الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا} (18)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وتحسبهم أيقاظا}، حين يقلبون، وأعينهم مفتحة...

{ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال}، على جنوبهم، وهم رقود لا يشعرون،

{وكلبهم}... {باسط ذراعيه بالوصيد}، يعني: الفضاء الذي على باب الكهف... يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: {لو اطلعت عليهم}، حين نقلبهم،

{لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وتحسب يا محمد هؤلاء الفتية الذين قصصنا عليك قصتهم، لو رأيتهم في حال ضربنا على آذانهم في كهفهم الذي أووا إليه أيقاظا. والأيقاظ: جمع يَقِظ...

وقوله:"وَهُمْ رُقُودٌ" يقول: وهم نيام. والرقود: جمع راقد...

وقوله: "وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينَ وَذَاتَ الشّمالِ "يقول جلّ ثناؤه: ونقلّب هؤلاء الفتية في رقدتهم مرّة للجنب الأيمن، ومرّة للجنب الأيسر... عن ابن عباس "وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشّمالِ" قال: لو أنهم لا يقلّبون لأكلتهم الأرض.

وقوله: "وكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوَصِيدِ"...

وأما الوصيد، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛

فقال بعضهم: هو الفِناء...

وقال آخرون: الوَصِيد: الصعيد... وقال آخرون: الوصيد الباب...

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: الوصيد: الباب، أو فناء الباب حيث يغلق الباب، وذلك أن الباب يُوصَد، وإيصاده: إطباقه وإغلاقه من قول الله عزّ وجلّ: "إنّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ"... فكان معنى الكلام: وكلبهم باسط ذَراعيه بفناء كهفهم عند الباب، يحفظ عليهم بابه.

وقوله: "لَوِ اطّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارا" يقول: لو اطلعت عليهم في رقدتهم التي رقدوها في كهفهم، لأدبرت عنهم هاربا منهم فارّا، "وَلُمِلئْتَ مِنْهُمْ رُعْبا" يقول: ولملئت نفسُك من اطلاعك عليهم فَزَعا، لما كان الله ألبسهم من الهيبة، كي لا يصل إليهم واصل، ولا تلمِسهم يد لامس حتى يبلغ الكتاب فيهم أجله، وتوقظهم من رقدتهم قدرته وسلطانه في الوقت الذي أراد أن يجعلهم عبرة لمن شاء من خلقه، وآية لمن أراد الاحتجاج بهم عليه من عباده، ليعلموا أن وعد الله حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

وقال بعض أهل التأويل: إنما كان يقلبهم ذات اليمين والشمال ليدفع عنهم أذى الأرض وضررها لئلا يفسدوا، ويتلاشوا، وإن كان الله قادرا أن يدفع عنهم الأذى وضرر الأرض لا بتقليب من جانب إلى جانب، وإن كان مما يفعل من لا يملك دفع الأذى بما ذكرنا، فأما من كان قادرا بذاته مستغنيا عن الأسباب التي بها يدفع الضرر فغير محتمل. وقوله على التعليم منه إياهم: أن كيف يُتّقَى الأذى، وكيف يُدفع الضرر. فإذا لم يكن بمشهد من الخلق فلا معنى له.

وقال بعضهم: قوله: {وتحسبهم أيقاظا وهم رقود} لأنهم كانوا في مكان الريبة واللصوص مما لا يأوي إليه إلا هارب من ريبة وشر أو قاصد ريبة وطالب عثرة ومكابرة. لم يكونوا في مكان يسلم فيه ويرقد، ولا يختار للنوم مثله. فقال: {وتحسبهم أيقاظا وهم رقود} لما كانوا في مكان لا ينام فيه للخوف، كأنهم أيقاظ، وهم رقود، والله أعلم. ولكن لا ندري لأي معنى ذكر أنه يحسب الناظر إليهم كأنهم أيقاظ، وهم رقود. وإذ لم يبين الله ذلك فلا يفسر.

{ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} هو ما ذكرنا (أن النوم) قد يتقلبون في نومهم من جانب إلى جانب، وذكر التقليب، وجائز أن يكون لما ذكر بعضهم من دفع أذى الأرض وضررها، أو ذكر فعله لما له في تقلبهم صنع وفعل، والله أعلم...

{وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} قال بعضهم: الوصيد هو فناء الباب. وقال بعضهم: الوصيد هو عتَبَةُ الباب. قال القتبي: الوصيد الفِنَاءُ، ويقال عتبة الباب، وهذا أعجب لأنهم يقولون: أوصد بابك أي أغلقه (ومنه قوله): {إنها عليهم مؤصدة} (الهمزة: 8) أي مُطَبَقَة. وأصله أن تلصق الباب بالعتبة إذا أغلقته. فإذا كان الوصيد هو عتبة الباب ففيه أن الكلب كان داخل باب الغار، وإن كان الفناء ففيه أنه كان خارج باب الغار وفيه أيضا (أنه) أبقى الكلب ثلاث مائة سنة على ما أبقاهم، وإن لم يكن من جوهرهم، بلطفه.

{لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا} قال بعض أهل التأويل: وذلك لأن شعورهم قد طالت، وأظفارهم قد امتدت، وعظمت. فكانوا بحال يُرغَب عنهم ويهاب. لكن هذا لا يحتمل لأنهم {قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم} (الكهف: 19) فلو كانوا على الحال التي ذكروا من تطاول الشعور وامتداد الأظفار وتغير أحوالهم لم يكونوا ليقولوا: {لبثنا يوما أو بعض يوم} إذ لو نظروا في أنفسهم من تغير الأحوال لعرفوا أنهم لم يلبثوا ما ذكروا من الوقت. دل ذلك أن ذلك للخوف والهيبة لا لذلك. وقال بعضهم: لأنهم كانوا في مكان الريبة، في ما لا يؤوى إلى مثله إلا لخوف أو ريبة أو طلب أو ريبة، لا يأويه إلا هذان هارب من شر أو طالب شر إلى آخر ما ذكرنا؛ إذ من أقام في مهاب مخوف يهاب منه ويخاف. أو أن يكونوا بحيث يهابون، ويخاف منهم، لئلا يدنو منهم أحد، ولا يقرب، فلا يوقظهم أحد، ليبقوا إلى المدة التي أراد الله أن يبقوا فيها. وكذلك يحتمل هذا المعنى في تقلب اليمين والشمال...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما نبه سبحانه هذا التنبيه تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتثبيتاً أن يبخع نفسه، عطف على ما مضى بقية أمرهم فقال: {وتحسبهم أيقاظاً} لانفتاح أعينهم للهواء ليكون أبقى لها، ولكثرة حركاتهم {وهم رقود ونقلبهم} بعظمتنا في حال نومهم تقليباً كثيراً بحسب ما ينفعهم كما يكون النائم {ذات} أي في الجهة التي هي صاحبة {اليمين} منهم {وذات الشمال} لينال روح النسيم جميع أبدانهم ولا يتأثر ما يلي الأرض منها بطول المكث {وكلبهم باسط} وأعمل اسم الفاعل هذا، لأنه ليس بمعنى الماضي بل هو حكاية حال ماضية فقال: {ذراعيه بالوصيد} أي بباب الكهف وفنائه كما هي عادة الكلاب، وذكر هذا الكلب على طول الآباد بجميل هذا الرقاد من بركة صحبة الأمجاد.

ولما كان هذا مشوقاً إلى رؤيتهم، وصل به ما يكف عنه بقوله تعالى: {لو اطلعت عليهم} وهم على تلك الحال {لوليت منهم فراراً} أي حال وقوع بصرك عليهم {ولملئت} في أقل وقت بأيسر أمر {منهم رعباً} لما ألبسهم الله من الهيبة، وجعل لهم من الجلالة، وتدبيراً منه لما أراد منهم.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

{وتحسبهم أيقاظا وهو رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال}

عطف على بقية القصة، وما بينهما اعتراض. والخطاب فيه كالخطاب في قوله: {وترى الشمس} [الكهف: 17]. وهذا انتقال إلى ما في حالهم من العبرة لمن لو رآهم من الناس مُدمَج فيه بيان كرامتهم وعظيم قدرة الله في شأنهم، وهو تعجيب من حالهم لمن لو رآه من الناس.

ومعنى حسبانهم أيقاضاً: أنهم في حالة تشبه حال اليقظة وتخالف حال النوم، فقيل: كانت أعينهم مفتوحة.

وصيغ فعل {تحسبهم} مضارعاً للدلالة على أن ذلك يتكرر مدة طويلة...

والتقليب: تغيير وضع الشيء من ظاهره إلى باطنه، قال تعالى: {فأصبح يقلب كفيه} [الكهف: 42].

و {ذات اليمين وذات الشمال} أي إلى جهة أيمانهم وشمائلهم. والمعنى: أنّ الله أجرى عليهم حال الأحياء الأيقاظ فجعلهم تتغير أوضاعهم من أيمانهم إلى شمائلهم والعكس، وذلك لحكمة لعل لها أثراً في بقاء أجسامهم بحالة سلامة.

