الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا} (72)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ومن كان في هذه} النعم

{أعمى}، يعني: الكافر، عمي عنها وهو معاينها، فلم يعرف أنها من الله عز وجل، فيشكر ربها، فيعرفه فيوحده تبارك وتعالى، {فهو في الآخرة أعمى}، يقول: فهو عما غاب عنه من أمر الآخرة من البعث والحساب والجنة والنار أعمى، {وأضل سبيلا}، يعني: وأخطأ طريقا...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أشير إليه بقوله «هذه»؛

فقال بعضهم: أشير بذلك إلى النعم التي عدّدها تعالى ذكره بقوله:"وَلَقَدْ كَرّمنا بَنِي آدَمَ وَحَملناهُمْ فِي البَرّ والبَحرِ وَرَزَقناهُمْ مِنَ الطّيّباتِ وَفَضّلناهُمْ على كَثِيرٍ مِمّنْ خَلَقْنا تَفَضِيلاً" فقال: "وَمَنْ كانَ فِي هَذِهِ أعمَى فَهُوَ فِي الاَخِرَةِ أعْمَى وأضَلّ سَبِيلاً"... عن محمد بن أبي موسى، قال...: من عمي عن شكر هذه النعم في الدنيا، فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلاً.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن قدرة الله فيها وحججه، فهو في الآخرة أعمى... عن قتادة... يقول: من كان في هذه الدنيا أعمى عما عاين فيها من نعم الله وخلقه وعجائبه فَهُوَ فِي الآخَرَةِ أعْمَى وأضَلّ سَبِيلاً فيما يغيب عنه من أمر الآخرة وأعمى...

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن حجج الله على أنه المنفرد بخلقها وتدبيرها، وتصريف ما فيها، فهو في أمر الآخرة التي لم يرها ولم يعاينها، وفيما هو كائن فيها أعمى وأضلّ سبيلاً: يقول: وأضلّ طريقا منه في أمر الدنيا التي قد عاينها ورآها.

وإنما قلنا: ذلك أولى تأويلاته بالصواب، لأن الله تعالى ذكره لم يخصص في قوله "وَمَنْ كانَ فِي هَذِهِ "الدنيا "أعْمَى" عمى الكافر به عن بعض حججه عليه فيها دون بعض، فيوجه ذلك إلى عماه عن نعمه بما أنعم به عليه من تكريمه بني آدم، وحمله إياهم في البرّ والبحر، وما عدّد في الآية التي ذكر فيها نعمه عليهم، بل عمّ بالخبر عن عماه في الدنيا، فهم كما عمّ تعالى ذكره...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قال بعضهم {ومن كان في هذه} الدنيا {أعمى} عن توحيد الله والإيمان به مع كثرة. آياته ودلالته على وحدانيته فهو عن الإيمان بالآخرة والبعث بعد الموت أعمى.

وقال بعضهم: {ومن كان في هذه أعمى} الدنيا {أعمى} عن الحق {فهو في الآخرة أعمى} عن حججه، لأنه إذا عمي عن الحق فهو عن حججه أعمى، فتكون {في} بمعنى عن؛ إذ الآيات والدلالات على وحدانية الله أكثر وأظهر من الدلالة على البعث والآخرة؛ إذ ليس شيء إلا وفيه أثر وحدانيته ودلالة ألوهيته، ولا كذلك الآخرة، فهو عن الإيمان بها أشد عمى.

وقال بعضهم: من عمي في هذه الدنيا عن الإيمان بالله فهو في الآخرة أعمى عن الإيمان به، لأن الدنيا مما يقبل فيها الإيمان، وفي الآخرة لا يقبل... وهو قول الحسن... وقال أبو بكر قريبا من هذا، وهو أن من عمي عن الرشد والحق في هذه الدنيا لجهله به فهو في الآخرة عند علمه بالرشد والحق أشد عمى...

وقال بعضهم: من عمي قلبه في الدنيا عن الإيمان بالله والتوحيد له فهو في الآخرة أعمى الوجه والحواس كقوله: {لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} (طه: 125)... لما تركوا الانتفاع بها في الدنيا لما جعلت لهم الحواس... ويشبه أن يكون قوله: {ومن كان في هذه أعمى} بالافتراء على الله {فهو في الآخرة أعمى} أي مفتر على الله أيضا...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

... والعمى في هذه الآية هو عمى القلب في الأول والثاني،...

