد سعة نزل. ففشا فيهم السرق، وكل إنسان يسرق من ناحيته، فاصطنع رجل بابا، فأرسل إليه عمر: أتخذت بابا من حجاج بيت الله؟ فقال: لا، إنما جعلته ليحرز متاعهم. وهو قوله: "سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ" قال: الباد فيه كالمقيم، ليس أحد أحقّ بمنزله من أحد إلا أن يكون أحد سبق إلى منزل...

عن مجاهد، قوله: سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ قال: الساكن، والبَادِ الجانب سواء حقّ الله عليهما فيه...

عن مجاهد وعطاء: "سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ" قالا: من أهله، "والبَادِ" الذي يأتونه من غير أهله هما في حرمته سواء.

وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في ذلك لأن الله تعالى ذكره ذكر في أوّل الآية صدّ من كفر به من أراد من المؤمنين قضاء نسكه في الحرم عن المسجد الحرام، فقال: "إنّ الّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ"، ثم ذكر جلّ ثناؤه صفة المسجد الحرام، فقال: "الّذِي جَعَلْناهُ للنّاسِ" فأخبر جلّ ثناؤه أنه جعله للناس كلهم، فالكافرون به يمنعون من أراده من المؤمنين به عنه. ثم قال: طسَوَاءً العاكِفُ فِيهِ وَالبادِ" فكان معلوما أن خبره عن استواء العاكف فيه والباد، إنما هو في المعنى الذي ابتدأ الله الخبر عن الكفار أنهم صدّوا عنه المؤمنين به وذلك لا شكّ طوافهم وقضاء مناسكهم به والمقام، لا الخبر عن ملكهم إياه وغير ملكهم. وقيل: "إنّ الّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ" فعطف ب «يصدّون» وهو مستقبل على «كفروا» وهو ماض، لأن الصدّ بمعنى الصفة لهم والدوام. وإذا كان ذلك معنى الكلام، لم يكن إلا بلفظ الاسم أو الاستقبال، ولا يكون بلفظ الماضي. وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: إن الذين كفروا من صفتهم الصدّ عن سبيل الله، وذلك نظير قول الله: "الّذِين آمَنُوا وَتَطْمَئِنّ قُلُوُبهُمْ بِذِكْرِ اللّهِ"...

وقوله: "وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلْحادٍ بِظْلُمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ" يقول تعالى ذكره: ومن يرد فيه إلحادا بظلم نذقه من عذاب أليم، وهو أن يميل في البيت الحرام بظلم...

وأما بعض نحويي الكوفيين فإنه كان يقول: أدخلت الباء فيه، لأن تأويله: ومن يرد بأن يلحد فيه بظلم...

واختلف أهل التأويل في معنى الظلم الذي من أراد الإلحاد به في المسجد الحرام أذاقه الله من العذاب الأليم؛

فقال بعضهم: ذلك هو الشرك بالله وعبادة غيره به أي بالبيت...

وقال آخرون: هو استحلال الحرام فيه أو ركوبه... وقال آخرون: بل معنى ذلك الظلم: استحلال الحرم متعمدا... وقال آخرون: بل ذلك احتكار الطعام بمكة...

وقال آخرون: بل ذلك كل ما كان منهيّا عنه من الفعل، حتى قول القائل: لا والله، وبلى والله...

وأولى الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب... أنه معنيّ بالظلم في هذا الموضع كلّ معصية لله، وذلك أن الله عمّ بقوله: "وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلحادٍ بِظُلْمٍ" ولم يخصص به ظلم دون ظلم في خبر ولا عقل، فهو على عمومه. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: ومن يرد في المسجد الحرام بأن يميل بظلم، فيعصي الله فيه، نذقه يوم القيامة من عذاب موجع له...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{ومن يرد فيه بإلحاد بظلم}... وأصل الإلحاد، هو العدول والميل عن الطريق. وتأويله: ومن يُلحد فيه إلحاد ظلم نذقه كذا.

وقال بعضهم: من هم فيه بإلحاد بظلم نذقه كذا.

ثم يحتمل تخصيص ذلك المكان بما ذكر وجوها:

أحدها: ليعلموا أن كثرة الخيرات وتضاعفها مما لا يعمل في إسقاط المساوئ فيه وهدمها لما روي: (إن الصلاة واحدة بمكة تعدل كذا صلاة في غيرها من الأماكن، وكذلك حسنة فيها) [بنحوه الطبراني في الكبير 1/907].

والثاني: خصت بالذكر على التغليظ والتشديد على ما خصت تلك البُقعة بتضاعف الحسنات... وجائز أن يكون ما ذكرنا من التغليظ والتشديد وتضاعف العقوبة. ولذلك كره قوم الجوار بمكة لما تتضاعف بها العقوبة إذا ارتكب [فيها مأثم، وألحد فيها...

أحكام القرآن للجصاص 370 هـ :

{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بظُلْمٍ}؛ فإن الإلحاد هو المَيْلُ عن الحق إلى الباطل؛ وإنما سُمّي اللّحد في القبر؛ لأنه مائل إلى شقّ القبر. ورُوي عن ابن عمر أنه قال: ظلم الخادم فما فوقه بمكة إلحاد.