والإتيان بالمضارع للدلالة على التجدد بحسب الزمن المحكي. ولا يلزم أن يكونوا كذلك حين نزول الآية.

{وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد}

هذا يدل على أن تقليبهم لليمين وللشمال كرامة لهم بمنحهم حالة الأحياء وعناية بهم، ولذلك لم يذكر التقليب لكلبهم بل استمر في مكانه باسطاً ذراعيه شأن جلسة الكلب.

والوصيد: مدخل الكهف، شبه بالباب الذي هو الوصيد لأنه يوصد ويغلق.

وعدم تقليب الكلب عن يمينه وشماله يدل على أن تقليبهم ليس من أسباب سلامتهم من البلى وإلا لكان كلبهم مثلهم فيه بل هو كرامة لهم. وقد يقال: إنهم لم يفنوا وأما كلبهم ففني وصار رِمة مبسوطةٌ عظامُ ذراعيه.

{لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا}

الخطاب لغير معين، أي لو اطلعت عليهم أيها السامع حين كانوا في تلك الحالة قبل أن يبعثهم الله، إذ ليس في الكلام أنهم لم يزالوا كذلك زمن نزول الآية.

والمعنى: لو اطلعت عليهم ولم تكن علمت بقصتهم لحسبتهم لصوصاً قطاعاً للطريق، إذ هم عدد في كهف وكانت الكهوف مخابئ لقطاع الطريق...

وليس المراد الرعب من ذواتهم إذ ليس في ذواتهم ما يخالف خلق الناس، ولا الخوف من كونهم أمواتاً إذ لم يكن الرعب من الأموات من خلال العرب، على أنه قد سبق {وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود}.

والاطلاع: الإشراف على الشيء ورؤيته من مكان مرتفع، لأنه افتعال من طَلع إذا ارتقى جَبلا، فصيغ الافتعال للمبالغة في الارتقاء، وضمن معنى الإشراف فعدي ب (على)، ثم استعمل مجازاً مشهوراً في رؤية الشيء الذي لا يراه أحد، وسيأتي ذكر هذا الفعل عند قوله تعالى: {أطلع الغيب} في سورة مريم (78)، فضلاً عن أن يكون الخطاب للنبيء...

و {مُلّئتَ} مبني للمجهول، أي مَلاك الرعب ومَلّا بتشديد اللام مضاعف مَلاَ وقرئ بهما.

والمَلْء: كون المظروف حالاً في جميع فراغ الظرف بحيث لا تبقى في الظرف سعة لزيادة شيء من المظروف، فمثلت الصفة النفسية بالمظروف، ومُثل عقل الإنسان بالظرف، ومثل تمكن الصفة من النفس بحيث لا يُخالطها تفكير في غيرها بملء الظرف بالمظروف، فكان في قوله: {ملّئت} استعارة تمثيلية، وعكسه قوله تعالى: {وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً} [القصص: 10].

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا} (18)

قوله تعالى : " وتحسبهم أيقاظا " وقال أهل التفسير : كانت أعينهم مفتوحة وهم نائمون ، فكذلك كان الرائي يحسبهم أيقاظا . وقيل : تحسبهم أيقاظا لكثرة تقلبهم كالمستيقظ في مضجعه . و " أيقاظا " جمع يقظ ويقظان ، وهو المنتبه . " وهم رقود " كقولهم : وهم قوم ركوع وسجود وقعود فوصف الجمع بالمصدر . " ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال " قال ابن عباس : لئلا تأكل الأرض لحومهم . قال أبو هريرة : كان لهم في كل عام تقليبتان . وقيل : في كل سنة مرة . وقال مجاهد : في كل سبع سنين مرة . وقالت فرقة : إنما قلبوا في التسع الأواخر ، وأما في الثلاثمائة فلا . وظاهر كلام المفسرين أن التقليب كان من فعل الله ، ويجوز أن يكون من ملك بأمر الله ، فيضاف إلى الله تعالى .

قوله تعالى :{ وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } فيه أربع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " وكلبهم " قال عمرو بن دينار : إن مما أخذ على العقرب ألا تضر{[10459]} أحدا [ قال ]{[10460]} في ليله أو في نهاره : صلى{[10461]} الله على نوح . وإن مما أخذ على الكلب ألا يضر من حمل عليه [ إذا قال ]{[10462]} : وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد .

أكثر المفسرين على أنه كلب حقيقة ، وكان لصيد أحدهم أو لزرعه أو غنمه ، على ما قال مقاتل . واختلف في لونه اختلافا كثيرا ، ذكره الثعلبي . تحصيله : أي لون ذكرت أصبت ، حتى قيل لون الحجر وقيل لون السماء . واختلف أيضا في اسمه ، فعن علي : ريان . ابن عباس : قطمير . الأوزاعي : مشير{[10463]} . عبد الله بن سلام : بسيط . كعب : صهيا . وهب : نقيا . وقيل قطمير ، ذكره الثعلبي . وكان اقتناء الكلب جائزا في وقتهم ، كما هو عندنا اليوم جائز في شرعنا . وقال ابن عباس : هربوا ليلا ، وكانوا سبعة فمروا براع معه كلب فاتبعهم على دينهم . وقال كعب : مروا بكلب فنبح لهم فطردوه فعاد فطردوه مرارا ، فقام الكلب على رجليه ورفع يديه إلى السماء كهيئة الداعي ، فنطق فقال : لا تخافوا مني أنا أحب أحباء الله تعالى فناموا حتى أحرسكم .

الثانية : ورد في الصحيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان ) . وروى الصحيح أيضا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انقص من أجره كل يوم قيراط ) . قال الزهري : وذكر لابن عمر قول أبي هريرة فقال : يرحم الله أبا هريرة كان صاحب زرع . فقد دلت السنة الثابتة على اقتناء الكلب للصيد والزرع والماشية . وجعل النقص في أجر من اقتناها على غير ذلك من المنفعة ، إما لترويع الكلب المسلمين وتشويشه عليهم بنباحه ، أو لمنع دخول الملائكة البيت ، أو لنجاسته ، على ما يراه الشافعي ، أو لاقتحام النهي عن اتخاذ ما لا منفعة فيه ، والله أعلم . وقال في إحدى الروايتين ( قيراطان ) وفي الأخرى ( قيراط ) . وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب أحدهما أشد أذى من الآخر ، كالأسود الذي أمر عليه السلام بقتله ، ولم يدخله في الاستثناء حين نهى عن قتلها كما هو منصوص في حديث جابر ؛ أخرجه الصحيح . وقال : ( عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان ) . ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف المواضع ، فيكون ممسكه بالمدينة مثلا أو بمكة ينقص قيراطان وبغيرها قيراط . وأما المباح اتخاذه فلا ينقص ، كالفرس والهرة . والله أعلم .

الثالثة : وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يسرح معها ، لا الذي يحفظها في الدار من السراق . وكلب الزرع هو الذي يحفظها من الوحوش بالليل أو بالنهار لا من السراق . وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسراق الماشية والزرع . وقد تقدم في " المائدة " {[10464]} من أحكام الكلاب ما فيه كفاية ، والحمد لله .

الرابعة : قال ابن عطية : وحدثني أبي رضي الله عنه قال سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة : إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم ، كلب أحب أهل فضل وصحبهم في ذكره الله في محكم تنزيله .

قلت : إذ كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته ومخالطته الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله تعالى بذلك في كتابه جل وعلا فما ظنك بالمؤمنين الموحدين المخالطين المحبين للأولياء والصالحين بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكمال ، المحبين للنبي صلى الله عليه وسلم وآله خير آل . روى الصحيح عن أنس بن مالك قال : بينا أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم خارجان من المسجد فلقينا رجل عند سدة المسجد فقال : يا رسول الله ، متى الساعة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أعددت لها ) قال : ولا صدقة ، ولكني أحب الله ورسوله . قال : ( فأنت مع من أحببت ) . في رواية قال أنس بن مالك : فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فأنت مع من أحببت ) . قال أنس : فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر ، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم .

قلت : وهذا الذي تمسك به أنس يشمل من المسلمين كل ذي نفس ، فكذلك تعلقت أطماعنا بذلك وإن كنا مقصرين ، ورجونا رحمة الرحمن وإن كنا غير مستأهلين ، كلب أحب قوما فذكره الله معهم فكيف بنا وعندنا عقد الإيمان وكلمة الإسلام ، وحب النبي صلى الله عليه وسلم ، " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " {[10465]} [ الإسراء : 7 ] .

وقالت فرقة : لم يكن كلبا حقيقة ، وإنما كان أحدهم ، وكان قد قعد عند باب الغار طليعة لهم{[10466]}كما سمي النجم التابع للجوزاء كلبا ؛ لأنه منها كالكلب من الإنسان ، ويقال له : كلب الجبَار{[10467]} . قال ابن عطية : فسمي باسم الحيوان اللازم لذلك الموضع ، أما إن هذا القول يضعفه ذكر بسط الذراعين فإنها في العرف من صفة الكلب حقيقة ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب ) . وقد حكى أبو عمر المطرز في كتاب اليواقيت أنه قرئ " وكالبهم باسط ذراعيه بالوصيد " . فيحتمل أن يريد بالكالب هذا الرجل على ما روي ؛ إذ بسط الذراعين واللصوق بالأرض مع رفع الوجه للتطلع هي هيئة الريبة المستخفي بنفسه . ويحتمل أن يريد بالكالب الكلب . وقرأ جعفر بن محمد الصادق " كالبهم " يعني صاحب الكلب .

