الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (38)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}، يعني أيْمانهما من الكرسوع، يقول: القطع {جزاء بما كسبا}، يعني سرقا، {نكالا من الله}: عقوبة من الله قطع اليد، {والله عزيز حكيم}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

من سرق من رجل أو امرأة، فاقطعوا أيها الناس يده. ولذلك رفع السارق والسارقة، لأنهما غير معينين، ولو أريد بذلك سارق وسارقة بأعيانهما لكان وجه الكلام النصب. وقد رُوي عن عبد لله بن مسعود أنه كان يقرأ ذلك: «والسارقون والسارقات».

"فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما" والمعنى أيديهما اليمنى... في قراءة عبد الله: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما».

ثم اختلفوا في السارق الذي عناه الله؛

فقال بعضهم: عني بذلك سارق ثلاثة دراهم فصاعدا، وذلك قول جماعة من أهل المدينة، منهم مالك بن أنس ومن قال بقوله. واحتجوا لقولهم ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم «قطع في مجنّ قيمته ثلاثة دراهم».

وقال آخرون: بل عنى بذلك: سارق ربع دينار أو قيمته. وممن قال ذلك الأوزاعي ومن قال بقوله. واحتجوا لقولهم ذلك بالخبر الذي رُوي عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القَطْعُ في رُبْعِ دينارٍ فَصَاعِدا».

وقال آخرون: بل عنى بذلك سارق عشرة دراهم فصاعدا. وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه. واحتجوا في ذلك بالخبر الذي رُوي عن عبد الله بن عمر وابن عباس، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم «قطع في مجنّ قيمته عشرة دراهم».

وقال آخرون: بل عني بذلك سارق القليل والكثير. واحتجوا في ذلك بأن الآية على الظاهر، وأنه ليس لأحد أن يخصّ منها شيئا إلاّ بحجة يجب التسليم لها. وقالوا: لم يصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بأن ذلك في خاصّ من السّرّاق. قالوا: والأخبار فيما قَطَع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربة مختلفة، ولم يرو عنه أحد أنه أُتِي بسارق درهم فخلّى عنه، وإنما رووا عنه أنه قطع في مجنّ قيمته ثلاثة دراهم. قالوا: وممكن أن يكون لو أتى بسارق ما قيمته دانق أن يقطع. قالوا: وقد قطع ابن الزبير في درهم. ورُوي عن ابن عباس أنه قال: الآية على العموم.

والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال: الآية معنيّ بها خاصّ من السراق، وهو سراق ربع دينار فصاعدا أو قيمته، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القَطْعُ في رُبعِ دِينَارٍ فصَاعِدا». وقد استقصيت ذكر أقوال المختلفين في ذلك مع عللهم التي اعتلوا بها لأقوالهم، والتلميح عن أوْلاها بالصواب بشواهده في كتابنا "كتاب السرقة". "جَزَاءً بِمَا كَسَبا نَكالاً مِنَ اللّهِ": مكافأة لهما على سرقتهما وعملهما في التلصص بمعصية الله.

"نَكَالاً مِنَ الله": عقوبة من الله على لصوصيتهما. عن قتادة: لا تَرْثُوا لهم أن تقيموا فيهم الحدود، فإنه والله ما أمر الله بأمر قطّ إلاّ وهو صلاح، ولا نهى عن أمر قطّ إلاّ وهو فساد.

" وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكيمٌ": والله عزيز في انتقامه من هذا السارق والسارقة وغيرهما من أهل معاصيه، حكيم في حكمه فيهم وقضائه عليهم. يقول: فلا تفرطوا إيها المؤمنون في إقامة حكمي على السارق وغيرهم من أهل الجرائم الذين أوجبت عليهم حدودا في الدنيا عقوبة لهم، فإني بحكمي قضيت ذلك عليهم، وعلمي بصلاح ذلك لهم ولكم.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

فإن قيل لنا إيش الحكمة في إقامة الحد في السرقة على ما به تكتسب السرقة، وهو اليد؟ ولم يقم الحد في سائر الحدود في ما به كان اكتسابها من نحو القصاص [في الزنى] وغيره: إنه إذا قتل [فلان] آخر لا تقطع يده، وبها كان اكتساب القتل، وكذا الزنى لم يقم الحد إلا ما به كان الزنى، بل أقيم على غير ما به كان ذلك الفعل؟ وفي السرقة أقيم على ما به كان ذلك الفعل خاصة؟. قيل، والله أعلم، لخلتين: إما لقصور في الاستيفاء من الحق أو لخوف الزيادة في الاستيفاء على الحق لأنه إذا قتل، أو قطعت يده، بقيت له النفس، وقد تتلف نفس الآخر، فكان في ذلك قصور في استفاء الحق. وفي الزنى لو أقيم به على الذي كان اكتساب الفعل لخيف تلف نفسه به، فكان في ذلك استيفاء الزيادة على الحق. وأما السرقة فإنه أمكن استيفاء الحق مما كان به اكتسابها على غير قصور يقع في الاستيفاء ولا خوف الزيادة في الاستيفاء. لذلك كان ما ذكر، والله أعلم. فإن قيل: ما الحكمة في يد قيمتها ألوف بسرقة عشرة؟ وذلك مما لا يماثله في الظاهر، وقد أخبر أن {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} [الأنعام: 160 وغافر: 40] كيف جزى هذا بأضعاف ذلك؟ قيل: لهذا جوابان: أحدهما: أن جزاء الدنيا محنة، يمتحن عباده بأنواع المحن ابتداء على غير جعل ذلك جزاء لكسب يكتسب. فمن له الامتحان بأنواع المحن على غير جعلها جزاء الشيء كان له الامتحان بأن يجعل ما يساوي ألوفا فلسا أو حبة. وبالله العصمة والنجاة. والثاني: أن ليس القطع في السرقة جزاء ما أخذ من المال، ولكنه جزاء ما هتك من الحرمة. ألا ترى أنه قال: {جزاء بما كسبا} ولم يقل بما أخذا من الأموال؟ فيجوز أن يبلغ جزاء هتك تلك الحرمة قطع اليد، وإن قصر علم البشر على ذلك لأن مقادير العقوبات إنما يعرفها من يعرف مقادير الإجرام. وليس أحد من الخلائق يحتمل علمه مبلغ مقادير الإجرام. فإذا لم يحتمل علمهم مبلغ مقادير عقوبات ماذا كان؟ فحق القول فيه الاتباع والتسليم بعد العلم في الاتباع أن الله لا يجزي السيئة إلا مثلها.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