قال أبو بكر: الإلحاد مذموم لأنه سام للمَيْلِ عن الحق، ولا يطلق في الميل عن الباطل إلى الحق، فالإلحاد اسم مذموم؛ وخَصَّ الله تعالى الحَرَمَ بالوعيد في الملحد فيه تعظيماً لحرمته.

ولم يختلف المتأولون للآية أن الوعيد في الإلحاد مرادٌ به من أَلْحَدَ في الحرم كله وأنه غير مخصوص به المسجد، وفي ذلك دليل على أن قوله: {وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ للنَّاسِ سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِ} قد أُريد به الحرم؛ لأن قوله: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} هذه "الهاء "كناية عن الحرم وليس للحرم ذكر متقدم إلا قوله: {وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ}، فثبت أن المراد بالمسجد ههنا الحرم كله. وقد رَوَى عمارة بن ثوبان قال: أخبرني موسى بن زياد قال: سمعت يعلى بن أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احْتِكَارُ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ إِلْحَادٌ"... وليس يمتنع أن يكون جميع الذنوب مراداً بقوله: {بِإِلْحَادٍ بظُلْمٍ} فيكون الاحتكار من ذلك وكذلك الظلم والشرك، وهذا يدل على أن الذنب في الحرم أعظم منه في غيره. ويشبه أن يكون من كَرِهَ الجوار بمكة ذهب إلى أنه لما كانت الذنوب بها تتضاعف عقوبتها آثروا السلامة في تَرْكِ الجوار بها مخافة مواقعة الذنوب التي تتضاعف عقوبتها.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

الصدُّ عن المسجد الحرام بإخافة السُّبُل، وبِغَصْبِ المال الذي لو بقي في يد صاحبه لوصل به إلى المسجد الحرام...

جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :

{ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم}. 735- قال ابن مسعود رضي الله عنه: ما من بلد يؤاخذ فيه العبد بالنية قبل العمل إلا مكة، وتلا قوله تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الإحياء: 1/290]...

معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي 516 هـ :

وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان. أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الآخر، فسئل عن ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل كلا والله، وبلى والله.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} أي الصدود منهم مستمرّ دائم {لِلنَّاسِ} أي الذين يقع عليهم اسم الناس من غير فرق بين حاضر وباد وتانيء وطارئ ومكي وآفاقي..

{نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} يعني أَنّ الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهمّ به ويقصده.

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

وَالظُّلْمُ فِي الْحَقِيقَةِ لُغَةً وَشَرْعًا وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالذُّنُوبِ الْمُطْلَقَةِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَنَفْسِهِ، وَبِالذُّنُوبِ الْمُتَعَدِّيَةِ إلَى الْخَلْقِ، وَهُوَ أَعْظَمُ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَهُ فُسْطَاطَانِ: أَحَدُهُمَا فِي الْحِلِّ، وَالْآخَرُ فِي الْحَرَمِ؛ فَكَانَ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ دَخَلَ فُسْطَاطَ الْحَرَمِ، وَإِذَا أَرَادَ الْأَمْرَ لِبَعْضِ شَأْنِهِ دَخَلَ فُسْطَاطَ الْحِلِّ، صِيَانَةً لِلْحَرَمِ عَنْ قَوْلِهِمْ: كَلًّا وَاَللَّهِ، وَبَلَى وَاَللَّهِ، حِينَ عَظَّمَ اللَّهُ الذَّنْبَ فِيهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْجِنَايَاتِ تُعَظَّمُ عَلَى قَدْرِ عِظَمِ الزَّمَانِ، كَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَعَلَى قَدْرِ عِظَمِ الْمَكَانِ، كَالْبَلَدِ الْحَرَامِ، فَتَكُونُ الْمَعْصِيَةُ مَعْصِيَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا بِنَفْسِ الْمُخَالَفَةِ، وَالثَّانِيَةُ بِإِسْقَاطِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ، أَوْ الْبَلَدِ الْحَرَامِ.

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

فإنَّ من ألحدَ في الحرمِ حيثُ عُوقب بالعذاب الأليم فلأنْ يُعاقبَ من جمعَ إليه الكفرَ والصَّدَّ عن سبيل الله بأشدَّ من ذلك أحقُّ وأولى.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :

والحاصل: أن هذه الآية دلت على أن من كان في البيت الحرام مأخوذ بمجرّد الإرادة للظلم، فهي مخصصة لما ورد من أن الله غفر لهذه الأمة ما حدّثت به أنفسها، إلا أن يقال: إن الإرادة فيها زيادة على مجرّد حديث النفس.

روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :

وإلى مضاعفة السيئة في مكة ذهب مجاهد، فقد أخرج عنه ابن المنذر وغيره أنه قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات، وقال رحمه الله تعالى: سألت ابن عمر وكان منزله في الحل ومسجده في الحرم لم تفعل هذا؟ فقال: لأن العمل في الحرم أفضل والخطيئة فيه أعظم فينبغي لمن كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد في جميع ما يهم به ويقصده.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

يخبر تعالى عن شناعة ما عليه المشركون الكافرون بربهم، وأنهم جمعوا بين الكفر بالله ورسوله، وبين الصد عن سبيل الله ومنع الناس من الإيمان، والصد أيضا عن المسجد الحرام، الذي ليس ملكا لهم ولا لآبائهم، بل الناس فيه سواء، المقيم فيه، والطارئ إليه، بل صدوا عنه أفضل الخلق محمدا وأصحابه، والحال أن هذا المسجد الحرام، من حرمته واحترامه وعظمته، أن من يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم...

