الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (106)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{من كفر بالله من بعد إيمانه}... ثم استثنى، فقال: {إلا من أكره} على الكفر، {وقلبه مطمئن}، يعني: راض، {بالإيمان}... ثم قال عز وجل: {ولكن من شرح} من وسع، {بالكفر صدرا}... {فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} في الآخرة.

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

ابن عطية: قال مالك: والقيد إكراه، والسجن إكراه، والوعيد المخوف إكراه، إن لم يقع إذا تحقق ظلم ذلك المتعدي وإنقاذه لما يتوعد...

تفسير الشافعي 204 هـ :

قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولما فرض الله عز وجل الجهاد على رسوله صلى الله عليه وسلم، وجاهد المشركين بعد إذ كان أباحه، وأثخن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل مكة، ورأوا كثرة من دخل في دين الله عز وجل، اشتدوا على من أسلم منه، ففتنوهم عن دينهم أو من فتنوا منهم، فعذر الله من لم يقدر على الهجرة من المفتونين فقال: {إِلا مَنُ اَكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيـمَانِ}. وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله عز وجل قد جعل لكم مخرجا وفرض على من قدر على الهجرة الخروج إذا كان ممن يفتن عن دينه ولا يمتنع». (الأم: 4/161. ون الأم: 6/162.)...

وأبان الله عز وجل لخلقه أنه تولى الحكم ـ فيما أثابهم وعاقبهم عليه ـ على ما علم من سرائرهم ووافقت سرائرهم علانيتهم أو خالفتها، وإنما جزاهم بالسرائر، فأحبط عمل كل من كفر به، ثم قال تبارك وتعالى فيمن فتن عن دينه: {إِلا مَنُ اَكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيـمَانِ} فطرح عنهم حبوط أعمالهم والمأثم بالكفر إذا كانوا مكرهين وقلوبهم على الطمأنينة بالإيمان وخلاف الكفر. (الأم: 7/294. ون أحكام الشافعي: 1/299.)... وللكفر أحكام: كفراق الزوجة، وأن يقتل الكافر ويغنم ماله، فلما وضع الله عنه سقطت عنه أحكام الإكراه على القول كله، لأن الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه، وما يكون حكمه بثبوته عليه...

والإكراه: أن يصير الرجل في يدي من لا يقدر على الامتناع منه: من سلطان أو لصٍّ، أو متغلب على واحد من هؤلاء، ويكون المكره يخاف خوفا عليه دلالة: أنه إن امتنع من قول ما أمر به يبلغ به الضرب المؤلم، أو أكثر منه، أو إتلاف نفسه. فإذا خاف هذا يسقط عنه حكم ما أكره عليه من قول ما كان القول شراء أو بيعا أو إقرارا لرجل بحقٍّ أو حدٍّ، أو إقرار بنكاح أو عتق أو طلاق، أو إحداث واحدٍ من هذا وهو مكره، فأي هذا أحدث وهو مكره لم يلزمه. (الأم: 3/236. ون أحكام الشافعي: 1/224.) فأما ما فرض الله على القلب من الإيمان: فالإقرار والمعرفة والعقد، والرضا والتسليم، بأن الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله من نبيّ أو كتاب. فذلك ما فرض الله جل ثناؤه على القلب، وهو عمله: {إِلا مَنُ اَكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيـمَانِ وَلَـاكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرا} وقال: {أَلا بِذِكْرِ اِللَّهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ} وقال: {مِنَ اَلذِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُومِن قُلُوبُهُمْ} وقال: {وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمُ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اِللَّهُ} فذلك ما فرض الله على القلب من الإيمان، وهو عمله، وهو رأس الإيمان. (295- مناقب الشافعي: 1/389.)...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

... ذكر أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر وقوم كانوا أسلموا ففتنهم المشركون عن دينهم، فثبت على الإسلام بعضهم وافتتن بعض... عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فعذّبوه حتى باراهم في بعض ما أرادوا. فشكا ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «كَيْفَ تَجدُ قَلْبَكَ؟» قال: مطمئنا بالإيمان. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «فإنْ عادُوا فَعُدْ»...

فتأويل الكلام إذن: من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره على الكفر فنطق بكلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئنّ بالإيمان، موقن بحقيقته، صحيح عليه عزمه، غير مفسوح الصدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرا فاختاره وآثره على الإيمان وباح به طائعا، فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

وأصله أن الله جعل حقيقة الإيمان والكفر بالقلب دون اللسان وغيره من الجوارح؛ لأن غيره من الجوارح يجوز استعماله بإكراه. وأما القلب فإنه لا يملك أحد سواه استعماله، وذلك لفضله ومنه.

وقوله تعالى: {ولكن من شرح بالكفر صدرا}، فهو كافر به إن كان ذلك على الإكراه، لما ذكرنا أنه باختياره الكفر ينشرح له الصدر لما لا يعمل الإكراه على القلب، {فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم}، ظاهر...

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

اتفق الفقهاء على أن المكره على الكفر، وعلى شتم الرسول صلى الله عليه وسلم والأصحاب، وترك الصلاة، وقذف المحصنة وما أشبهها من ترك الطاعات، وارتكاب الشبهات، بوعيد متلف، أو ضرب شديد لا يحتمله، إن له أن يفعل ما أكره عليه، وإن أبى ذلك حتى يغضب في الله فهو أفضل له...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

إذا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ عبده بقلبه، وإخلاصَه في عَقْدِه، ولحقته ضرورة في حاله خَفَّفَ عنه حُكْمَه، ودَفَع عنه عناءَه فلا يَلْفِظُ بكلمة الكفر إلا مُكْرَهاً -وهو مُوَحِّدٌ، وهو مستحقٌ العُذْرَ فيما بينه وبين الله تعالى...

أحكام القرآن لإلكيا الهراسي 504 هـ :

وذلك يدل على أن حكم الردة لا يلزمه، غير أنه إن أمكنه أن يوري فيجب عليه أن يفعل وإلا كفر، ولو صبر حتى قتل شهيداً كان أعظم لأجره، وذلك يدل على أنه عند الإكراه قبيح أيضاً، غير أن المشرع غفر له لما يدفع به عن نفسه من الضرر، ولو لم يكن قبيحاً في نفسه، لوجب عليه أن يأتي به...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

روي أنّ ناساً من أهل مكة فتنوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان، منهم عمار، وأبواه -ياسر وسمية- وصهيب، وبلال، وخباب، وسالم: عذبوا، فأمّا سمية فقد ربطت بين بعيرين ووجيء في قبلها بحربة، وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت، وقتل ياسر، وهما أول قتيلين في الإسلام، وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مُكرهاً...

فإن قلت: أي الأمرين أفضل، أفعل عمار أم فعل أبويه؟ قلت: بل فعل أبويه؛ لأنّ في ترك التقية والصبر على القتل إعزازاً للإسلام...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْمُرْتَدِّينَ... وَالْكَافِرُ أَوْ الْمُرْتَدُّ هُوَ الَّذِي جَرَى بِالْكُفْرِ لِسَانُهُ، مُخْبِرًا عَمَّا انْشَرَحَ بِهِ من الْكُفْرِ صَدْرُهُ، فَعَلَيْهِ من اللَّهِ الْغَضَبُ، وَلَهُ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ، إلَّا مَنْ أُكْرِهَ... فَذَكَرَ اسْتِثْنَاءَ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْكُفْرِ بِلِسَانِهِ عَنْ إكْرَاهٍ، وَلَمْ يَعْقِدْ عَلَى ذَلِكَ قَلْبَهُ، فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ، مَعْذُورٌ فِي الدُّنْيَا، مَغْفُورٌ فِي الْأُخْرَى...