قوله تعالى : " باسط ذراعيه " أعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضي ، لأنها حكاية حال ولم يفصد الإخبار عن فعل الكلب . والذراع من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى . ثم قيل : بسط ذراعيه لطول المدة . وقيل : نام الكلب ، وكان ذلك من الآيات . وقيل : نام مفتوح العين . " بالوصيد " الوصيد : الفناء ، قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير ، أي فناء الكهف ، والجمع وصائد ووصد . وقيل الباب . وقال ابن عباس أيضا . وأنشد :

بأرض فضاء لا يُسَدُّ وصيدُها *** عليّ ومعروفي بها غير منكر

وقد تقدم . وقال عطاء : عتبة الباب ، والباب الموصد هو المغلق . وقد أوصدت الباب وآصدته أي أغلقته . والوصيد : النبات المتقارب الأصول ، فهو مشترك ، والله أعلم .

قوله تعالى : " لو اطلعت عليهم " قرأ الجمهور بكسر الواو . والأعمش ويحيى بن وثاب بضمها . " لوليت منهم فرارا " أي لو أشرفت عليهم لهربت منهم . " ولملئت منهم رعبا " أي لما حفهم الله تعالى من الرعب واكتنفهم من الهيبة . وقيل : لوحشة مكانهم ، وكأنهم آواهم الله إلى هذا المكان الوحش{[10468]} في الظاهر لينقر الناس عنهم . وقيل : كان الناس محجوبين عنهم بالرعب ، لا يجسر أحد منهم على الدنو إليهم . وقيل : الفرار منهم لطول شعورهم وأظفارهم ، وذكره المهدوي والنحاس والزجاج والقشيري . وهذا بعيد ؛ لأنهم لما استيقظوا قال بعضهم لبعض : لبثنا يوما أو بعض يوم . ودل هذا على أن شعورهم وأظفارهم كانت بحالها ، إلا أن يقال : إنما قالوا ذلك قبل أن ينظروا إلى أظفارهم وشعورهم . قال ابن عطية{[10469]} : والصحيح في أمرهم أن الله عز وجل حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها لتكون لهم ولغيرهم فيهم آية ، فلم يبل لهم ثوب ولم تغير صفة ، ولم ينكر الناهض إلى المدينة إلا معالم الأرض والبناء ، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه أهم . وقرأ نافع وابن كثير وابن عباس وأهل مكة والمدينة " لملئت منهم " بتشديد اللام على تضعيف المبالغة ؛ أي ملئت ثم ملئت . وقرأ الباقون " لملئت " بالتخفيف ، والتخفيف أشهر في اللغة . وقد جاء التثقيل في قول المخبَّل السعدي :

وإذ فَتَكَ النُّعمان بالناس مُحْرِما *** فملِّئْ من كعب بن عوف سلاسله

وقرأ الجمهور " رعبا " بإسكان العين . وقرأ بضمها أبو جعفر . قال أبو حاتم : هما لغتان . و " فرارا " نصب على الحال و " رعبا " مفعول ثان أو تمييز .


[10459]:في جـ: ألا تضرب.
[10460]:زيادة من كتاب حياة الحيوان.
[10461]:في حياة الحيوان: "سلام على نوح".
[10462]:زيادة من كتاب حياة الحيوان.
[10463]:في جـ: تبر.
[10464]:راجع جـ 6 ص 65.
[10465]:راجع ص 293. من هذا الجزء.
[10466]:في بعض نسخ الأصل بعد قوله "طليعة لهم": "قال ابن عطية: فسمي باسم الحيوان الملازم لذلك الموضوع" ونراها غير لازمة. والذي في حياة الحيوان للدميري في اسم الكلب: "وقالت فرقة: كان أحدهم وكان قد قعد عند باب الغار طليعة لهم، فسمي باسم الحيوان الملازم لذلك الموضوع من الناس كما سمي النجم التابع للجوزاء كلبا لأنه منها كالكلب من الإنسان، وهذا القول يضعفه...." الخ.
[10467]:الجبار: اسم الجوزاء.
[10468]:مكان وحش: خال.
[10469]:في جـ: قاله ابن عطية.