وفي هذه الآية الكريمة، وجوب احترام الحرم، وشدة تعظيمه، والتحذير من إرادة المعاصي فيه وفعلها...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

انتهى الدرس الماضي بتصوير عاقبة الخصام في الله، ومشهد الجحيم الحارق للكافرين، والنعيم الوارف للمؤمنين. وبهذه النهاية يتصل الدرس الجديد، فيتحدث عن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام. وهم الذين كانوا يواجهون الدعوة الإسلامية في مكة، فيصدون الناس عنها؛ ويواجهون الرسول [صلى الله عليه وسلم] والمؤمنين فيمنعونهم من دخول المسجد الحرام. وبهذه المناسبة يتحدث عن الأساس الذي أقيم عليه ذلك المسجد يوم فوض الله إبراهيم -عليه السلام- في بنائه، والأذان في الناس بالحج إليه. ولقد كلف إبراهيم أن يقيم هذا البيت على التوحيد، وأن ينفي عنه الشرك، وأن يجعله للناس جميعا، سواء المقيم فيه والطارى ء عليه، لا يمنع عنه أحد، ولا يملكه أحد.. ويستطرد إلى بعض شعائر الحج وما وراءها من استجاشة القلوب للتقوى وذكر الله والاتصال به.. وينتهي إلى ضرورة حماية المسجد الحرام من عدوان المعتدين الذين يصدون عنه ويغيرون الأساس الذي قام عليه؛ وبوعد الله للمدافعين بالنصر متى نهضوا بالتكاليف التي تفرضها حماية العقيدة.

والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس، سواء العاكف فيه والباد...

ولقد كان هذا النهج الذي شرعه الله في بيته الحرام سابقا لكل محاولات البشر في إيجاد منطقة حرام. يلقى فيها السلاح، ويأمن فيها المتخاصمون، وتحقن فيها الدماء، ويجد كل أحد فيها مأواه. لا تفضلا من أحد، ولكن حقا يتساوى فيه الجميع...

وهكذا سبق الإسلام سبقا بعيدا بإنشاء واحة السلام، ومنطقة الأمان، ودار الإنسان المفتوحة لكل إنسان!... والقرآن الكريم يهدد من يريد اعوجاجا في هذا النهج المستقيم بالعذاب الأليم: ومن يرد فيه بإلحاد بظلم تذقه من عذاب أليم).. فما بال من يريد ويفعل؟ إن التعبير يهدد ويتوعد على مجرد الإرادة زيادة في التحذير، ومبالغة في التوكيد. وذلك من دقائق التعبير...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والمعنى: كما كان سبب استحقاق المؤمنين ذلك النعيم اتّباعهم صراط الله كذلك كان سبَبُ استحقاق المشركين ذلك العذَاب كفرَهم وصدّهم عن سبيل الله...

وفيه مع هذه المناسبة لما قبله تخلّص بديع إلى ما بعده من بيان حقّ المسلمين في المسجد الحرام، وتهويل أمر الإلحاد فيه، والتنويهُ به وتنزيههُ عن أن يكون مأوى للشرك ورجس الظلم والعُدوان...

والمعروف من ذلك أنهم مَنَعُوا المسلمين بعد الهجرة من زيارة البيت فقد قال أبو جهل لسَعْد بن معاذ لما جاء إلى مكّة معتمراً وقال لصاحبه أميّة بن خلف: انتظر لي ساعة من النهار لعلّي أطوف بالبيت، فبينما سعد يطوف إذ أتاه أبو جهل وعَرَفَهُ. فقال له أبو جهل: أتطوف بالكعبة آمناً وقد أوتيتم الصْباة؟ (يعني المسلمين). ومن ذلك مَا صنعوه يوم الحديبية. وقد قيل: إنّ الآية نزلت في ذلك. وأحسب أنّ الآية نزلت قبل ذلك سواء نزلت بمكة أم بالمدينة... وفي ذكر العكوف تعريض بأنهم لا يستحقون بسكنى مكة مزية على غيرهم، وبأنهم حين يمنعون الخارجين عن مكة من الدخول للكعبة قد ظلموهم باستئثارهم بمكة...

.