وَالْمُكْرَهُ: هُوَ الَّذِي لَمْ يُخَلَّ وَتَصْرِيفَ إرَادَتِهِ فِي مُتَعَلِّقَاتِهَا الْمُحْتَمِلَةِ لَهَا، فَهُوَ مُخْتَارٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُ بَقِيَ لَهُ فِي مَجَالِ إرَادَتِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَى الْبَدَلِ، وَهُوَ مُكْرَهٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ حُذِفَ لَهُ من مُتَعَلِّقَاتِ الْإِرَادَةِ مَا كَانَ تَصَرُّفُهَا يَجْرِي عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِكْرَاهِ، وَسَبَبُ حَذْفِهَا قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ؛ فَالْقَوْلُ هُوَ التَّهْدِيدُ، وَالْفِعْلُ هُوَ أَخْذُ الْمَالِ، أَوْ الضَّرْبُ، أَوْ السَّجْنُ...

إنَّ الْكُفْرَ وَإِنْ كَانَ بِالْإِكْرَاهِ جَائِزًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّ مَنْ صَبَرَ عَلَى الْبَلَاءِ وَلَمْ يُفْتَتَنْ حَتَّى قُتِلَ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ آثَارُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي يَطُولُ سَرْدُهَا، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْإِذْنُ وَخَصَّهُ من اللَّهِ رِفْقًا بِالْخَلْقِ، وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ، وَلِمَا فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ من السَّمَاحَةِ، وَنَفْيِ الْحَرَجِ، وَوَضْعِ الْإِصْرِ...

لَمَّا سَمَحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكُفْرِ بِهِ، وَهُوَ أَصْلُ الشَّرِيعَةِ، عِنْدَ الْإِكْرَاهِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ بِهِ، حَمَلَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ فُرُوعَ الشَّرِيعَةِ، فَإِذَا وَقَعَ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهَا لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ، وَلَا يَتَرَتَّبُ حُكْمٌ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَاءَ الْأَثَرُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: (رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)...

وَالْخَبَرُ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ سَنَدُهُ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقٍ من الْعُلَمَاءِ... وَمِنْهَا أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْقَتْلِ إذَا قَتَلَ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ ظُلْمًا اسْتِبْقَاءً لِنَفْسِهِ، فَقُتِلَ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ الْجَمَاعَةُ...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنه تعالى لما عظم تهديد الكافرين ذكر في هذه الآية تفصيلا في بيان من يكفر بلسانه لا بقلبه، ومن يكفر بلسانه وقلبه معا...

{إلا من أكره} ليس باستثناء، لأن المكره ليس بكافر فلا يصح استثناؤه من الكافر، لكن المكره لما ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر طوعا صح هذا الاستثناء لهذه المشاكلة...

يجب ههنا بيان الإكراه الذي عنده يجوز التلفظ بكلمة الكفر، وهو أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به، مثل التخويف بالقتل، ومثل الضرب الشديد والإيلامات القوية...

أجمعوا على أن عند ذكر كلمة الكفر يجب عليه أن يبرئ قلبه من الرضا به وأن يقتصر على التعريضات... إذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوما وعفو الله متوقع...

لو ضيق المكره الأمر عليه وشرح له كل أقسام التعريضات وطلب منه أن يصرح بأنه ما أراد شيئا منها، وما أراد إلا ذلك المعنى، فههنا يتعين إما التزام الكذب، وإما تعريض النفس للقتل...

أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بكلمة الكفر... الذي أمسك عن كلمة الكفر طهر قلبه ولسانه عن الكفر. أما الذي تلفظ بها فهب أن قلبه طاهر عنه إلا أن لسانه في الظاهر قد تلطخ بتلك الكلمة الخبيثة، فوجب أن يكون حال الأول أفضل، والله أعلم...

اعلم أن للإكراه مراتب؛

المرتبة الأولى: أن يجب الفعل المكره عليه مثل ما إذا أكرهه على شرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة فإذا أكرهه عليه بالسيف فههنا يجب الأكل، وذلك لأن صون الروح عن الفوات واجب، ولا سبيل إليه في هذه الصورة إلا بهذا الأكل، وليس في هذا الأكل ضرر على حيوان ولا فيه إهانة لحق الله تعالى، فوجب أن يجب لقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}.

المرتبة الثانية: أن يصير ذلك الفعل مباحا ولا يصير واجبا، ومثاله ما إذا أكرهه على التلفظ بكلمة الكفر فههنا يباح له ولكنه لا يجب كما قررناه.

المرتبة الثالثة: أن لا يجب ولا يباح بل يحرم، وهذا مثل ما إذا أكرهه إنسان على قتل إنسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية... من الأفعال ما يقبل الإكراه عليه كالقتل والتكلم بكلمة الكفر، ومنه ما لا يقبل الإكراه عليه قيل: وهو الزنا. لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة، فحيث دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا على سبيل الإكراه...

{وقلبه مطمئن بالإيمان} يدل على أن محل الإيمان هو القلب والذي محله القلب إما الاعتقاد، وإما كلام النفس، فوجب أن يكون الإيمان عبارة إما عن المعرفة وإما عن التصديق بكلام النفس، والله أعلم...

ثم قال تعالى: {ولكن من شرح بالكفر صدرا} أي فتحه ووسعه لقبول الكفر وانتصب صدرا على أنه مفعول لشرح، والتقدير: ولكن من شرح بالكفر صدره، وحذف الضمير لأنه لا يشكل بصدر غيره إذ البشر لا يقدر على شرح صدر غيره فهو نكرة يراد بها المعرفة...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ثم ينتقل السياق إلى بيان أحكام من يكفر بعد الإيمان:...

ولقد لقي المسلمون الأوائل في مكة من الأذى ما لا يطيقه إلا من نوى الشهادة، وآثر الحياة الأخرى، ورضي بعذاب الدنيا عن العودة إلى ملة الكفر والضلال.

والنص هنا يغلظ جريمة من كفر بالله من بعد إيمانه. لأنه عرف الإيمان وذاقه، ثم ارتد عنه إيثارا للحياة الدنيا على الآخرة. فرماهم بغضب من الله، وبالعذاب العظيم، والحرمان من الهداية؛ ووصمهم بالغفلة وانطماس القلوب والسمع والأبصار؛ وحكم عليهم بأنهم في الآخرة هم الخاسرون.. ذلك أن العقيدة لا يجوز أن تكون موضع مساومة، وحساب للربح والخسارة. ومتى آمن القلب بالله فلا يجوز أن يدخل عليه مؤثر من مؤثرات هذه الأرض؛ فللأرض حساب، وللعقيدة حساب ولا يتداخلان. وليست العقيدة هزلا، وليست صفة قابلة للأخذ والرد فهي أعلى من هذا وأعز. ومن ثم كل هذا التغليظ في العقوبة، والتفظيع للجريمة.