إنما بدأ الله تعالى في السرقة بالسارق قبل السارقة، وفي الزنى بالزانية قبل الزاني، لأن حب المال على الرجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب، ثم جعل حد السرقة قطع اليد لتناول المال بها، ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به، لثلاثة معانٍ: أحدها: أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن انزجر بها اعتاض بالثانية، وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه. والثاني: أن الحد زجر للمحدود وغيره، وقطع اليد في السرقة ظاهر، وقطع الذكر في الزنى باطن، والثالث: أن في قطع الذكر إبطال النسل وليس في قطع اليد إبطاله...

جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :

- يرتب الحكم على الفعل بفاء التعقيب والتسبيب فهو تنبيه على الحكم بالفعل الذي رتب عليه، كقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} فدل ذلك على أن القطع معلل بالسرقة، وأنها سببه. [نفسه: 27-28].

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وأخذ ملك الغير يتنوع بحسب قرائنه؛ فمنه الغصب وقرينته علم المغصوب منه وقت الغصب أو علم مشاهد غيره، ومنه الخيانة وقرينتها أن الخائن قد طرق له إلى المال بتصرف ما، ومنه السرقة وقرائنها أن يؤخذ مال لم يطرق إليه على غير علم من المسروق ماله وفي خفاء من جميع الناس فيما يرى السارق، وهذا هو الذي يجب عليه القطع وحده من بين أخذة الأموال لخبث هذا المنزع وقلة العذر فيه، وحاط الله تعالى البشر على لسان نبيه بأن القطع لا يكون إلا بقرائن، منها الإخراج من حرز، ومنه القدر المسروق على اختلاف أهل العلم فيه، ومنها أن يعلم السارق بتحريم السرقة، وأن تكون السرقة فيما يحل ملكه، فلفظ {السارق} في الآية عموم معناه الخصوص...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

في اتصال الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنه تعالى لما أوجب في الآية المتقدمة قطع الأيد والأرجل عند أخذ المال على سبيل المحاربة، بين في هذه الآية أن أخذ المال على سبيل السرقة يوجب قطع الأيدي والأرجل أيضا، والثاني: أنه لما ذكر تعظيم أمر القتل حيث قال: {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} ذكر بعد هذا الجنايات التي تبيح القتل والإيلام، فذكر أولا: قطع الطريق، وثانيا: أمر السرقة...

{والله عزيز حكيم}: عزيز في انتقامه، حكيم في شرائعه وتكاليفه...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كانت السرقة من جملة المحاربة والسعي بالفساد، وكان فاعلها غير متقٍ ولا متوسل، عقب بها فقال: {والسارق} الآخذ لما هو في حرز خفيةً لكونه لا يستحقه {والسارقة} أي كذلك؛ ولما كان التقدير: وهما مفسدان، أو حكمهما فيما يتلى عليكم، سبب عنه قوله: {فاقطعوا} وال -قال المبرد- للتعريف بمعنى: الذي، والفاء للسبب كقولك: الذي يأتيني فله كذا كذا درهم {أيديهما} أي الأيامن من الكوع إذا كان المأخوذ ربع دينار فصاعداً من حرز مثله من غير شبهة له فيه -كما بين جميع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم- ويرد مع القطع ما سرقه؛ ثم علل ذلك بقوله: {جزاء بما كسبا} أي فعلا من ذلك، وإدالته على أدنى وجوه السرقة وقاية للمال وهواناً لها للخيانة، وديتها إذا قطعت في غير حقها خمسمائة دينار وقاية للنفس من غير أن ترخصها الخيانة، ثم علل هذا الجزاء بقوله: {نكالاً} أي منعاً لهما كما يمنع القيد {من الله} أي الذي له جميع العظمة فهو المرهوب لكل مربوب، وأعاد الاسم الأعظم تعظيماً للأمر فقال: {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال {عزيز} أي في انتقامه فلا يغالبه شيء {حكيم} أي بالغ الحكم والحكمة في شرائعه، فلا يستطاع الامتناع من سطوته ولا نقض شيء يفعله، لأنه يضعه في أتقن مواضعه.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

المحاربون المفسدون في الأرض يأكلون أموال الناس بالباطل جهرة، وينتزعونها منهم عنوة، واللصوص يأكلونها كذلك ولكنهم يأخذونها خفية، فلما بين الله تعالى عقاب أولئك، وأمر بالتقوى وابتغاء الوسيلة والجهاد في سبيل الله – وهي الأعمال التي يكمل بها الإيمان، وتتهذب بها النفوس حتى تنفر من الحرام، -بين عقاب هؤلاء أيضا، جمعا بين الوازع النفسي وهو الإيمان والصلاح، والوازع الخارجي وهو الخوف من العقاب والنكال، فقال عز من قائل: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} أي والسارق والسارقة مما يتلى عليكم حكمهما، ويبين لكم حدهما، كما بين لكم حد المفسدين في الأرض مثلهما، فاقطعوا أيديهما، أو التقدير: وكل من السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، كما تقطعون أيدي المحاربين إذا سلبا المال مثلهما. والمراد قطع يد كل منهما، أي إذا سرق الذكر تقطع يده، وإذا سرقت الأنثى تقطع يدها، وإنما جمع اليد ولم يقل يديهما لأن فصحاء العرب يستثقلون إضافة المثنى إلى ضمير التثنية، أي الجمع بين تثنيتين. ومثله قوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} (التحريم: 4) والوصف هنا متضمن لمعنى الشرط فقرن خبره بالفاء على الأظهر.

