الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى} (12)

قوله تعالى ذكره : { فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك }[ 10 ] إلى قوله : { بما تسعى }[ 14 ] .

أي : فلما{[44904]} أتى النار موسى ، ناداه ربه : يا موسى ، إني أنا ربك فاخلع نعليك .

قال وهب : خرج موسى نحو النار ، فإذا في شجرة من العليق{[44905]} . ( وبعض أهل الكتاب يقول في عوسجة ) فلما دنا ، استأخرت عنه ، فلما رأى تأخر عنه ، رجع وأوجس في نفسه خيفة ، فلما أراد أن يرجع دنت منه ثم كلم من الشجرة ، فلما سمع الصوت ، استأنس فقال له الله { فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى } فخلعهما وألقاهما{[44906]} .

قال كعب : ( كانتا{[44907]} من جلد حمار ميت ، فأمر بخلهما ، وأراد الله أن يمسه القدس ، وكذلك قال عكرمة{[44908]} وقتادة{[44909]} .

وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : كانت على موسى يوم كلمه الله جبة صوف ، وكساء صوف ، وسراويل صوف ، ونعلاه من جلد حمار غير ذكي{[44910]} .

وقال الحسن : كانت من جلد بقر ، ولكن الله تعالى أراد أن يباشر بقدميه{[44911]} بركة الأرض . وكان قد قدس الوادي مرتين{[44912]} . وكذلك قال ابن جريج{[44913]} . وهذا القول اختيار الطبري{[44914]} ، لأن الحديث لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهما من جلد حمار غير ذكي .

وقوله : { إنك بالواد المقدس }[ 11 ] .

أي : المطهر .

وقال ابن عباس : ( المقدس ) : المبارك{[44915]} .

وقال مجاهد : { المقدس طوى } : بورك فيه مرتين{[44916]} .

ويروى{[44917]} أن موسى صلى الله عليه وسلم لما خرج من مدين{[44918]} ومعه امرأته بنت شعيب يريد مصر أخطأ الطريق ، وكان صلى الله عليه وسلم رجلا غيورا ، فكان يصحب الناس بالليل ، ولا يصحبهم بالنهار{[44919]} ، فأخطأ الطريق عند انفراده لما سبق في علم الله من أمره . فرأى نارا . فقال لأهله امكثوا ، إني أبصرت{[44920]} نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى . أي : من يهديني إلى الطريق ، وكانت ليلة مظلمة ، فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجر عناب ، فوقف متعجبا من ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك{[44921]} الشجرة . فلا شدة النار تغير خضرة تلك{[44922]} الشجرة ، ولا كثرة ماء الشجرة يغير حسن ضوء النار . فلما أتى الشجرة سمع النداء ، يا موسى ، إني أنا ربك ، فاخلع نعليك ، وكانتا من جلد حمار ميت .

وقال ابن عباس/ : في معنى ( طوى ) أن موسى طواه الليل إذ مر به فارتفع إلى أعلى الوادي{[44923]} .

فيكون على هذا مصدرا عمل فيه ما هو من غير لفظه . كأنه قال : إنك يا موسى بالواد{[44924]} الذي طويته طوى : أي : تجاوزته فطويته بسيرك .

وقال قتادة : معناه : قدس مرتين ، أي طهره وهو قول الحسن{[44925]} .

وقال مجاهد وابن أبي نجيج : ( طوى ) اسم الوادي{[44926]} . وروي ذلك أيضا عن ابن عباس . وقاله ابن زيد{[44927]} .

وعن ابن عباس : أنه أمر من الله تعالى لموسى أن يطأ الوادي بقدمه{[44928]} . فالمعنى : اخلع نعليك . طأ الوادي .

وقال ابن جبير : معناه : طأ الأرض حافيا كما تدخل الكعبة حافيا . وكذلك روي أيضا عن مجاهد{[44929]} .

ومن فتح الهمزة في ( إني أنا ) فعلى تقدير : ( نودي بأني ) ومن كسرها فعلى الاستئناف ، لأن النداء وقع على{[44930]} موسى فاستؤنفت ( إن بعده فكسرت{[44931]} .

وقيل : كسرت لأنها حكاية بعدها .

معناه : القول ، لأن نؤدي مثل قيل .

ومن صرف ( طوى ) جعله اسما للوادي مذكرا ، فصرفه ، وجعله مصدرا .

والأكثر في المصدر من هذا أن يكون مكسور الأول{[44932]} مثل ثنى . ومن لم يصرفه جعله اسما للبقعة .

وقيل{[44933]} : هو معدول عن طاوي . كعمر{[44934]} ، معدول عن عامر ، وقد ذهب الكسائي في صرفه إلى أنه صرف لخفته . وكان حقه ألا ينصرف . ولكن سمع صرفه من العرب . وعلة قلة حروفه وخفته .


[44904]:أي: فلما سقطت من ز.
[44905]:العليق: نبات يتعلق بالشجر ويلتوي عليه. انظر: اللسان (علق).
[44906]:انظر: جامع البيان 16/143 وتفسير القرطبي 11/172 والدر المنثور 4/290.
[44907]:ع كانت والمثبت في النص من ز.
[44908]:ز بعد عكرمة زيادة وكذلك روي عن ابن عباس.
[44909]:انظر: جامع البيان 16/144 والدر المنثور 4/292.
[44910]:قال الطبري عن هذا الحديث: (لو كان صحيحا لم نعده إلى غيره، ولكن في إسناده نظر: يجب التثبت فيه) انظر: جامع البيان 16/144.
[44911]:ز: بقدمه.
[44912]:انظر: جامع البيان 16/144 وزاد المسير 5/273 والقرطبي 11/173.
[44913]:انظر: جامع البيان 16/144.
[44914]:انظر: المصدر السابق.
[44915]:انظر: جامع البيان 16/145 والدر المنثور 4/293.
[44916]:انظر: جامع البيان 16/145.
[44917]:وهي قصة طويلة، ذكرها السيوطي بكاملها في الدر المنثور 4/290-291 وذكر بعضها القرطبي في تفسيره 11/171.
[44918]:مدين محادية لتبوك على بحر القلزم، وهي أكبر من تبوك، وبها البئر التي استقى منها موسى لسائمة شعيب. انظر: معجم البلدان 5/77.
[44919]:ز: نهارا.
[44920]:ز: آنست.
[44921]:تلك سقطت من ز.
[44922]:انظر: المصدر السابق.
[44923]:انظر: تفسير القرطبي 11/175 والدر المنثور 4/293.
[44924]:من قوله (فيكون على هذا مصدرا) إلى (بالواد) سقط من ز. بانتقال النظر.
[44925]:انظر: جامع البيان 16/145، وزاد المسير 5/275 والقرطبي 11/175 والدر المنثور 4/293.
[44926]:انظر جامع البيان 16/146 والقرطبي 11/175 والدر المنثور 4/293. وابن أبي نجيج هو عبد الله بن أبي نجيج الثقفي. انظر: ترجمته في الجرح والتعديل 5/203 وتهذيب التهذيب 6/54.
[44927]:انظر: جامع البيان 16/146 والدر المنثور 4/293.
[44928]:انظر: جامع البيان 16/146 وزاد المسير 5/274 والدر المنثور 4/293.
[44929]:انظر: جامع البيان 16/146 والدر المنثور 4/293.
[44930]:على سقطت من ز.
[44931]:ز: بعدها وكسرت.
[44932]:ز: مكسورا في الأول.
[44933]:انظر: غريب إعراب القرآن 2/139.
[44934]:ز: كعمرو. (تحريف).