واستثنى من ذلك الحكم الدامغ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. أي من أظهر الكفر بلسانه نجاة لروحه من الهلاك، وقلبه ثابت على الإيمان مرتكن إليه مطمئن به. وقد روى أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر.

روى ابن جرير -بإسناده- عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا. فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي [صلى الله عليه وسلم] "كيف تجد قلبك؟ "قال: مطمئنا بالإيمان. قال النبي [صلى الله عليه وسلم]: "إن عادوا فعد".. فكانت رخصة في مثل هذه الحال.

وقد أبى بعض المسلمين أن يظهروا الكفر بلسانهم مؤثرين الموت على لفظة باللسان. كذلك صنعت سمية أم ياسر، وهي تطعن بالحرية في موضع العفة حتى تموت وكذلك صنع أبوه ياسر.

وقد كان بلال -رضوان الله عليه- يفعل المشركون به الأفاعيل حتى ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه بالشرك بالله، فيأبى عليهم وهو يقول: أحد. أحد. ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها.

وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدا رسول الله. فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع! فلم يزل يقطعه إربا إربا، وهو ثابت على ذلك.

وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذيفة السهمي -أحد الصحابة رضوان الله عليهم- أنه أسرته الروم، فجاءوا به إلى ملكهم، فقال له: تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي. فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك و جميع ما تملكه العرب أن أرجع عن دين محمد [صلى الله عليه وسلم] طرفة عين ما فعلت. فقال: إذن أقتلك، فقال: أنت وذاك. قال: فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموه قريبا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى. ثم أمر به فأنزل. ثم أمر بقدر. وفي رواية: بقرة من نحاس فأحميت، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر فإذا هو عظام تلوح. وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها. فرفع في البكرة ليلقى فيها فبكى. فطمع فيه ودعاه. فقال: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذه القدر الساعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله.

وفي رواية أنه سجنه، ومنع عنه الطعام والشراب أياما، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير، فلم يقربه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حل لي، ولكن لم أكن لأشمتك في. فقال له الملك: فقبل رأسي وأنا أطلقك. فقال: تطلق معي جميع أسارى المسلمين. فقال: نعم. فقبل رأسه، فأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده. فلما رجع قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا ابدأ. فقام فقبل رأسه رضي الله عنهما.

ذلك أن العقيدة أمر عظيم، لا هوادة فيها ولا ترخص، وثمن الاحتفاظ بها فادح، ولكنها ترجحه في نفس المؤمن، وعند الله. وهي أمانة لا يؤتمن عليها إلا من يفديها بحياته وهانت الحياة وهان كل ما فيها من نعيم.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

لما سبق التّحذير من نقض عهد الله الذي عاهدوه، وأن لا يغرّهم ما لأمّة المشركين من السّعة والرُبُو، والتحذير من زَلل القدم بعد ثبوتها، وبشروا بالوعد بحياة طيبة، وجزاء أعمالهم الصالحة من الإشارة إلى التّمسك بالقرآن والاهتداء به، وأن لا تغرّهم شُبه المشركين وفتونهم في تكذيب القرآن، عقب ذلك بالوعيد على الكفر بعد الإيمان، فالكلام استئناف ابتدائي.

ومناسبة الانتقال أن المشركين كانوا يحاولون فتنة الراغبين في الإسلام والذين أسلموا، فلذلك ردّ عليهم بقوله: {قل نزّله روح القدس} إلى قوله: {ليثبّت الذين آمنوا} [سورة النحل: 102]، وكانوا يقولون: {إنما يعلمه بشر} [سورة النحل: 103] فردّ عليهم بقوله: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي} [سورة النحل: 103]. وكان الغلام الذي عنوه بقولهم {إنما يعلمه بشر} قد أسلم ثم فتنهُ المشركون فكفر، وهو جَبر مولى عامر بن الحَضرمي. وكانوا راودوا نفراً من المسلمين على الارتداد، منهم: بلال، وخَبّاب بن الأرتّ، وياسر، وسُميّةُ أبَوَا عمار بن ياسر، وعمّارٌ ابنهما، فثبتوا على الإسلام. وفتنوا عماراً فأظهر لهم الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان. وفتنوا نفراً آخرين فكفروا، وذُكر منهم الحارث بن ربيعة بن الأسود، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاصي بن منبّه بن الحجّاج، وأحسب أن هؤلاء هم الذين نزل فيهم قوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} في سورة العنكبوت (10)، فكان مِن هذه المناسبة ردّ لعجز الكلام على صدره.

على أن مضمون من كفر بالله من بعد إيمانه} مقابل لمضمون {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} [سورة النحل: 97]، فحصل الترهيب بعد الترغيب، كما ابتدئ بالتحذير تحفّظاً على الصالح من الفساد، ثم أعيد الكلام بإصلاح الذين اعتراهم الفساد، وفُتح باب الرخصة للمحَافظين على صلاحهم بقدر الإمكان.

واعلم أن الآية إن كانت تشير إلى نفَر كفروا بعد إسلامهم كانت مَن} موصولة وهي مبتدأ والخبر {فعليهم غضب من الله}. وقرن الخبر بالفاء لأن في المبتدأ شبهاً بأداة الشرط. وقد يعامل الموصول معاملة الشرط، ووقع في القرآن في غير موضع. ومنه قوله تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنّم} [سورة البروج: 10]، وقوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة} إلى قوله {فبشّرهم بعذاب أليم} في سورة براءة (34). وقيل إن فريقاً كفروا بعد إسلامهم، كما رُوي في شأن جبر غلام ابن الحَضرمي. وهذا الوجه أليق بقوله تعالى: {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} [سورة النحل: 108] الآية.

وإن كان ذلك لم يقع فالآية مجرّد تحذير للمسلمين من العود إلى الكفر، ولذلك تكون {مَن} شرطية، والشرط غير مراد به معيّن بل هو تحذير، أي مَن يَكْفروا بالله، لأن الماضي في الشرط ينقلب إلى معنى المضارع، ويكون قوله: {فعليهم غضب من الله} جواباً.

والتّحذير حاصل على كلا المعنيين.

وأما قوله: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} فهو ترخيص ومعذرة لِمَا صدر من عمار بن ياسر وأمثالِه إذا اشتدّ عليهم عذاب من فتنوهم.

وقوله: {إلا من أكره} استثناء من عموم {من كفر} لئلا يقع حكم الشرط عليه، أي إلا مَن أكرهه المشركون على الكفر، أي على إظهاره فأظهره بالقول لكنه لم يتغير اعتقاده. وهذا فريق رخّص الله لهم ذلك كما سيأتي.

ومصحّح الاستثناء هو أن الذي قال قول الكفّار قد كفر بلفظه.

والاستدراك بقوله: {ولكن من شرح بالكفر صدراً} استدراك على الاستثناء، وهو احتراس من أن يفهم من الاستثناء أن المكره مرخّص له أن ينسلخ عن الإيمان من قلبه.

و {من شرح} معطوف ب {لكن} على {من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}، لأنه في معنى المنفي لوقوعه عقب الاستثناء من المثبت، فحرف {لكن عاطف ولا عبرة بوجود الواو على التحقيق.