وقد صرح بأن هذا الحد على الرجال والنساء كما صرح بذلك في حد الزنا لأن كلا من الذنبين يقع من كل منهما، فأراد الله زجر كل منهما بتلاوة القرآن، وإن كانت الأحكام الشرعية مشتركة بينهما عند الإطلاق، وتغليب وصف الذكورة وضمائرها في الكلام، إلا ما خص الشرع الرجال، كالإمامة والقتال. والمتبادر من إطلاق اليد أنها الكف إلى الرسغ، ولهذا قال في آية الوضوء {وأيديكم إلى المرافق} [المائدة:6] وإنما تقع السرقة بالكف مباشرة، والساعد والعضد يحملان الكف كما يحملها معها البدن، فيقال إن اليد لا تعمل إلا بهما. ولهذا المعنى- وهو إيقاع العذاب على العضو المباشر للجريمة – قالوا إن اليمنى هي التي تقطع، لأن التناول يكون بها إلا ما شذ.

{جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ} هذا تعليل للحد، أي اقطعوا أيديهما جزاء لهما بعملهما وكسبهما السيئ، ونكالا وعبرة لغيرهما. فالنكال مأخوذ من النكل وهو (بالكسر) قيد الدابة.؟ ونكل عن الشيء عجز أو امتنع لمانع صرفه عنه. فالنكال هنا ما ينكل الناس ويمنعهم أن يسرقوا. ولعمر الحق أن قطع اليد الذي يفضح صاحبه طول حياته ويسمه بميسم الذل والعار هو أجدر العقوبات بمنع السرقة وتأمين الناس على أموالهم، وكذا على أرواحهم، لأن الأرواح كثيرا ما تتبع الأموال، إذا قاوم أهلها السرقة عند العلم بهم {وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فهو غالب على أمره، حكيم في صنعه وفي شرعه، فهو يضع الحدود والعقوبات بحسب الحكمة التي توافق المصلحة...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وفي نهاية هذا الدرس يرد حكم السرقة:

(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا -نكالا من الله- والله عزيز حكيم. فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه، إن الله غفور رحيم. ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض، يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، والله على كل شيء قدير)..

إن المجتمع المسلم يوفر لأهل دار الإسلام -على اختلاف عقائدهم- ما يدفع خاطر السرقة عن كل نفس سوية.. إنه يوفر لهم ضمانات العيش والكفاية. وضمانات التربية والتقويم. وضمانات العدالة في التوزيع. وفي الوقت ذاته يجعل كل ملكية فردية فيه تنبت من حلال؛ ويجعل الملكية الفردية وظيفة اجتماعية تنفع المجتمع ولا تؤذيه.. ومن أجل هذا كله يدفع خاطر السرقة عن كل نفس سوية.. فمن حقه إذن أن يشدد في عقوبة السرقة، والاعتداء على الملكية الفردية، والاعتداء على أمن الجماعة.. ومع تشديده فهو يدرأ الحد بالشبهة؛ ويوفر الضمانات كاملة للمتهم حتى لا يؤخذ بغير الدليل الثابت..

ولعله من المناسب أن نفصل شيئا في هذا الإجمال..

إن النظام الإسلامي كل متكامل، فلا تفهم حكمة الجزئيات التشريعية فيه حق فهمها إلا أن ينظر في طبيعة النظام وأصوله ومبادئه وضماناته. كذلك لا تصلح هذه الجزئيات فيه للتطبيق إلا أن يؤخذ النظام كاملا؛ ويعمل به جملة. أما الاجتزاء بحكم من أحكام الإسلام، أو مبدأ من مبادئه، في ظل نظام ليس كله إسلاميا، فلا جدوى له؛ ولا يعد الجزء المقتطع منه تطبيقا للإسلام. لأن الإسلام ليس أجزاء وتفاريق. الإسلام هو هذا النظام المتكامل الذي يشمل تطبيقه كل جوانب الحياة..

هذا بصفة عامة. أما بالنسبة لموضوع السرقة، فالأمر لا يختلف..

إن الإسلام يبدأ بتقرير حق كل فرد، في المجتمع المسلم في دار الإسلام، في الحياة. وحقه في كل الوسائل الضرورية لحفظ الحياة.. من حق كل فرد أن يأكل وأن يشرب وأن يلبس وأن يكون له بيت يكنه ويؤويه، ويجد فيه السكن والراحة.. من حق كل فرد على الجماعة -وعلى الدولة النائبة عن الجماعة- أن يحصل على هذه الضروريات.. أولا عن طريق العمل -ما دام قادرا على العمل- وعلى الجماعة -والدولة النائبة عن الجماعة- أن تعلمه كيف يعمل، وأن تيسر له العمل، وأداة العمل.. فإذا تعطل لعدم وجود العمل، أو أداته، أو لعدم قدرته على العمل، جزئيا أو كليا، وقتيا أو دائما. أو إذا كان كسبه من عمله لا يكفي لضرورياته. فله الحق في استكمال هذه الضروريات من عدة وجوه: أولا: من النفقة التي تفرض له شرعاعلى القادرين في أسرته. وثانيا على القادرين من أهل محلته. وثالثا: من بيت مال المسلمين من حقه المفروض له في الزكاة. فإذا لم تكف الزكاة فرضت الدولة المسلمة المنفذة لشريعة الإسلام كلها في دار الإسلام، ما يحقق الكفاية للمحرومين في مال الواجدين؛ بحيث لا تتجاوز هذه الحدود، ولا تتوسع في غير ضرورة. ولا تجور على الملكية الفردية الناشئة من حلال..