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن صورة مثيرة من صور الصراع القائم بين الحق والباطل، والكفر والإيمان، فقد كان الشرك بمكة في فترة من الدهر عاتيا طاغيا، فاستولى على مهد التوحيد وقاعدته الأولى في الحرم الشريف، واستبد بهما، حتى حرم من الكعبة ومقام إبراهيم وارث إبراهيم خاتم الأنبياء والمرسلين، وصده ومن معه من المؤمنين، عن الوصول إلى بيت الله الحرام وأداء مناسكهم فيه... وبذلك أكد كتاب الله ان بيت الله الحرام ليس ملكا لفريق دون آخر، وأن المقيمين بمكة، وهم "العاكفون "والوافدون عليها، وهم "البادون" سواسية فيما لهم في بيت الله من حقوق، بصفته منسكا وقبلة ومتعبدا. وأعلن كتاب الله أن صد الناس عن المسجد الحرام بأية وسيلة من الوسائل، وبأي عذر ينتحل من الأعذار، يعتبر إلحادا وظلما، إذ هو تحويل لصبغة المسجد الحرام، وخروج به عن أصله بالمرة، وتوعد كتاب الله كل من صد عن سبيله بالعذاب الأليم...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وكلمة (الحرام) وصف فيها بعض المكان وبعض الزمان، وهي خمسة أشياء: نقول: البيت الحرام وهو الكعبة، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، ثم المشعر الحرام. وهذه عبارة عن دوائر مركز الكعبة، هذه أماكن، ثم الخامس وهو زمن: الشهر الحرام الذي قال الله فيه: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه...

وحرمة الزمان والمكان هنا لحكمة أرادها الخالق سبحانه، لأنه رب رحيم بخلقه يريد أن يجعل لهم فرصة لستر كبريائهم، والحد من غرورهم، وكانت تنتشر بين القوم الحروب والصراعات التي كانت تذكي نارها عادات قبلية وسعار الحرب، حتى أن كلا الفريقين يريد أن يفني الآخر، وربما استمروا في الحرب وهم كارهون لها، لكن يمنعهم كبرياؤهم من التراجع والانسحاب. لذلك جعل الله سبحانه لهذه الأماكن والأزمنة حرمة لتكون ستارا لهذا الكبرياء الزائف، ولهذه العزة البغيضة. وكل حدث يحتاج إلى زمان وإلى مكان، فحرم الله القتال في الأشهر الحرم، حتى إذا ما استعرت بينهم حرب جاء شهر حرام، فأنقذ الضعيف من قبضة القوي دون أن يجرح كبرياءه، وربما هز رأسه قائلا: لولا الشهر الحرام كنت فعلت بهم كذا وكذا. فهذه- إذن- رحمة من الله بعباده، وستار يحميهم من شرور أنفسهم ونزواتها ويحقن دماءهم...

{ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} الإلحاد قد يكون في الحق الأعلى، وهو الإلحاد في الله عز وجل، أما هنا فيراد بالإلحاد: الميل عن طريق الحق، وقوله: {بظلم} الظلم في الشيء لا يسمو إلى درجة الكفر، والإلحاد بظلم إن حدث في بيت الله فهو أمر عظيم، لأنك في بيت ربك، الكعبة، وكان يجب عليك أن تستحي من مجرد حديث النفس بمعصية، مجرد الإرادة هنا تعد ذنبا، لأنك في مقام يجب أن تستشعر فيه الجلال والمهابة، فكما أعطى الله لبيته ميزة في مضاعفة الحسنات، كذلك عظم أمر المعصية وأنت في رحاب بيته، فتنبه لهذه المسألة...

فللمكان حرمة بحرمة صاحبه، فإذا كان للمكان حرمة بحرمة صاحبه، والبيت منسوب إلى الله، فأنت تعصى ربك في عقر داره، وأي جرأة أعظم من الجرأة على الله؟. وهذه خاصية للمسجد الحرام، فكل المساجد في أي مكان بيوت الله، لكن هناك فرق بين بيت الله باختيار الله، وبيت الله باختيار عباد الله، لذلك جعل بيت الله باختيار الله البيت الحرام هو القبلة التي تتجه إليها كل بيوت الله في الأرض...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

انطلقت دعوة الله في مكة؛ البلد الذي جعله حرماً آمناً يأوي إليه الناس من كل مكان ليعبدوه في المسجد الحرام، حيث يصلّون ويطوفون بالبيت الحرام. ولكن أهل مكة، الذين كانوا يتخذون الشرك قاعدة لتفكيرهم ولعبادتهم ونهجاً في حياتهم، واجهوا هذه الدعوة الجديدة بكل أساليب التعسف والتمرّد والضغط والنكران. وجاءت هذه الآية لتحدّد لنا طبيعة هذه المواجهة، وما أعدّه الله لهم في الدار الآخرة...

{وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} فلم يكتفوا بالكفر الإشراكيّ في تفكيرهم وسلوكهم، بل عملوا على الوقوف ضد كل من يريدون الدخول في الإسلام ويتحركون في سبيل الوصول إلى الحق، الذي يبلغ بهم رضوان الله ورحمته، فكانوا يلاحقون المؤمنين ليعذبوهم، وليشرّدوهم، ويمنعون الذين يحبون الإيمان أن يدخلوا فيه بالضغوط الصعبة القاسية التي يوجهونها إليهم {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الذي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} لا فرق فيه بين فردٍ وآخر أو بين جماعةٍ وأخرى ممن يؤمن بالله ويريد أن يعبده فيه، أو ممن يريد أن يدخله ليؤمن بالإسلام، فهو بيت الله الذي أراده للناس كافة، {سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ}، فالمقيم فيه والآتي من الخارج إليه سيّان، لا يملك من يقيم في مكة منع القادم إليها من دخول المسجد، لأن خالق الأرض ومالكها هو من يملك إعطاء الإذن بالمنع والدخول من موقع خلقه له، {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} ويميل عن الخط المستقيم، وذلك بالقيام بأيّ عملٍ يعيق وصول الناس إليه، ويضرّ بحياتهم في داخله، عبر استخدام ما يملكه من قوّة تمكّنه من مواجهة حالات الضعف التي تحيط بالآخرين من المقيمين به أو الداخلين إليه، {بِظُلْمٍ} أي بدون حق، فإن ذلك ليس من حقه مهما قدم لتصرفه من مبررات وأعذار، لأن للناس حرية الدخول إلى الكعبة التي تمثل بيت الله، فيحجون إليها، ويعبدونه فيها، ولم يجعل لأحد سلطة منع الناس من ذلك، إلا في نطاق حمايتهم من الخطر وحمايتها من الضغط القاسي، فمن أراد ذلك بدون حق {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} جزاءً له على تمرده وعصيانه وظلمه، تماماً كالكافرين والصادّين عن سبيل الله.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