واختير {فعليهم غضب} دون نحو: فقد غضب الله عليهم، لما تدلّ عليه الجملة الاسمية من الدوام والثبات، أي غضب لا مغفرة معه.

وتقديم الخبر المجرور على المبتدأ للاهتمام بأمرهم، فقدّم ما يدلّ عليهم، ولتصحيح الإتيان بالمبتدأ نكرة حين قصد بالتّنكير التعظيم، أي غضب عظيم، فاكتفي بالتنكير عن الصفة.

وأما تقديم {لهم} على {عذاب عظيم} فللاهتمام.

والإكراه: الإلجاء إلى فعل ما يُكْرَه فِعلُه. وإنما يكون ذلك بفعل شيء تضيق عن تحمّله طاقة الإنسان من إيلام بالغ أو سجن أو قيد أو نحوه.

وقد رخّصت هذه الآية للمكره على إظهار الكفر أن يظهره بشيء من مظاهره التي يطلق عليها أنها كفر في عرف الناس من قول أو فعل.

وقد أجمع علماء الإسلام على الأخذ بذلك في أقوال الكفر، فقالوا: فمن أكره على الكفر غير جارية عليه أحكام الكفر، لأن الإكراه قرينة على أن كفره تقية ومصانعة بعد أن كان مسلماً. وقد رخّص الله ذلك رفقاً بعباده واعتباراً للأشياء بغاياتها ومقاصدها.

وفي الحديث: أن ذلك وقع لعمار بن ياسر، وأنه ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فصوّبه وقال له: « وإن عادوا لك فعُد». وأجمع على ذلك العلماء. وشذّ محمد بن الحسن فأجرى على هذا التظاهر بالكفر حكمَ الكفّار في الظاهر كالمرتدّ فيستتاب عن المِكنة منه.

وسوّى جمهور العلماء بين أقوال الكفر وأفعاله كالسجود للصنم. وقالت طائفة: إن الإكراه على أفعال الكفر لا يبيحها. ونُسب إلى الأوزاعي وسحنون والحسن البصري، وهي تفرقة غير واضحة. وقد ناط الله الرخصة باطمئنان القلب بالإيمان وغفر ما سوّل القلب.

وإذا كان الإكراه موجب الرخصة في إظهار الكفر فهو في غير الكفر من المعاصي أولى كشرب الخمر والزنا، وفي رفع أسباب المؤاخذة في غير الاعتداء على الغير كالإكراه على الطلاق أو البيع.

وأما في الاهتداء على الناس من ترتّب الغُرْم فبين مراتب الإكراه ومراتب الاعتداء المكره عليه تفاوت، وأعلاها الإكراه على قتل نفس. وهذا يظهر أنه لا يبيح الإقدام على القتل لأن التوعّد قد لا يتحقق وتفوت نفس القتيل.

على أن أنواعاً من الاعتداء قد يُجعل الإكراه ذريعة إلى ارتكابها بتواطئ بين المكرِه والمكرَه. ولهذا كان للمكره بالكسر جانب من النظر في حمل التبعة عليه.

وهذه الآية لم تتعرّض لغير مؤاخذة الله تعالى في حقّه المحض وما دون ذلك فهو مجال الاجتهاد.

والخلاف في طلاق المكره معلوم، والتفاصيل والتفاريع مذكورة في كتب الفروع وبعض التفاسير.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وفي هذه الآية الكريمة يوضح لنا الحق سبحانه وتعالى أن الإيمان ليس مجرد أن تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فالقول وحده لا يكفي، ولابد وأن تشهد بذلك، ومعنى تشهد أن يواطئ القلب واللسان كل منهما الآخر في هذه المقولة. والمتأمل لهذه القضية يجد أن القسمة المنطقية تقتضي أن يكون لدينا أربع حالات: الأولى: أن يواطئ القلب اللسان إيجاباً بالإيمان؛ ولذلك نقول: إن المؤمن منطقي في إيمانه؛ لأنه يقول ما يضمره قلبه.

الثانية: أن يواطئ القلب اللسان سلباً، أي: بالكفر، وكذلك الكافر منطقي في كفره بالمعنى السابق.

الثالثة: أن يؤمن بلسانه ويضمر الكفر في قلبه، وهذه حالة المنافق، وهو غير منطقي في إيمانه، حيث أظهر خلاف ما يبطن ليستفيد من مزايا الإيمان.

الرابعة: أن يؤمن بقلبه، وينطق كلمة الكفر بلسانه. وهذه الحالة الرابعة هي المرادة في هذه الآية. فالحق تبارك وتعالى يعطينا هنا تفصيلاً لمن كفر بعد إيمان، وما سبب هذا الكفر؟ وما جزاؤه؟. قوله: {من كفر بالله من بعد إيمانه}... فإن كانت الآيات قد سكتت عمن أكره، ولم تجعل له عقوبة لأنه مكره، فقد بينت أن من شرح بالكفر صدراً عليه غضب من الله، أي: في الدنيا. ولهم عذاب عظيم، أي: في الآخرة...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

كان الإسلام واقعياً في مسألة مسؤولية الإنسان المؤمن في الإصرار على موقفه الإيماني، ففرض عليه الالتزام بالموقف في الحالات التي يمثل فيها الضعف إسقاطاً للموقف كله، ورخّص له التراجع عنه بطريقةٍ ظاهرية إنقاذاً للموقف من الانهيار في بعض مراحله، وحفظاً للساحة عندما لا تستطيع مواصلة الجهاد والحركة تحت تأثير الضغوط القاسية التي تتعرض لها بفعل القوّة الطاغية التي يملكها أعداء الله...

وقد نلاحظ، في هذا المجال، أن الكافرين الذين يضغطون على المؤمنين ليحصلوا منهم على اعترافٍ بالكفر، أو الطغاة الذين يعذبون المستضعفين ليحصلوا منهم على اعتراف ببعض الأمور، لا ينطلقون من موقع قوّةٍ في طلبهم ذاك، بل من موقع ضعف شديد يشعرون به، الأمر الذي يجعلهم يلهثون وراء كلمة اعتراف بهم، توحي لهم بانهزام الخصم وترضي كبرياءهم، حتى وهم يوقنون بعدم كونه اعترافاً حقيقياً، فلا يكون الكفر في هذه الحال سوى كفر كلامي يخفي تحدياً إيمانياً يخطط من خلاله المؤمن للانقضاض عليهم، مستفيداً من غطاء الكفر الشكلي الذي اعترف به؛ لأن الضغط يصنع الحركة المضادة، والعذاب يستثير مشاعر الثورة على كل الواقع الذي يصنع مأساة الإنسان الفكرية والعملية، وإن كل وسائل التعذيب لا تستطيع تحويل قناعات الناس إلى قناعات مضادة؛ لأن مواقع القناعة هي مواقع الفكر التي لا تستطيع وسائل الضغط تحويلها. ولهذا فإن الله قد استثنى المؤمنين الذين أُكرهوا على كلمة الكفر من فئة المرتدين، فلم يعتبر ذلك ارتداداً عن الإيمان؛ لأن قضية الارتداد هي قضية الكفر الذي يتسع له القلب، ويتحرك فيه الموقف...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (106)

فيه إحدى وعشرون مسألة :

الأولى : قوله تعالى : " من كفر بالله " هذا متصل بقوله تعالى : " ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها " [ النحل : 91 ] ، فكان مبالغة في الوصف بالكذب ؛ لأن معناه لا ترتدوا عن بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم . أي : من كفر من بعد إيمانه وارتد فعليه غضب الله . قال الكلبي : نزلت في عبد الله بن أبي سرح ، ومقيس بن ضبابة ، وعبد الله بن خطل{[10059]} ، وقيس بن الوليد بن المغيرة ، كفروا بعد إيمانهم . وقال الزجاج : " من كفر بالله من بعد إيمانه " ، بدل ممن يفتري الكذب ، أي : إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه ؛ لأنه رأى الكلام إلى آخر الاستثناء غير تام فعلقه بما قبله . وقال الأخفش : " من " ، ابتداء وخبره محذوف ، اكتفي منه بخبر " من " الثانية ، كقولك : من يأتنا من يحسن نكرمه .