والإسلام كذلك يتشدد في تحديد وسائل جمع المال؛ فلا تقوم الملكية الفردية فيه إلا من حلال.. ومن ثم لا تثير الملكية الفردية في المجتمع المسلم أحقاد الذين لا يملكون؛ ولا تثير أطماعهم في سلب ما في أيدي الآخرين. وبخاصة أن النظام يكفل لهم الكفاية؛ ولا يدعهم محرومين. والإسلام يربى ضمائر الناس وأخلاقهم؛ فيجعل تفكيرهم يتجه إلى العمل والكسب عن طريقة؛ لا إلى السرقة والكسب عن طريقها.. فإذا لم يوجد العمل، أو لم يكف لتوفير ضرورياتهم، أعطاهم حقهم بالوسائل النظيفة الكريمة..

وإذن فلماذا يسرق السارق في ظل هذا النظام؟ إنه لا يسرق لسد حاجة. إنما يسرق للطمع في الثراء من غير طريق العمل. والثراء لا يطلب من هذا الوجه الذي يروع الجماعة المسلمة في دار الإسلام. ويحرمها الطمأنينة التي من حقها أن تستمتع بها. ويحرم أصحاب المال الحلال أن يطمئنوا على مالهم الحلال.

وإنه لمن حق كل فرد في مثل هذا المجتمع، كسب ماله من حلال، لا من ربا، ولا من غش، ولا من احتكار، ولا من أكل أجور العمال، ثم أخرج زكاته، وقدم ما قد تحتاج إليه الجماعة من بعد الزكاة.. من حق كل فرد في مثل هذا النظام أن يأمن على ماله الخاص، وألا يباح هذا المال للسرقات أو لغير السرقات.

فإذا سرق السارق بعد ذلك كله.. إذا سرق وهو مكفي الحاجة، متبين حرمة الجريمة، غير محتاج لسلب ما في أيدي الآخرين، لأن الآخرين لم يغصبوا أموالهم ولم يجمعوها من حرام.. إذا سرق في مثل هذه الأحوال. فإنه لا يسرق وله عذر. ولا ينبغي لأحد أن يرأف به متى ثبتت عليه الجريمة.

فأما حين توجد شبهة من حاجة أو غيرها، فالمبدأ العام في الإسلام هو درء الحدود بالشبهات. لذلك لم يقطع عمر -رضي الله عنه- في عام الرمادة، حينما عمت المجاعة. ولم يقطع كذلك في حادثة خاصة؛ عندما سرق غلمان حاطب بن أبي بلتعة ناقة من رجل من مزينة. فقد أمر بقطعهم؛ ولكن حين تبين له أن سيدهم يجيعهم، درا عنهم الحد؛ وغرم سيدهم ضعف ثمن الناقة تأديبا له..

وهكذا ينبغي أن تفهم حدود الإسلام، في ظل نظامه المتكامل؛ الذي يضع الضمانات للجميع لا لطبقة على حساب طبقة.. والذي يتخذ أسباب الوقاية قبل أن يتخذ أسباب العقوبة. والذي لا يعاقب إلا المعتدين بلا مبرر للاعتداء..

وبعد بيان هذه الحقيقة العامة نستطيع أن نأخذ في الحديث عن حد السرقة..

السرقة هي أخذ مال الغير والمحرز، خفية.. فلا بد أن يكون المأخوذ مالا مقوما.. والحد المتفق عليه تقريبا بين فقهاء المسلمين للمال الذي يعد أخذه من حرزه خفية سرقة هو ما يعادل ربع دينار.. أي حوالي خمسة وعشرين قرشا بنقدنا الحاضر.. ولا بد أن يكون هذا المال محرزا وأن يأخذه السارق من حرزه، ويخرج به عنه.. فلا قطع مثلا على المؤتمن على مال إذا سرقه. والخادم المأذون له بدخول البيت لا يقطع فيما يسرق لأنه ليس محرزا منه. ولا على المستعير إذا جحد العارية. ولا على الثمار في الحقل حتى يؤويها الجرين. ولا على المال خارج البيت أو الصندوق المعد لصيانته.. وهكذا.. ولا بد أن يكون هذا المال المحرز للغير.. فلا قطعحين يسرق الشريك من مال شريكه لأن له فيه شركة فليس خالصا للغير. والذي يسرق من بيت مال المسلمين لا يقطع لأن له نصيبا فيه فليس خالصا للغير كذلك.. والعقوبة في مثل هذه الحالات ليست هي القطع، وإنما هي التعزيز.. [والتعزيز عقوبة دون الحد، بالجلد أو بالحبس أو بالتوبيخ أو بالموعظة في بعض الحالات التي يناسبها هذا حسب رأي القاضي والظروف المحيطة].

والقطع يكون لليد اليمنى إلى الرسغ. فإذا عاد كان القطع في الرجل اليسرى إلى الكعب وهذا هو القدر المتفق عليه في القطع.. ثم تختلف بعد ذلك آراء الفقهاء عند الثالثة والرابعة.

والشبهة تدرأ الحد.. فشبهة الجوع والحاجة تدرأ الحد. وشبهة الشركة في المال تدرأ الحد. ورجوع المعترف في اعترافه -إذا لم يكن هناك شهود- شبهة تدرأ الحد. ونكول الشهود شبهة.. وهكذا..

ويختلف الفقهاء فيما يعدونه شبهة. فأبو حنيفة مثلا يدرأ الحد في سرقة ما هو مباح الأصل -حتى بعد إحرازه- كسرقة الماء بعد إحرازه، وسرقة الصيد بعد صيده، لأن كليهما مباح الأصل. وإباحة الأصل تورث شبهة في بقائه مباحا بعد إحرازه. والشركة العامة فيه تورث شبهة في بقاء الشركة بعد الإحراز.. بينما مالك والشافعي وأحمد لا يدرأون الحد في مثل هذه الحالة. ويدرأ أبو حنيفة الحد في سرقة كل ما يسارع إليه الفساد، كالطعام الرطب والبقول واللحم والخبز وما أشبه. ويخالفه أبو يوسف ويأخذ برأي الثلاثة.