تحدّثت الآيات السابقة عن عامّة الكفّار، وهذه الآية تشير إلى مجموعة خاصة منهم باءت بمخالفات وذنوب عظيمة، ذات علاقة بالمسجد الحرام ومراسم الحجّ العظيم... وهذه الفئة من الكفّار ترتكب ثلاث جرائم كبيرة، إضافةً إلى إنكارها الحقّ، وجرائمها هي: صدّ الناس عن سبيل الله والإيمان به والطاعة له.

صدّهم عن حجّ بيت الله الحرام، وتوهم أنّ لهم امتيازاً عن الآخرين.

ممارستهم للظلم وإرتكابهم الإثم في هذه الأرض المقدّسة، والله يعاقب هؤلاء بعذاب أليم..

يقصد بالصدّ عن سبيل الله كلّ عمل يحول دون إيمان الناس ودون قيامهم بالأعمال الصالحة، وهذا المفهوم الواسع يشمل البرامج الإعلامية والعلمية التي تتوخّى التضليل عن السبيل السوي والأعمال الصالحة.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ} (25)

فيه سبع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " إن الذين كفروا ويصدون " أعاد الكلام إلى مشركي العرب حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام عام الحديبية ، وذلك أنه لم يعلم لهم صد قبل ذلك الجمع ، إلا أن يريد صدهم لأفراد من الناس ، فقد وقع ذلك في صدر[ من ]{[11463]} المبعث . والصد : المنع ، أي وهم يصدون . وبهذا حسن عطف المستقبل على الماضي . وقيل : الواو زائدة " ويصدون " خبر " إن " . وهذا مفسد للمعنى المقصود ، وإنما الخبر محذوف مقدر عند قوله ( والباد ) تقديره : خسروا إذا هلكوا . وجاء " ويصدون " مستقبلا إذ هو فعل يديمونه ، كما جاء قوله تعالى : " الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر{[11464]} الله " [ الرعد : 28 ] ، فكأنه قال : إن الذين كفروا من شأنهم الصد . ولو قال إن الذين كفروا وصدروا لجاز . قال النحاس : وفي كتابي عن أبي إسحاق قال وجائز أن يكون - وهو الوجه - الخبر " نذقه من عذاب أليم " . قال أبو جعفر : وهذا غلط ، ولست أعرف ما الوجه فيه ؛ لأنه جاء بخبر " إن " جزما ، وأيضا فإنه جواب الشرط ، ولو كان خبر " إن " لبقي الشرط بلا جواب ، ولا سيما والفعل الذي في الشرط مستقبل فلا بد له من جواب .

الثانية- قوله تعالى : " والمسجد الحرام " قيل : إنه المسجد نفسه ، وهو ظاهر القرآن ؛ لأنه لم يذكر غيره . وقيل : الحرم كله ؛ لأن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنه عام الحديبية ، فنزل خارجا عنه ، قال الله تعالى : " وصدوكم عن المسجد الحرام " {[11465]}[ الفتح : 25 ] وقال : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام " [ الإسراء : 1 ] . وهذا صحيح ، لكنه قصد هنا بالذكر المهم المقصود من ذلك .

الثالثة- قوله تعالى : " الذي جعلناه للناس " أي للصلاة والطواف والعبادة ، وهو كقوله تعالى : " إن أول بيت وضع للناس " {[11466]}[ آل عمران : 96 ] . " سواء العاكف فيه والباد " العاكف : المقيم الملازم . والبادي : أهل البادية ومن يقدم عليهم . يقول : سواء في تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه الحاضر والذي يأتيه من البلاد ، فليس أهل مكة أحق من النازح إليه . وقيل : إن المساواة إنما هي في دوره ومنازله ، ليس المقيم فيها أولى من الطارئ عليها . وهذا على أن المسجد الحرام الحرم كله ، وهذا قول مجاهد ومالك ، رواه عنه ابن القاسم . وروي عن عمر وابن عباس وجماعة ( إلى أن القادم له النزول حيث وجد ، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى ) . وقال ذلك سفيان الثوري وغيره ، وكذلك كان الأمر في الصدر الأول ، كانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة ، فاتخذ رجل بابا فأنكر عليه عمر وقال : أتغلق بابا في وجه حاج بيت الله ؟ فقال : إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة ، فتركه فاتخذ الناس الأبواب . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضا أنه كان يأمر في الموسم بقلع أبواب دور مكة ، حتى يدخلها الذي يقدم فينزل حيث شاء ، وكانت الفساطيط تضرب في الدور . وروي عن مالك أن الدور ليست كالمسجد ولأهلها الامتناع منها والاستبداد ، وهذا هو العمل اليوم . وقال بهذا جمهور من الأمة{[11467]} .