الثانية : قوله تعالى : " إلا من أكره " ، هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر ، في قول أهل التفسير ؛ لأنه قارب بعض ما ندبوه إليه . قال ابن عباس : أخذه المشركون وأخذوا أباه وأمه سمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما فعذبوهم ، وربطت سمية بين بعيرين ووجيء قُبُلَها بحربة ، وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال ، فقتلت وقتل زوجها ياسر ، وهما أول قتيلين في الإسلام . وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها ، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كيف تجد قلبك ) ؟ قال : مطمئن بالإيمان . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فإن عادوا فعد ) . وروى منصور بن المعتمر عن مجاهد قال : أول شهيدة في الإسلام أم عمار ، قتلها أبو جهل ، وأول شهيد من الرجال مهجع مولى عمر . وروى منصور أيضا عن مجاهد قال : أول من أظهر الإسلام سبعة : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، وبلال ، وخباب ، وصهيب ، وعمار ، وسمية أم عمار . فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه أبو طالب ، وأما أبو بكر فمنعه قومه ، وأخذوا الآخرين فألبسوهم أدرع الحديد ، ثم صهروهم في الشمس حتى بلغ منهم الجهد كل مبلغ من حر الحديد والشمس ، فلما كان من العشي أتاهم أبو جهل ومعه حربة ، فجعل يسبهم ويوبخهم ، وأتى سمية فجعل يسبها ويرفث{[10060]} ، ثم طعن فرجها حتى خرجت الحربة من فمها فقتلها ، رضي الله عنها . قال : وقال الآخرون ما سئلوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله ، فجعلوا يعذبونه ويقولون له : ارجع عن دينك ، وهو يقول أحد أحد ، حتى ملوه ، ثم كتفوه وجعلوا في عنقه حبلا من ليف ، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به بين أخشبي{[10061]} مكة حتى ملوه وتركوه ، قال فقال عمار : كلنا تكلم بالذي قالوا - لولا أن الله تداركنا - غير بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله ، فهان على قومه حتى ملوه وتركوه . والصحيح أن أبا بكر اشترى بلالا فأعتقه . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن ناسا من أهل مكة آمنوا ، فكتب إليهم بعض أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالمدينة : أن هاجروا إلينا ، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا ، فخرجوا يريدون المدينة حتى أدركتهم قريش بالطريق ، ففتنوهم فكفروا مكرهين ، ففيهم نزلت هذه الآية . ذكر الروايتين عن مجاهد إسماعيل بن إسحاق . وروى الترمذي عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما ) ، هذا حديث حسن غريب . وروي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة : علي وعمار وسلمان بن ربيعة ) . قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن صالح .

الثالثة : لما سمح الله عز وجل بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به ، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها ، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم ، وبه جاء الأثر المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) الحديث . والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء ، قاله القاضي أبو بكر بن العربي . وذكر أبو محمد عبد الحق أن إسناده صحيح قال : وقد ذكره أبو بكر الأصيلي في الفوائد وابن المنذر في كتاب الإقناع .

الرابعة : أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل ، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر ، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي ، غير محمد بن الحسن فإنه قال : إذا أظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر ، وفيما بينه وبين الله تعالى على الإسلام ، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات ، ولا يرث أباه إن مات مسلما . وهذا قول يرده الكتاب والسنة ، قال الله تعالى : " إلا من أكره " الآية . وقال : " إلا أن تتقوا منهم تقاة{[10062]} " [ آل عمران : 28 ] ، وقال : " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض{[10063]} " [ النساء : 97 ] الآية . وقال : " إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان{[10064]} " [ النساء : 98 ] الآية . فعذر الله المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر الله به ، والمكره لا يكون إلا مستضعفا غير ممتنع من فعل ما أمر به ، قاله البخاري .

الخامسة : ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول ، وأما في الفعل فلا رخصة فيه ، مثل أن يكرهوا على السجود لغير الله أو الصلاة لغير القبلة ، أو قتل مسلم أو ضربه أو أكل ماله ، أو الزنى وشرب الخمر وأكل الربا ، يروى هذا عن الحسن البصري ، رضي الله عنه . وهو قول الأوزاعي وسحنون من علمائنا . وقال محمد بن الحسن : إذا قيل للأسير : اسجد لهذا الصنم وإلا قتلتك . فقال : إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد ويكون نيته لله تعالى ، وإن كان لغير القبلة فلا يسجد وإن قتلوه . والصحيح أنه يسجد وإن كان لغير القبلة ، وما أحراه بالسجود حينئذ ، ففي الصحيح عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه ، قال : وفيه نزلت " فأينما تولوا فثم وجه الله{[10065]} " [ البقرة : 115 ] ، في رواية : ويوتر عليها ، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة . فإذا كان هذا مباحا في السفر في حالة الأمن لتعب النزول عن الدابة للتنفل ، فكيف بهذا . واحتج من قصر الرخصة على القول بقول ابن مسعود : ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان إلا كنت متكلما به . فقصر الرخصة على القول ولم يذكر الفعل ، وهذا لا حجة فيه ؛ لأنه يحتمل أن يجعل للكلام مثالا وهو يريد أن الفعل في حكمه . وقالت طائفة : الإكراه في الفعل والقول سواء إذا أسر الإيمان . روي ذلك عن عمر بن الخطاب ومكحول ، وهو قول مالك وطائفة من أهل العراق . روى ابن القاسم عن مالك أن من أكره على شرب الخمر وترك الصلاة أو الإفطار في رمضان ، أن الإثم عنه مرفوع .