ولا نملك أن نمضي في تفصيل اختلافات الفقهاء في هذا المجال، فتطلب في كتب الفقه؛ وحسبنا هذه الأمثلة للدلالة على سماحة الإسلام وحرصه على ألا يأخذ الناس بالشبهات.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ادرأوا الحدود بالشبهات "وعمر ابن الخطاب يقول: "لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات"..

ولكن لا بد من كلمة في ملاءمة عقوبة القطع في السرقة؛ بعد بيان موجبات التشدد في أخذ السارق بالحد، في المجتمع المسلم في دار الإسلام؛ بعد توافر أسباب الوقاية وضمانات العدالة..

وعلة فرض عقوبة القطع للسرقة أن السارق حينما يفكر في السرقة إنما يفكر في أن يزيد كسبه بكسب غيره. فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال، ويريد أن ينميه من طريق الحرام. وهو لا يكتفي بثمرة عمله، فيطمع في ثمرة عمل غيره. وهو يفعل ذلك ليزيد من قدرته على الإنفاق أو الظهور، أو ليرتاح من عناء الكد والعمل. أو ليأمن على مستقبله. فالدافع الذي يدفع إلى السرقة ويرجع إلى هذه الاعتبارات هو زيادة الكسب أو زيادة الثراء.. وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع. لأن قطع اليد أو الرجل يؤدي إلى نقص الكسب، إذ اليد والرجل كلاهما أداة العمل أيا كان. ونقص الكسب يؤدي إلى نقص الثراء. وهذا يؤدي إلى نقص القدرة على الإنفاق وعلى الظهور، ويدعو إلى شدة الكدح وكثرة العمل، والتخوف الشديد على المستقبل.

فالشريعة الإسلامية بتقريرها عقوبة القطع دفعت العوامل النفسية التي تدعو لارتكاب الجريمة بعوامل نفسية مضادة تصرف عن جريمة السرقة. فإذا تغلبت العوامل النفسية الداعية، وارتكب الإنسان الجريمة مرة كان في العقوبة والمرارة التي تصيبه منها ما يغلب العوامل النفسية الصارفة، فلا يعود للجريمة مرة ثانية.

ذلك هو الأساس الذي قامت عليه عقوبة السرقة في الشريعة الإسلامية. وإنه لعمري خير أساس قامت عقوبة السرقة من يوم نشأة عالمنا حتى الآن...

"وتجعل القوانين الحبس عقوبة السرقة. وهي عقوبة قد أخفقت في محاربة الجريمة على العموم. والسرقة على الخصوص. والعلة في هذا الإخفاق أن عقوبة الحبس لا تخلق في نفس السارق العوامل النفسية التي تصرفه عن جريمة السرقة. لأن عقوبة الحبس لا تحول بين السارق وبين العمل إلا مدة الحبس، وما حاجته إلى الكسب في المحبس وهو موفر الطلبات مكفي الحاجات؟ فإذا خرج من محبسه استطاع أن يعمل وأن يكسب. وكان لديه أوسع الفرص لأن يزيد من كسبه وينمي ثروته، من طريق الحلال والحرام على السواء! واستطاع أن يخدع الناس وأن يظهر أمامهم بمظهر الشريف، فيأمنوا جانبه، ويتعاونوا معه.

فإن وصل في الخاتمة إلى ما يبغي فذلك هو الذي أراد؛ وإن لم يصل إلى بغيته فإنه لم يخسر شيئاً، ولم تفته منفعة ذات بال.

" أما عقوبة القطع فتحول بين السارق وبين العمل، أو تنقص من قدرته على العمل والكسب نقصاً كبيراً؛ ففرصة زيادة الكسب مقطوع بضياعها على كل حال، ونقص الكسب إلى حد ضئيل أو انقطاعه هو المرجح في أغلب الأحوال، ولن يستطيع أن يخدع الناس أو يحملهم على الثقة به والتعاون معه رجل يحمل أثر الجريمة في جسمه، وتعلن يده المقطوعة عن سوابقه. فالخاتمة التي لا يخطئها الحساب أن جانب الخسارة مقطوع به إذا كانت العقوبة القطع؛ وجانب الربح مرجح إذا كانت العقوبة الحبس. وفي طبيعة الناس كلهم -لا السارق وحده- أن لا يتأخروا عن عمل يرجح فيه جانب المنفعة، وألا يقدموا على عمل تتحقق فيه الخسارة.

" وأعجب بعد ذلك ممن يقولون: إن عقوبة القطع لا تتفق مع ما وصلت إليه الإنسانية والمدنية في عصرنا الحاضر. كأن الإنسانية والمدنية أن نقابل السارق بالمكافأة على جريمته، وأن نشجعه على السير في غوايته، وأن نعيش في خوف واضطراب، وأن نكد ونشقى ليستولي على ثمار عملنا العاطلون واللصوص!

" ثم أعجب بعد ذلك مرة ثانية ممن يقولون: إن عقوبة القطع لا تتفق مع ما وصلت إليه الإنسانية والمدنية، كأن المدنية والإنسانية أن ننكر العلم الحديث والمنطق الدقيق؛ وأن ننسى طبائع البشر، ونتجاهل تجارب الأمم؛ وأن نلغي عقولنا، ونهمل النتائج التي وصل إليها تفكيرنا، لنأخذ بما يقوله قائله فلا يجد عليه دليلاً إلا التهويل والتضليل!

" وإذا كانت العقوبة الصالحة حقاً هي التي تتفق مع المدنية والإنسانية، فإن عقوبة الحبس قد حق عليها الإلغاء، وعقوبة القطع قد كتب لها البقاء. لأن الأخيرة تقوم على أساس متين من علم النفس. وطبائع البشر وتجارب الأمم، ومنطق العقول والأشياء. وهي نفس الأسس التي تقوم عليها المدنية والإنسانية. أما عقوبة الحبس فلا تقوم على أساس من العلم ولا التجربة، ولا تتفق مع منطق العقول ولا طبائع الأشياء.