وهذا الخلاف يبنى على أصلين : أحدهما أن دور مكة هل هي ملك لأربابها أم للناس . وللخلاف سببان : أحدهما هل فتح مكة كان عنوة فتكون مغنومة ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقسمها وأقرها لأهلها ولمن جاء بعدهم ، كما فعل عمر رضي الله عنه بأرض السواد وعفا لهم عن الخراج كما عفا عن سبيهم واسترقاقهم إحسانا إليهم دون سائر الكفار فتبقى على ذلك لا تباع ولا تكرى ، ومن سبق إلى موضع كان أولى به . وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي . أو كان فتحها صلحا - وإليه ذهب الشافعي - فتبقى ديارهم بأيديهم ، وفي أملاكهم يتصرفون كيف شاؤوا . وروي عن عمر أنه اشترى دار صفوان بن أمية بأربعة آلاف وجعلها سجنا ، وهو أول من حبس في السجن في الإسلام ، على ما تقدم بيانه في آية المحاربين من سورة " المائدة " {[11468]} . وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة . وكان طاوس يكره السجن بمكة ويقول : لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة .

قلت : الصحيح ما قاله مالك ، وعليه تدل ظواهر الأخبار الثابتة بأنها فتحت عنوة . قال أبو عبيد : ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلاد . وروى الدارقطني عن علقمة بن نضلة قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما وما تدعى رباع مكة إلا السوائب ، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن . وزاد في رواية : وعثمان . وروي أيضا عن علقمة بن نضلة الكناني قال : كانت تدعى بيوت مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما السوائب ، لا تباع ، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن . وروي أيضا عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى حرم مكة فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها - وقال - من أكل من أجر بيوت مكة شيئا فإنما يأكل نارا ) . قال الدارقطني : كذا رواه أبو حنيفة مرفوعا ووهم فيه ، ووهم أيضا في قوله عبيد الله{[11469]} بن أبي يزيد وإنما هو ابن أبي زياد القداح ، والصحيح أنه موقوف ، وأسند الدارقطني أيضا عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله : ( مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها ) . وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله ، ألا أبني لك بمنى بيتا أو بناء يظلك من الشمس ؟ فقال : ( لا ، إنما هو مناخ من سبق إليه ) . وتمسك الشافعي رضي الله عنه بقوله تعالى : " الذين أخرجوا من ديارهم " الحج : 40 ] فأضافها إليهم . وقال عليه السلام يوم الفتح : ( من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ) .

الرابعة-قرأ جمهور الناس " سواء " بالرفع ، وهو على الابتداء ، و " العاكف " خبره . وقيل : الخبر " سواء " وهو مقدم ؛ أي : العاكف فيه والبادي سواء ، وهو قول أبي علي ، والمعنى : الذي جعلناه للناس قبلة أو متعبدا العاكف فيه والبادي سواء . وقرأ حفص عن عاصم " سواء " بالنصب ، وهي قراءة الأعمش . وذلك يحتمل أيضا وجهين : أحدهما : أن يكون مفعولا ثانيا لجعل ، ويرتفع " العاكف " به لأنه مصدر ، فأعمل عمل اسم الفاعل لأنه في معنى مستو . والوجه الثاني : أن يكون حالا من الضمير في جعلناه . وقرأت فرقة " سواء " بالنصب " العاكف " بالخفض ، و " البادي " عطفا على الناس ، التقدير : الذي جعلناه للناس العاكف والبادي . وقراءة ابن كثير في الوقف والوصل بالياء ، ووقف أبو عمرو بغير ياء ووصل بالياء . وقرأ نافع بغير ياء في الوصل والوقف{[11470]} . وأجمع الناس على الاستواء في نفس المسجد الحرام ، واختلفوا في مكة ، وقد ذكرناه .

الخامسة- قوله تعالى : " ومن يرد فيه بإلحاد بظلم " شرط ، وجوابه " نذقه من عذاب أليم " . والإلحاد في اللغة : الميل ، إلا أن الله تعالى بين أن الميل بالظلم هو المراد . واختلف في الظلم ، فروى علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس ( " ومن يرد فيه بإلحاد بظلم " قال : الشرك ) . وقال عطاء : الشرك والقتل . وقيل : معناه صيد حمامه ، وقطع شجره ، ودخول غير محرم . وقال ابن عمر : ( كنا نتحدث أن الإلحاد فيه أن يقول الإنسان : لا والله ! وبلى والله ! وكلا والله ! ولذلك كان له فسطاطان ، أحدهما في الحل والآخر في الحرم ، فكان إذا أراد الصلاة دخل فسطاط الحرم ، وإذا أراد بعض شأنه دخل فسطاط الحل ، صيانة للحرم عن قولهم كلا والله وبلى والله ، حين عظم الله الذنب فيه ) . وكذلك كان لعبد الله بن عمرو بن العاص فسطاطان : أحدهما في الحل والآخر في الحرم ، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل ، وإذا أراد أن يصلي صلى في الحرم ، فقيل له في ذلك فقال : إن كنا لنتحدث أن من الإلحاد في الحرم أن نقول : كلا والله وبلى والله ، والمعاصي تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات ، فتكون المعصية معصيتين : إحداهما بنفس المخالفة والثانية بإسقاط حرمة البلد الحرام ، وهكذا الأشهر الحرم سواء . وقد تقدم . وروى أبو داود عن يعلى بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه ) . وهو قول عمر بن الخطاب . والعموم يأتي على هذا كله .