والظاهر عندي أن الإشارة ب {هذه} إلى الدنيا، أي من كان في دنياه هذه ووقت إدراكه وفهمه أعمى عن النظر في آيات الله، فهو في يوم القيامة أشد حيرة وأعمى، لأنه قد باشر الخيبة، ورأى مخايل العذاب، وبهذا التأويل، تكون معادلة للتي قبلها، من ذكر من يؤتى كتابه بيمينه...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{ومن كان} منهم {في هذه} الدار {أعمى} أي ضالاً يفعل في الأعمال فعل الأعمى في أخذ الأعيان، لا يهتدي إلى أخذ ما ينفعه وترك ما يضره، ولا يميز بين حسن وقبح {فهو في الآخرة} لأن كل أحد يقوم على ما مات عليه {أعمى} أي أشد عمى مما كان عليه في هذه الدار، لا ينجح له قصد، ولا يهتدي لصواب، ولا يقدر على قراءة كتاب، لما فيه من موجبات العذاب...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ومن عمي في الدنيا عن دلائل الهدى فهو في الآخرة أعمى عن طريق الخير. وأشد ضلالا. وجزاؤه معروف. ولكن السياق يرسمه في المشهد المزدحم الهائل، أعمى ضالا يتخبط، لا يجد من يهديه ولا ما يهتدي به، ويدعه كذلك لا يقرر في شأنه أمرا، لأن مشهد العمى والضلال في ذلك الموقف العصيب هو وحده جزاء مرهوب؛ يؤثر في القلوب!...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والمراد بالعمى في الآخرة ما ينشأ عن العمى من الحيرة واضطراب البال، فالأعْمَى أيضاً مستعار لمشابه الأعمى بإحدى العلاقتين.

ووصف {أعمى} في المرتين مراد به مجرد الوصف لا التفضيل. ولما كان وجه الشبه في أحوال الكافر في الآخرة أقوى منه في حاله في الدنيا أشير إلى شدة تلك الحالة بقوله: {وأضل سبيلاً} القائم مقام صيغة التفضيل في العمَى لكون وصف (أعمى) غير قابل لأن يصاغ بصيغة التفضيل لأنه جاء بصيغة التفضيل في حال الوصف.ووجه كون ضلاله في الآخرة أشد أن ضلاله في الدنيا كان في مكنته أن ينجو منه بطلب ما يرشده إلى السبيل الموصل من هدي الرسول والقرآن مع كونه خلياً عن لحاق الألم به، وأما ضلاله في الآخرة فهو ضلال لا خلاصَ منه وهو مقارن للعذاب الدائم، فلا جرم كان ضلاله في الآخرة أدخل في حقيقة الضلال وماهيته.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا} (72)

قوله تعالى : " ومن كان في هذه أعمى " أي في الدنيا عن الاعتبار وإبصار الحق . " فهو في الآخرة " أي في أمر الآخرة " أعمى " وقال عكرمة : جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسألوه عن هذه الآية فقال : اقرؤوا ما قبلها " ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر{[10328]} - إلى - تفضيلا " . قال ابن عباس : من كان في هذه النعم والآيات التي رأى أعمى فهو عن الآخرة التي لم يعاين أعمى وأضل سبيلا . وقيل : المعنى من عمى عن النعم التي أنعم الله بها عليه في الدنيا فهو عن نعم الآخرة أعمى . وقيل : المعنى من كان في الدنيا التي أمهل فيها وفسح له ووعد بقبول التوبة أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا . وقيل : ومن كان في الدنيا أعمى عن حجج الله بعثه الله يوم القيامة أعمى ، كما قال : " ونحشره يوم القيامة أعمى{[10329]} " الآيات . وقال : " ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم " . وقيل : المعنى في قوله " فهو في الآخرة أعمى " في جميع الأقوال : أشد عمى ؛ لأنه من عمى القلب ، ولا يقال مثله في عمى العين . قال الخليل وسيبويه : لأنه خلقة بمنزلة اليد والرجل ، فلم يقل ما أعماه كما لا يقال ما أيداه . الأخفش : لم يقل فيه ذلك لأنه على أكثر من ثلاثة أحرف ، وأصله أعمى{[10330]} . وقد أجاز بعض النحويين ما أعماه وما أعشاه ؛ لأن فعله عمى وعشى . وقال الفراء : حدثني بالشام شيخ بصري أنه سمع العرب تقول : ما أسود شعره . قال الشاعر :

ما في المعالي لكم ظلٌّ ولا ثمر*** وفي المخازِي لكم أشباح أشياخ

أما الملوك فأنت اليوم ألأمهم *** لؤما وأبيضهم سربال طباخ

وأمال أبو بكر وحمزة والكسائي وخلف الحرفين " أعمى " و " أعمى " وفتح الباقون . وأمال أبو عمرو الأول وفتح الثاني . " وأضل سبيلا " يعني أنه لا يجد طريقا إلى الهداية .


[10328]:راجع ص 290 فما بعد من هذا الجزء.
[10329]:راجع ج 11 ص 257 فما بعد.
[10330]:كذا في الأصل: ولعل الحق: عمى؛ لأن فعله عمى كما قال نفطويه: يقال عمى عن رشده. ومنه يصاغ أفعل التفضيل.