" إن أساس عقوبة القطع هو دراسة نفسية الإنسان وعقليته. فهي إذن عقوبة ملائمة للأفراد، وهي في الوقت ذاته صالحة للجماعة، لأنها تؤدي إلى تقليل الجرائم، وتأمين المجتمع. و ما دامت العقوبة ملائمة للفرد وصالحة للجماعة، فهي أفضل العقوبات وأعدلها".

" ولكن ذلك كله لا يكفي عند بعض الناس لتبرير عقوبة القطع، لأنهم يرونها -كما يقولون- عقوبة موسومة بالقسوة. وتلك حجتهم الأولى والأخيرة. وهي حجة داحضة. فإن اسم العقوبة مشتق من العقاب، ولا يكون العقاب عقاباً إذا كان موسوما بالرخاوة والضعف، بل يكون لعباً أو عبثاً أو شيئاً قريباً من هذا.

فالقسوة لا بد أن تتمثل في العقوبة حتى يصح تسميتها بهذا الاسم "

والله -سبحانه- وهو أرحم الراحمين يقول وهو يشدد عقوبة السرقة:

(فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله..)

فهي تنكيل من الله رادع. والردع عن ارتكاب الجريمة رحمة بمن تحدثه نفسه بها، لأنه يكفه عنها، ورحمة بالجماعة كلها لأنه يوفر لها الطمأنينة.. ولن يدعي أحد أنه أرحم بالناس من خالق الناس، إلا وفي قلبه عمى، وفي روحه انطماس! والواقع يشهد أن عقوبة القطع لم تطبق في خلال نحو قرن من الزمان في صدر الإسلام إلا في آحاد؛ لأن المجتمع بنظامه، والعقوبة بشدتها، والضمانات بكفايتها لم تنتج إلا هذه الآحاد.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

ووجه ذكر السارقة مع السارق دفعُ توهّم أن يكون صيغة التذكير في السارق قيداً بحيث لا يجري حدّ السرقة إلاّ على الرجال، وقد كانت العرب لا يقيمون للمرأة وزناً فلا يجرون عليها الحدود، وهو الدّاعي إلى ذكر الأنثى في قوله تعالى في سورة البقرة: (178) {الحُرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} وقد سرقت المخزوميّة في زمن رسول الله فأمر بقطع يدها وعظم ذلك على قريش، فقالوا: من يشفع لها عند رسول الله إلاّ زيد بن حارثة، فلمّا شفع لها أنكر عليه وقال: أتشفع في حدّ من حدود الله، وخطب فقال: إنّما أهلك الّذين من قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه وإذا سرق الضّعيف قطعوه، والله لو أنّ فاطمة سرقت لقطعت يدها.

.. وفي تحقيق معنى السرقة ونصاب المقدار المسروق الموجب للحدّ وكيفية القطع مجال لأهل الاجتهاد من علماء السلف وأيّمة المذاهب وليس من غرض المفسّر. وليس من عادة القرآن تحديد المعاني الشّرعية وتفاصيلها ولكنّه يؤصّل تأوصيلها ويحيل ما وراء ذلك إلى متعارف أهل اللّسان من معرفة حقائقها وتمييزها عمّا يشابهها..

فحكمة مشروعيّة القطع الجزاء على السرقة جزاء يقصد منه الردع وعدم العود، أي جزاء ليس بانتقام ولكنّه استصلاح.

وضَلّ من حسب القطع تعويضاً عن المسروق.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وضرورة الإعلان عن تنفيذ عقوبة الفعل المؤثم من أجل الاعتبار والعظة، فالتشريع ليس من بشر لبشر، إنما تشريع خالق لمخلوق، والخالق هو الذي صنع الصنعة فلا تتعالم على خالق الصنعة، والشريعة لا تقرر مثل هذا العقاب رغبة في قطع الأيدي بل تريد أن تمنع قطع الأيادي. وإن ظل التشريع على الورق دون تطبيق فلن يرتدع أحد، والذين قالوا "قطع الأيدي فعل وحشي"، نقول لهم: إن يدا واحدة قطعت في السعودية فامتنعت كل سرقة، وإذا كان القتل أنفى للقتل، فالقطع أنف للقطع، أما عن مسألة التشويه التي يطنطنون بها فحادثة سيارة واحدة تشوه عددا من الناس وكذلك حادثة انفجار لأنبوبة "بوتاجاز "تفعل أكثر من ذلك فلا تنظروا إلى القصاص مفصولا عن السرقة إن انتشرت في المجتمع، وإبطاء القائمين على الأمر للإجراءات التي يترتب عليها العقوبات يُنسي المجتمع بشاعة الجريمة الأولى، وعندما يحين وقت محاكمة المجرم تكون الرحمة موجودة. لكن إن وقع العقاب ساعة الجرم تنته المسألة، وساعة يسمع اللصوص أننا سنقطع يد السارق، سيكفر كل منهم قبل أن يسرق ولا يرتكب الجرم لأن المراد من الجزاء العبرة والعظة ومقصد من مقاصد التربية وتذكرة للإنسان بمطلوبات الله عنده إن أخذته الغفلة في سياسة الحياة فالجزاء هنا نكالا أي عقابا و" نكولا "وهو الرجوع عن فعل الذنب أي العبرة المانعة من وقوع الجرم، فكأن الجزاء كان المقصود منه أن يرى الإنسان من قطعت يده فيمتنع عن التفكير في مثل ما آلت إليه هذه الحالة.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (38)

فيه سبع وعشرون مسألة :