السادسة- ذهب قوم من أهل التأويل منهم الضحاك وابن زيد إلى أن هذه الآية تدل على أن الإنسان يعاقب على ما ينويه من المعاصي بمكة وإن لم يعمله . وقد روي نحو ذلك عن ابن مسعود وابن عمر قالوا : لو هم رجل بقتل رجل بهذا البيت وهو ( بعدن أبين ){[11471]} لعذبه الله .

قلت : هذا صحيح ، وقد جاء هذا المعنى في سورة " ن والقلم " القلم : 1 ] مبينا ، على ما يأتي بيانه{[11472]} هناك إن شاء الله تعالى .

السابعة-الباء في " بإلحاد " زائدة كزيادتها في قوله تعالى : " تنبت بالدهن " {[11473]}[ المؤمنون :20 ] ، وعليه حملوا قول الشاعر :

نحن بنو جَعْدَةَ أصحابُ الفَلَجْ{[11474]} *** نضربُ بالسيفِ ونرجُو بالفَرَجْ

أراد : نرجو الفرج . وقال الأعشى :

ضمنت برزق عيالنا أرماحُنا

أي رزق : وقال آخر{[11475]} :

ألم يأتِيكَ والأنباءُ تنمِي *** بما لاَقَتْ لبونُ بنِي زِيَّاِد

أي ما لاقت ، والباء زائدة ، وهو كثير . وقال الفراء : سمعت أعرابيا وسألته عن شيء فقال : أرجو بذاك ، أي أرجو ذاك . وقال الشاعر :

بوادِ يمانٍ يُنْبِتُ الشَّثَّ صدرُه *** وأسفله بالمَرْخِ والشَّبَهَان{[11476]}

أي المرخ . وهو قول الأخفش ، والمعنى عنده : ومن يرد فيه إلحادا بظلم . وقال الكوفيون : دخلت الباء لأن المعنى بأن يلحد ، والباء مع أن تدخل وتحذف . ويجوز أن يكون التقدير : ومن يرد الناس فيه بإلحاد . وهذا الإلحاد والظلم يجمع المعاصي من الكفر إلى الصغائر ، فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه . ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب عليها إلا في مكة . هذا قول ابن مسعود وجماعة من الصحابة وغيرهم . وقد ذكرناه آنفا .


[11463]:من كـ.
[11464]:راجع ج 9 ص 314.
[11465]:راجع ج 16 ص 283.
[11466]:راجع ج 4 ص 237.
[11467]:في كـ: الأئمة.
[11468]:راجع ج 6 ص 153.
[11469]:أحد رجال سند الحديث.
[11470]:أثبتها ورش عن نافع في الوصل دون الوقف.
[11471]:عدن: مدينة مشهورة واقعة بالقرب من مدخل البحر الأحمر، وتضاف إلى "أبين"وهي بخلاف عدن.
[11472]:راجع ج 18 ص 241.
[11473]:راجع ص 14 من هذا الجزء.
[11474]:الفلج(بتحريك ثانيه): موضع لبني جعدة بن قيس بنجد، وهو في أعلى بلاد قيس(راجع معجم ما استعجم وكتاب خزانة الأدب في الشاهد التاسع والثمانين بعد السبعمائة).
[11475]:القائل هو قيس بن زهير العبسي، شاعر جاهلي. وهو من قصيدة دالية قالها فيما كان شجر بينه وبين الربيع بن زياد العبسي.(راجع خزانة الأدب في الشاهد السادس والثلاثين بعد الستمائة).
[11476]:الشث: شجر طيب الريح مر الطعم يدبغ به. والمرخ: شجر كثير النار. والشبهان: نبت شائك له ورد لطيف أحمر.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ} (25)

قوله تعالى : { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ( 25 ) } روي أنها نزلت حين خرج النبي ( ص ) في غزوة الحديبية عام ست ، فصدّه المشركون عن دخول البيت ومنعوه فقاضاهم على العام المستقبل ، وقضى عمرته في مكانه ونحر هديه وحلق رأسه ورجع إلى المدينة{[3093]} .

وفي المراد بالمسجد الحرام قولان . أحدهما : أنه المسجد نفسه دون الحرم كله وهو ظاهر القرآن ؛ لأنه لم يذكر غيره . وثانيهما : أنه الحرم كله ؛ لأن المشركين صدوا رسول الله ( ص ) وأصحابه عنه عام الحديبية فنزل خارجا عنه في الحل وقد عيّرهم الله بذلك في قوله : ( وصدوكم عن المسجد الحرام ) .