السادسة : أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره ، ويصبر على البلاء الذي نزل به ، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره ، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة . واختلف في الزنى ، فقال مطرف وأصبغ وابن عبد الحكم وابن الماجشون : لا يفعل أحد ذلك ، وإن قتل لم يفعله ، فإن فعله فهو آثم ويلزمه الحد ، وبه قال أبو ثور والحسن . قال ابن العربي : الصحيح أنه يجوز الإقدام على الزنى ولا حد عليه ، خلافا لمن ألزمه ذلك ؛ لأنه رأى أنها شهوة خلقية لا يتصور الإكراه عليها ، وغفل عن السبب في باعث الشهوة وهو الإلجاء إلى ذلك ، وهو الذي أسقط حكمه ، وإنما يجب الحد على شهوة بعث عليها سبب اختياري ، فقاس الشيء على ضده ، فلم يحل بصواب من عنده . وقال ابن خويز منداد في أحكامه : اختلف أصحابنا متى أكره الرجل على الزنى ، فقال بعضهم : عليه الحد ؛ لأنه إنما يفعل ذلك باختياره . وقال بعضهم : لا حد عليه . قال ابن خويز منداد : وهو الصحيح . وقال أبو حنيفة : إن أكرهه غير السلطان حد ، وإن أكرهه السلطان فالقياس أن يحد ، ولكن استحسن ألا يحد . وخالفه صاحباه فقالا : لا حد عليه في الوجهين ، ولم يراعوا الانتشار ، وقالوا : متى علم أنه يتخلص من القتل بفعل الزنى ، جاز أن ينتشر . قال ابن المنذر : لا حد عليه ، ولا فرق بين السلطان في ذلك وغير السلطان .

السابعة : اختلف العلماء في طلاق المكره وعتاقه ، فقال الشافعي وأصحابه : لا يلزمه شيء . وذكر ابن وهب عن عمر وعلي وابن عباس أنهم كانوا لا يرون طلاقه شيئا . وذكره ابن المنذر عن ابن الزبير وابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس والحسن وشريح والقاسم وسالم ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور . وأجازت طائفة طلاقه ، روي ذلك عن الشعبي والنخعي وأبي قلابة والزهري وقتادة ، وهو قول الكوفيين . قال أبو حنيفة : طلاق المكره يلزم ؛ لأنه لم يعدم فيه أكثر من الرضا ، وليس وجوده بشرط في الطلاق كالهازل . وهذا قياس باطل ، فإن الهازل قاصد إلى إيقاع الطلاق راض به ، والمكره غير راض ولا نية له في الطلاق ، وقد قال عليه السلام : ( إنما الأعمال بالنيات ) . وفي البخاري : وقال ابن عباس فيمن يكرهه اللصوص فيطلق : ليس بشيء ، وبه قال ابن عمر وابن الزبير والشعبي والحسن . وقال الشعبي : إن أكرهه اللصوص فليس بطلاق ، وإن أكرهه السلطان فهو طلاق . وفسره ابن عيينة فقال : إن اللص يقدم على قتله والسلطان لا يقتله .

الثامنة : وأما بيع المكره والمضغوط فله حالتان : الأولى : أن يبيع ماله في حق وجب عليه ، فذلك ماض سائغ لا رجوع فيه عند الفقهاء ؛ لأنه يلزمه أداء الحق إلى ربه من غير المبيع ، فلما لم يفعل ذلك كان بيعه اختيارا منه فلزمه . وأما بيع المكره ظلما أو قهرا فذلك بيع لا يجوز عليه . وهو أولى بمتاعه يأخذه بلا ثمن ، ويتبع المشتري بالثمن ذلك الظالم ، فإن فات المتاع رجع بثمنه أو بقيمته بالأكثر من ذلك على الظالم إذا كان المشتري غير عالم بظلمه . قال مطرف : ومن كان من المشترين يعلم حال المكره فإنه ضامن لما ابتاع من رقيقه وعروضه كالغاصب ، وكلما أحدث المبتاع في ذلك من عتق أو تدبير أو تحبيس فلا يلزم المكره ، وله أخذ متاعه . قال سحنون : أجمع أصحابنا وأهل العراق على أن بيع المكره على الظلم والجور لا يجوز . وقال الأبهري : إنه إجماع .

التاسعة : وأما نكاح المكره ، فقال سحنون : أجمع أصحابنا على إبطال نكاح المكره والمكرهة ، وقالوا : لا يجوز المقام عليه ؛ لأنه لم ينعقد . قال محمد بن سحنون : وأجاز أهل العراق نكاح المكره ، وقالوا : لو أكره على أن ينكح امرأة بعشرة آلاف درهم ، وصداق مثلها ألف درهم ، أن النكاح جائز وتلزمه الألف ويبطل الفضل . قال محمد : فكما أبطلوا الزائد على الألف فكذلك يلزمهم إبطال النكاح بالإكراه . وقولهم خلاف السنة الثابتة في حديث خنساء بنت خذام الأنصارية ، ولأمره صلى الله عليه وسلم بالاستئمار في أبضاعهن ، وقد تقدم ، فلا معنى لقولهم .

العاشرة : فإن وطئها ، المكره على النكاح غير مكره على الوطء ، والرضا بالنكاح لزمه النكاح عندنا على المسمى من الصداق ودرئ عنه الحد . وإن قال : وطئتها على غير رضا مني بالنكاح فعليه الحد والصداق المسمى ؛ لأنه مدع لإبطال الصداق المسمى ، وتحد المرأة إن أقدمت وهي عالمة أنه مكره على النكاح . وأما المكرهة على النكاح وعلى الوطء ، فلا حد عليها ولها الصداق ، ويحد الواطئ ، فأعلمه . قاله سحنون .

الحادية عشرة : إذا استكرهت المرأة على الزنى فلا حد عليها ؛ لقوله : " إلا من أكره " ، وقوله عليه السلام : ( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) . ولقول الله تعالى : " فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم{[10066]} " [ النور : 33 ] ، يريد الفتيات . وبهذا المعنى حكم عمر في الوليدة التي استكرهها العبد فلم يحدها . والعلماء متفقون على أنه لا حد على امرأة مستكرهة . وقال مالك : إذا وجدت المرأة حاملا وليس لها زوج ، فقالت : استكرهت ، فلا يقبل ذلك منها وعليها الحد ، إلا أن تكون لها بينة ، أو جاءت تدمي على أنها أوتيت{[10067]} ، أو ما أشبه ذلك . واحتج بحديث عمر بن الخطاب أنه قال : الرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء إذا أحصن إذا قامت البينة ، أو كان الحبل أو الاعتراف . قال ابن المنذر : وبالقول الأول أقول .

الثانية عشرة : واختلفوا في وجوب الصداق للمستكرهة ، فقال عطاء والزهري : لها صداق مثلها ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور . وقال الثوري : إذا أقيم الحد على الذي زنى بها بطل الصداق . وروي ذلك عن الشعبي ، وبه قال أصحاب مالك وأصحاب الرأي . قال ابن المنذر : القول الأول صحيح .

إذا أكره الإنسان على إسلام أهله لما لم يحل أسلمها ، ولم يقتل{[10068]} نفسه دونها ولا احتمل أذية في تخليصها . والأصل في ذلك ما خرجه البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هاجر إبراهيم عليه السلام بسارة ، ودخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة ، فأرسل إليه أن أرسل بها إلي ، فأرسل بها فقام إليها فقامت تتوضأ وتصلي فقالت : اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك فلا تسلط علي هذا الكافر ، فغط حتى ركض برجله ){[10069]} . ودل هذا الحديث أيضا على أن سارة لما لم يكن عليها ملامة ، فكذلك لا يكون على المستكرهة ملامة ، ولا حد فيما هو أكبر من الخلوة . والله أعلم .