الأولى : قوله تعالى : " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " الآية . لما ذكر تعالى أخذ الأموال بطريق السعي في الأرض والفساد ذكر حكم السارق من غير جراب على ما يأتي بيانه أثناء الباب ، وبدأ سبحانه بالسارق قبل السارقة عكس الزنى على ما نبينه آخر الباب . وقد قطع السارق في الجاهلية ، وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد بن المغيرة ، فأمر الله بقطعه في الإسلام ، فكان أول سارق قطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام من الرجال الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبدالأسد من بن مخزوم ، وقطع أبو بكر يد اليمني{[5538]} الذي سرق العقد ، وقطع عمر يد ابن سمرة أخي عبدالرحمن بن سمرة ولا خلاف فيه . وظاهر الآية العموم في كل سارق وليس كذلك ؛ لقوله عليه السلام ( لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا ) فبين انه إنما أراد بقوله : " والسارق والسارقة " بعض السراق دون بعض ، فلا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار ، أو فيما قيمته ربع دينار ، وهذا قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي رضي الله عنهم ، وبه قال عمر بن عبدالعزيز والليث والشافعي وأبو ثور ؛ وقال مالك : تقطع اليد في ربع دينار أو في ثلاثة دراهم ، فإن سرق درهمين وهو ربع دينار لانحطاط الصرف لم تقطع يده فيهما . والعروض لا تقطع فيها إلا أن تبلغ ثلاثة دراهم قل الصرف أو كثر ، فجعل مالك الذهب والورق كل واحد منهما أصلا بنفسه ، وجعل تقويم العروض بالدراهم في المشهور . وقال أحمد وإسحاق : إن سرق ذهب فربع دينار ، وإن سرق غير الذهب والفضة كانت قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم من الورق . وهذا نحو ما صار إليه مال في القول الآخر ، والحجة للأول حديث ابن عمر أن رجلا سرق حجفة{[5539]} ، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بها فقومت بثلاثة دراهم . والشافعي حديث عائشة رضي الله عنها في الربع دينار أصلا رد إليه تقويم العروض لا بالثلاثة دراهم على غلاء الذهب ورخصه ، وترك حديث ابن عمر لما رآه - والله أعلم - من اختلاف الصحابة في المجن الذي قطع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فابن عمر يقول : ثلاثة دراهم ، وابن عباس يقول : عشرة دراهم ، وأنس يقول : خمسة دراهم ، وحديث عائشة في الربع دينار حديث صحيح ثابت لم يختلف فيه عن عائشة إلا أن بعضهم وقفه ، ورفعه{[5540]} من يجب العمل بقوله لحفظه وعدالته ، قاله أبو عمر وغيره . وعلى هذا فإن بلغ العرض المسروق ربع دينار بالتقويم قطع سارقه ، وهو قول إسحاق . فقف على هذين الأصلين فهما عمدة الباب ، وما أصح ما قيل فيه . وقال أبو حنيفة وصاحباه والثوري : لا تقطع يد السارق إلا في عشرة دراهم كيلا ، أو دينارا ذهبا عينا أو وزنا ، ولا يقطع حتى خرج بالمتاع من ملك الرجل ، وحجتهم حديث ابن عباس قال : قُوِّم المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة دراهم . ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم . أخرجهما الدارقطني وغيره . وفي المسألة قول رابع ، وهو ما رواه الدارقطني عن عمر قال : لا تقطع الخمس إلا في خمس ، وبه قال سليمان بن يسار وابن أبي ليلى وابن شبرمة ، وقال أنس بن مالك : قطع أبو بكر - رحمه الله - في مجن قيمته خمسة دراهم . وقول خامس : وهو أن اليد تقطع في أربعة دراهم فصاعدا ، روي عن أبي هريرة وأبى سعيد الخدري . وقول سادس : وهو أن اليد تقطع في درهم فما فوقه . قاله عثمان البتي . وذكر الطبري أن عبدالله بن الزبير قطع في درهم . وقول سابع : وهو أن اليد تقطع في كل ما له قيمة على ظاهر الآية ، هذا قول الخوارج ، وروي عن الحسن البصري ، وهي إحدى الروايات الثلاث عنه ، والثانية كما روي عن عمر ، والثالثة حكاها قتادة عنه أنه قال : تذاكرنا القطع في كم يكون على عهد زياد ؟ فاتفق رأينا على درهمين . وهذه أقوال متكافئة والصحيح منها ما قدمناه لك ، فإن قيل : قد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده ) وهذا موافق لظاهر الآية في القطع في القليل والكثير{[5541]} ، فالجواب أن هذا خرج مخرج التحذير بالقليل عن الكثير ، كما جاء في معرض الترغيب بالقليل مجرى الكثير في قوله عليه السلام : ( من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص{[5542]} قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ) . وقيل : إن ذلك مجاز من وجه آخر ، وذلك أنه إذا رضى بسرقة القليل سرق الكثير فقطعت يده . وأحسن من هذا ما قاله الأعمش وذكره البخاري في آخر الحديث كالتفسير قال : كانوا يرون أنه بيض الحديد ، والحبل كانوا يرون أنه منها ما يساوي دراهم . قلت : كحبال السفينة وشبه ذلك . والله أعلم .

الثانية : اتفق جمهور الناس على أن القطع لا يكون إلا على من أخرج من حرز ما يجب فيه القطع . وقال الحسن بن أبي الحسن : إذا جمع الثياب في البيت . وقال الحسن بن أبي الحسن أيضا في قول آخر مثل قول سائر أهل العلم فصار اتفاقا صحيحا . والحمد لله .