قوله : ( إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ) واو ( ويصدون ) للعطف . والتقدير : إن الكافرين والصادين . وقيل : الواو واو الحال ؛ أي إن الذين كفروا صادين عن سبيل الله . وخبر ( إن ) مقدر . وتقديره : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله معذبون{[3094]} و ( العاكف ) ، معناه المقيم المواظب{[3095]} ( والباد ) يعني أهل البادية ومن يقدم عليهم ؛ أي يستوي في تعظيم حرمة المسجد الحرام وفي قضاء النسك فيه ، الحاضر ، أو لذي يأتيه من البلاد الأخرى . فليس أحدهما بأحق فيه من الآخر .

وفي المراد بالتسوية قولان : أحدهما : التسوية في دور المسجد الحرام وفي منازله ؛ إذ ليس المقيم فيها بأولى من الطارئ عليها .

ثانيهما : أنهما سواء في حق الحرمة والنسك . والظاهر عموم التسوية في ذلك كله وهو قول ابن عباس وعمر بن الخطاب وآخرين . وهو مذهب مالك ؛ فقد روي أن عمر كان يأمر في الموسم بقلع أبواب دور مكة حتى يدخلها الذي يقدم عليها فينزل حيث شاء . وقد روي عنه أيضا أنه نهى أن تغلق مكة زمن الحاج ، وأن الناس كانوا ينزلون منها حيث وجدوا فارغا ، حتى كانوا يضربون الفساطيط في جوف الدور .

وجملة ذلك : أن القادم له النزول حيث وجد فراغا ، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى .

وهذا الخلاف أصله أن دور مكة في ملك لأربابها أم هي للناس جميعا . وهذا الأصل مبني على أن مكة هل فتحت عنوة أو صلحا ؛ فقد قيل : إنها فتحت عنوة فتكون بذلك مغنومة . لكن النبي ( ص ) لم يقسمها ؛ بل منّ على أهلها في أنفسهم فسموا الطلقاء . ومنّ عليهم في أموالهم وتركهم في منازلهم على أحوال من غير تغيير عليهم . وبذلك أقرّها لأهلها ولمن جاء بعدهم ؛ فهي بذلك لا تباع ولا تكرى ، ومن سبق إلى موضع كان أولى به . وهذا قول الإمامين مالك وأبي حنيفة وقال به الأوزاعي . واحتجوا لذلك بما رواه عن علقمة بن نضلة قال : توفي رسول الله ( ص ) وأبو بكر وعمر وما تُدعى رباع{[3096]} مكة إلا السوائب ، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن . وروي عن عبد الله بن عمرو أنه قال : لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها . وروي عن عمر بن الخطاب أنه كان ينهى عن تبويب دور مكة ؛ لأن ينزل الحاج في عرصاتها . فكان أول من بوّب داره سهيل بن عمرو فأرسل إليه عمر ابن الخطاب في ذلك فقال : أنظرني يا أمير المؤمنين إني كنت امرأ تاجرا فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري . قال : فلك ذلك إذا .

وذهب الإمام أحمد إلى الوسط من ذلك فقال : تملك الدور بمكة وتورث ولا تؤجر ؛ جمعا بين الأدلة .

قوله : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) الإلحاد في اللغة ، بمعنى الطعن والميل عن طريق القصد . والحد ، جار وظلم . وألحد في الحرم ، أي استحل حرمته وانتهكها{[3097]} . والباء حرف جر زائد . وتقديره : ومن يرد إلحاحا بظلم . والباء هذه للسببية . والمعنى : ومن يرد فيه إلحادا بسبب الظلم . والظلم ، هو وضع الشيء في غير موضعه ؛ أي من يبتغ أن يفعل في الحرم من المعاصي والآثام عامدا ، قاصدا أنه ظلم ، كالشرك والقتل العمد وظلم الناس والإساءة الفاحشة إليهم ، إلى غير ذلك من وجوه المعاصي والخطايا ( نذقه من عذاب أليم ) جواب الشرط ؛ أي من فعل ما ذكر من وجوه الإلحاد في المسجد الحرام ؛ فقد وجب له العذاب الأليم .

على أن الجنايات تعظم على قدر عظم الزمان ، كالأشهر الحرم ، وعلى قدر عظم المكان ، كالبلد الحرام ، فتكون المعصية معصيتين : إحداهما ، بنفس الفعل المحظور . والثانية بإسقاط فضيلة الشهر الحرام أو البلد الحرام{[3098]} .


[3093]:- أحاكم القرآن لابن العربي جـ3 ص 1262.
[3094]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 173.
[3095]:- المصباح المنير جـ2 ص 75.
[3096]:- رباع، جمع ومفرده ربع بسكون الباء ومعناه الدار. انظر مختار الصحاح ص 29.
[3097]:- المصباح المنير جـ2 ص 212 والمعجم الوسيط جـ2 ص 817.
[3098]:- أحكام القرآن لابن العربي جـ3 ص 1263-1265 وتفسير القرطبي جـ12 ص 32-35 وتفسير ابن كثير جـ 3 ص 214.