الرابعة عشرة : وأما يمين المكره فغير لازمة عند مالك والشافعي وأبي ثور وأكثر العلماء . قال ابن الماجشون : وسواء حلف فيما هو طاعة لله أو فيما هو معصية إذ أكره على اليمين ، وقاله أصبغ . وقال مطرف : إن أكره على اليمين فيما هو لله معصية أو ليس في فعله طاعة ولا معصية فاليمين فيه ساقطة ، وإن أكره على اليمين فيما هو طاعة ، مثل أن يأخذ الوالي رجلا فاسقا فيكرهه أن يحلف بالطلاق لا يشرب خمرا ، أولا يفسق ولا يغش في عمله ، أو الولد يحلف ولده تأديبا له فإن اليمين تلزم ، وإن كان المكره قد أخطأ فيما يكلف من ذلك . وقال به ابن حبيب . وقال أبو حنيفة ومن اتبعه من الكوفيين : إنه إن حلف ألا يفعل ففعل حنث ، قالوا : لأن المكره له أن يوري في يمينه كلها ، فلما لم يور ولا ذهبت نيته إلى خلاف ما أكره عليه فقد قصد إلى اليمين . احتج الأولون بأن قالوا : إذا أكره عليها فنيته مخالفة لقوله ؛ لأنه كاره لما حلف عليه .

الخامسة عشرة : قال ابن العربي : ومن غريب الأمر أن علماءنا اختلفوا في الإكراه على الحنث هل يقع به أم لا ؟ وهذه مسألة عراقية سرت لنا منهم ، لا كانت هذه المسألة ولا كانوا ! وأي فرق يا معشر أصحابنا بين الإكراه على اليمين في أنها لا تلزم وبين الحنث في أنه لا يقع ! فاتقوا الله وراجعوا بصائركم ، ولا تغتروا بهذه الرواية فإنها وصمة في الدراية .

السادسة عشرة : إذا أكره الرجل على أن يحلف وإلا أخذ له مال كأصحاب المكس وظلمة السعاة وأهل الاعتداء ، فقال مالك : لا تقية له في ذلك ، وإنما يدرأ المرء بيمينه عن بدنه لا ماله . وقال ابن الماجشون : لا يحنث وإن درأ عن ماله ولم يخف على بدنه . وقال ابن القاسم بقول مطرف ، ورواه عن مالك ، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ .

قلت : قول ابن الماجشون صحيح ؛ لأن المدافعة عن المال كالمدافعة عن النفس ، وهو قول الحسن وقتادة وسيأتي . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ) ، وقال : ( كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) . وروى أبو هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أرأيت إن جاء رجلا يريد أخذ مالي ؟ قال : ( فلا تعطه مالك ) . قال : أرأيت إن قاتلني ؟ قال : ( قاتله ) ، قال : أرأيت إن قتلني ؟ قال : ( فأنت شهيد ) ، قال : أرأيت إن قتلته ؟ قال : ( هو في النار ) خرجه مسلم{[10070]} . وقد مضى الكلام فيه . وقال مطرف وابن الماجشون : وإن بدر الحالف بيمينه للوالي الظالم قبل أن يسألها ليذب بها عما خاف عليه من ماله وبدنه فحلف له فإنها تلزمه . وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ . وقال أيضا ابن الماجشون فيمن أخذه ظالم فحلف له بالطلاق البتة من غير أن يحلفه وتركه وهو كاذب ، وإنما حلف خوفا من ضربه وقتله وأخذ ماله : فإن كان إنما تبرع باليمين غلبة خوف ورجاء النجاة من ظلمه فقد دخل في الإكراه ولا شيء عليه ، وإن لم يحلف على رجاء النجاة فهو حانث .

السابعة عشرة : قال المحققون من العلماء : إذا تلفظ المكره بالكفر فلا يجوز له أن يجريه على لسانه إلا مجرى المعاريض ، فإن في المعاريض{[10071]} لمندوحة عن الكذب . ومتى لم يكن كذلك كان كافرا ؛ لأن المعاريض لا سلطان للإكراه عليها . مثاله - أن يقال له : اكفر بالله فيقول باللاهي ، فيزيد الياء . وكذلك إذا قيل له : أكفر بالنبي فيقول هو كافر بالنبي ، مشددا وهو المكان المرتفع من الأرض{[10072]} . ويطلق على ما يعمل من الخوص شبه المائدة فيقصد أحدهما بقلبه ويبرأ من الكفر ويبرأ من إثمه . فإن قيل له : أكفر بالنبيء ( مهموزا ) فيقول هو كافر بالنبيء يريد بالمخبر ، أي : مخبر كان كطليحة{[10073]} ومسلمة الكذاب . أو يريد به النبيء الذي قال فيه الشاعر :

فأصبحَ رَتْمًا دُقَاق الحصى *** مكانَ النبيء من الكاثب{[10074]}

الثامنة عشرة : أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة . واختلفوا فيمن أكره على غير القتل من فعل ما لا يحل له ، فقال أصحاب مالك : الأخذ بالشدة في ذلك واختيار القتل والضرب أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة ، ذكره ابن حبيب وسحنون . وذكر ابن سحنون عن أهل العراق أنه إذا تهدد بقتل أو قطع أو ضرب يخاف منه التلف ، فله أن يفعل ما أكره عليه من شرب خمر أو أكل خنزير ، فإن لم يفعل حتى قتل خفنا أن يكون آثما لأنه كالمضطر . وروى خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلت : ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا ؟ فقال : ( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ، فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه ، والله ليتمن هذا الأمر{[10075]} حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون ) . فوصفه صلى الله عليه وسلم هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم والصبر على المكروه في ذات الله ، وأنهم لم يكفروا في الظاهر وتبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم . وهذه حجة من آثر الضرب والقتل والهوان على الرخصة والمقام بدار الجنان . وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة [ الأخدود ]{[10076]} [ البروج ] إن شاء الله تعالى . وذكر أبو بكر محمد بن محمد بن الفرج البغدادي قال : حدثنا شريح بن يونس عن إسماعيل بن إبراهيم عن يونس بن عبيد عن الحسن أن عيونا لمسيلمة أخذوا رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فذهبوا بهما إلى مسيلمة ، فقال لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم . قال . : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : نعم . فخلى عنه . وقال للآخر : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم . قال : وتشهد أني رسول الله ؟ قال : أنا أصم لا أسمع ، فقدمه وضرب عنقه . فجاء هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هلكت ، قال : ( وما أهلكك ) ؟ فذكر الحديث ، قال : أما صاحبك فأخذ بالثقة ، {[10077]} وأما أنت فأخذت بالرخصة على ما أنت عليه الساعة ) قال : أشهد أنك رسول الله . قال ( أنت على ما أنت عليه ) . الرخصة فيمن حلفه سلطان ظالم على نفسه أو على أن يدله على رجل أو مال رجل ، فقال الحسن : إذا خاف عليه وعلى ماله فليحلف ولا يكفر يمينه ، وهو قول قتادة إذا حلف على نفسه أو مال نفسه . وقد تقدم ما للعلماء في هذا .

وذكر موسى بن معاوية أن أبا سعيد بن أشرس صاحب مالك استحلفه السلطان بتونس على رجل أراد السلطان قتله أنه ما آواه ، ولا يعلم له موضعا ، قال : فحلف له ابن أشرس ، وابن أشرس يومئذ قد علم موضعه وآواه ، فحلفه بالطلاق ثلاثا ، فحلف له ابن أشرس ، ثم قال لامرأته : اعتزلي فاعتزلته ، ثم ركب ابن أشرس حتى قدم على البهلول بن راشد القيروان ، فأخبره بالخبر ، فقال له البهلول : قال مالك إنك حانث . فقال ابن أشرس : وأنا سمعت مالكا يقول ذلك ، وإنما أردت الرخصة أو كلام هذا معناه ، فقال له البهلول ابن راشد : قال الحسن البصري : إنه لا حنث عليك . قال : فرجع ابن أشرس إلى زوجته وأخذ بقول الحسن . وذكر عبد الملك بن حبيب قال : حدثني معبد عن المسيب بن شريك عن أبي شيبة قال : سألت أنس بن مالك عن الرجل يؤخذ بالرجل ، هل ترى أن يحلف ليقيه بيمينه ؟ فقال نعم ، ولأن أحلف سبعين يمينا وأحنث ، أحب إلي أن أدل على مسلم . وقال إدريس بن يحيى : كان الوليد بن عبد الملك يأمر جواسيس يتجسسون الخلق يأتونه بالأخبار ، قال : فجلس رجل منهم في حلقة رجاء بن حيوة ، فسمع بعضهم يقع في الوليد ، فرفع ذلك إليه فقال : يا رجاء ! أذكر بالسوء في مجلسك ولم تغير ! فقال : ما كان ذلك يا أمير المؤمنين ، فقال له الوليد : قل آلله الذي لا إله إلا هو ، قال : آلله الذي لا إله إلا هو ، فأمر الوليد بالجاسوس فضربه سبعين سوطا ، فكان يلقى رجاء فيقول : يا رجاء ، بك يستقى{[10078]} المطر ، وسبعون سوطا في ظهري ! فيقول رجاء : سبعون سوطا في ظهرك خير لك من أن يقتل رجل مسلم .

التاسعة عشرة : واختلف العلماء في حد الإكراه ، فروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : ليس الرجل آمن على نفسه إذا أخفته أو أوثقته أو ضربته . وقال ابن مسعود : ما كلام يدرأ عني سوطين إلا كنت متكلما به . وقال الحسن : التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة ، إلا أن الله تبارك وتعالى ليس يجعل في القتل تقية . وقال النخعي : القيد إكراه ، والسجن إكراه . وهذا قول مالك ، إلا أنه قال : والوعيد المخوف إكراه وإن لم يقع إذا تحقق ظلم ذلك المعتدي وإنفاذه لما يتوعد به ، وليس عند مالك وأصحابه في الضرب والسجن توقيت ، إنما هو ما كان يؤلم من الضرب ، وما كان من سجن يدخل منه الضيق على المكره . وإكراه السلطان وغيره عند مالك إكراه . وتناقض الكوفيون فلم يجعلوا السجن والقيد إكراه ما يدل على أن الإكراه يكون من غير تلف نفس . وذهب مالك إلى أن من أكره على يمين بوعيد أو سجن أو ضرب أنه يحلف ، ولا حنث عليه ، وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور وأكثر العلماء .

الموفية عشرين : ومن هذا الباب ما ثبت إن من المعاريض لمندوحة عن الكذب . وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه قال : لا بأس إذا بلغ الرجل عنك شيء أن تقول : والله ، إن الله يعلم ما قلت فيك من ذلك من شيء . قال عبد الملك بن حبيب : معناه أن الله يعلم أن الذي قلت ، وهو في ظاهره انتفاء من القول ، ولا حنث على من قال ذلك في يمينه ولا كذب عليه في كلامه . وقال النخعي : كان لهم كلام من ألغاز الأيمان يدرؤون به عن أنفسهم ، لا يرون ذلك من الكذب ولا يخشون فيه الحنث{[10079]} . قال عبد الملك : وكانوا يسمون ذلك المعاريض من الكلام ، إذا كان ذلك في غير مكر ولا خديعة في حق . وقال الأعمش : كان إبراهيم النخعي إذا أتاه أحد يكره الخروج إليه جلس في مسجد بيته وقال لجاريته : قولي له هو والله في المسجد . وروى مغيرة عن إبراهيم أنه كان يجيز للرجل من البعث{[10080]} إذا عرضوا على أميرهم أن يقول : والله ما أهتدي إلا ما سدد لي غيري ، ولا أركب إلا ما حملني غيري ؛ ونحو هذا من الكلام . قال عبد الملك : يعني بقوله ( غيري ) : الله تعالى ، هو مسدده وهو يحمله ، فلم يكونوا يرون على الرجل في هذا حنثا في يمينه ، ولا كذبا في كلامه ، وكانوا يكرهون أن يقال هذا في خديعة وظلم وجحدان{[10081]} حق ، فمن اجترأ وفعل أثم في خديعته ولم تجب عليه كفارة في يمينه .

الحادية والعشرون : قوله تعالى : " ولكن من شرح بالكفر صدرا " ، أي : وسعه لقبول الكفر ، ولا يقدر أحد على ذلك إلا الله ، فهو يرد على القدرية . و( صدرا ) ، نصب على المفعول . " فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم " ، وهو عذاب جهنم .


[10059]:في الأصول: عبد الله بن أنس بن خطل" وهو تحريف.
[10060]:الرفث: الفحش من القول.
[10061]:الأخشبان: الجبلان المطيفان بمكة، وهما أبو قبيس والأحمر.
[10062]:راجع ج 4 ص 57.
[10063]:راجع ج 5 ص 345.
[10064]:راجع ج 5 ص 345.
[10065]:راجع ج 2 ص 79.
[10066]:راجع ج 12 ص 255.
[10067]:عبارة الموطأ: "أو جاءت تدمي إن كانت بكرا أو استغاثت حتى أوتيت وعلى ذلك..." الخ.
[10068]:ينظر هذا مع ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه وفيه: "من قتل دون أهله شهيد". كشف الخفا ج 2 ص 269.
[10069]:ذكر المؤلف هذا الحديث مختصرا فراجعه في شرح القسطلاني، كتاب البيوع ج 4 ص 122 طبعة بولاق. الغط هنا هو العصر الشديد والكبس، والركض: الضرب بالرجل.
[10070]:ويؤيد هذا ما رواه أحمد والترمذي عن ابن عمر "من قتل دون ماله فهو شهيد" كشف الخفا ج 2 ص 296.
[10071]:المعاريض: التورية بالشيء عن الشيء.. وأعراض الكلام ومعارضه ومعاريضه: كلام يشبه بعضه بعضا في المعاني.
[10072]:ومنه الحديث: "لا تصلوا على النبي" أي على الأرض المرتفعة المحدودبة.
[10073]:هو طليحة ابن خويلد بن نوفل الأسدي، ارتد بعد النبي صلى الله عليه وسلم وادعى النبوة ثم أسلم.
[10074]:الرتم (بالتاء والثاء): الدق والكسر. ويريد بالنبي المكان المرتفع. والكاثب: الرمل المجتمع.
[10075]:يريد الإسلام.
[10076]:راجع ج 19 ص 284.
[10077]:عبارة الدر المنثور: "أما صاحبك فمضى على إيمانه".
[10078]:في ج و ي: يستسقى.
[10079]:وذلك كما في كتاب الملاحن لابن دريد.
[10080]:البعث: الجيش.
[10081]:هذا المصدر لم تورده كتب اللغة في هذه المادة.