الثالثة : الحرز هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس ، وهو يختلف في كل شيء بحسب حاله على ما يأتي بيانه . قال ابن المنذر : ليس في هذا الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم ، وإنما ذلك كالإجماع من أهل العلم . وحكي عن الحسن وأهل الظاهر أنهم لم يشترطوا الحرز . وفي الموطأ لمالك عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي حسين المكي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا قطع في ثمر معلق{[5543]} ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين ، فالقطع فيما بلغ ثمن المجن ) قال أبو عمر : هذا حديث يتصل معناه من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص وغيره ، وعبدالله هذا ثقة عند الجميع ، وكان أحمد يثني عليه . وعن عبدالله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الثمر المعلق فقال : ( من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة{[5544]} فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه القطع ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة ) وفي رواية . ( وجلدات نكال ) بدل ( والعقوبة ) . قال العلماء : ثم نسخ الجلد وجعل مكانه القطع . قال أبو عمر : قول ( غرامة مثليه ) منسوخ لا أعلم أحد من الفقهاء قال به إلا ما جاء عن عمر في دقيق حاطب بن أبي بلتعة ، خرجه مالك ، ورواية عن أحمد بن حنبل . والذي عليه الناس في الغرم بالمثل ؛ لقوله تعالى : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم{[5545]} " [ البقرة : 194 ] . وروى أبو داود عن صفوان بن أمية قال : كنت نائما في المسجد على خميصة{[5546]} لي ثمن ثلاثين درهما ، فجاء رجل فاختلسها مني ، فأخذ الرجل فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به ليقطع ، قال : فأتيته فقلت أتقطع من أجل ثلاثين درهما ؟ أنا أبيعه وأنسئه ثمنها ، قال : ( فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به ) ؟ . ومن جهة النظر أن الأموال خلقت مهيأة للانتفاع بها للخلق أجمعين ، ثم الحكمة الأولية حكمت فيها بالاختصاص الذي هو الملك شرعا ، وبقيت الأطماع متعلقة بها ، والآمال محومة عليها ؛ فتكفها المروءة والديانة في أقل الخلق ، ويكفها الصون والحرز عن أكثرهم ، فإذا أحرزها مالك فقد اجتمع فيها الصون والحرز الذي هو غاية الإمكان للإنسان ، فإذا هتكا فحشت الجريمة فعظمت العقوبة ، وإذا هتك أحد الصونين وهو الملك وجب الضمان والأدب .

الرابعة : فإذا اجتمع جماعة فاشتركوا في إخراج نصاب من حرزه ، فلا يخلو ، إما أن يكون بعضهم ممن يقدر على إخراجه ، أولا إلا بتعاونهم ، فإذا كان الأول فاختلف فيه علماؤنا على قولين : أحدهما يقطع فيه ، والثاني لا يقطع فيه . وبه قال أبو حنيفة والشافعي ، قالا : لا يقطع في السرقة المشتركون إلا بشرط أن يجب لكل واحد من حصته نصاب ، لقوله صلى الله عليه وسلم{[5547]} : ( لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا ) وكل واحد من هؤلاء لم يسرق نصابا فلا قطع عليهم . ووجه القطع في إحدى الروايتين أن الاشتراك في الجناية لا يسقط عقوبتها كالاشتراك في القتل . قال ابن العربي : وما أقرب ما بينهما فإنا إنما قتلنا الجماعة بالواحد صيانة للدماء ؛ لئلا يتعاون على سفكها الأعداء ، فكذلك في الأموال مثله ، لا سيما وقد ساعدنا الشافعي على أن الجماعة إذا اشتركوا في قطع يد رجل قطعوا ولا فرق بينهما . وإن كان الثاني وهو مما لا يمكن إخراجه إلا بالتعاون فإنه يقطع جميعهم بالاتفاق من العلماء . ذكره ابن العربي .

الخامسة : فإن اشتركوا في السرقة بأن نقب واحد الحرز وأخرج آخر ، فإن كانا متعاونين قطعا . وإن انفرد كل{[5548]} منهما بفعله دون اتفاق بينهما ، بأن يجيء آخر فيخرج فلا قطع على واحد منهما . وإن تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإخراج فالقطع عليه خاصة . وقال الشافعي : لا قطع ؛ لأن هذا نقب ولم يسرق ، والآخر سرق من حرز مهتوك الحرمة . وقال أبو حنيفة : إن شارك في النقب ودخل وأخذ قطع . ولا يشترط في الاشتراك في النقب التحامل على آلة واحدة ، بل التعاقب في الضرب تحصل به الشركة .

السادسة : ولو دخل أحدهما فأخرج المتاع إلى باب الحرز فأدخل الآخر يده فأخذه فعليه القطع ، ويعاقب الأول . وقال أشهب : يقطعان . وإن وضعه خارج الحرز فعليه القطع لا على الآخذ ، وإن وضعه في وسط النقب فأخذه الآخر والتقت أيديهما في النقب قطعا جميعا .

السابعة : والقبر والمسجد حرز ، فيقطع النباش عند الأكثر . وقال أبو حنيفة : لا قطع عليه ؛ لأنه سرق من غير حرز ما معرضا للتلف لا مالك له ؛ لأن الميت لا يملك . ومنهم من ينكر السرقة ؛ لأنه ليس فيه ساكن ، وإنما تكون السرقة بحيث تتقى الأعين ، ويتحفظ من الناس ، وعلى نفي السرقة عول أهل ما وراء النهر . وقال الجمهور : هو سارق لأنه تدرع الليل لباسا واتقى الأعين ، وقصد وقتا لا ناظر فيه ولا ما عليه ، فكان بمنزلة ما لو سرق في وقت بروز الناس للعيد ، وخلو البلد من جميعهم . وأما قولهم : إن القبر غير حرز فباطل ؛ لأن حرز كل شيء بحسب حال الممكنة فيه . وأما قولهم : إن الميت لا يملك فباطل أيضا ؛ لأنه لا يجوز ترك الميت عاريا فصارت هذه الحاجة قاضية بأن القبر حرز . وقد نبه الله تعالى عليه بقول : " ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا " {[5549]} [ المرسلات : 25 - 26 ] ليسكن فيها حيا ، ويدفن فيها ميتا . وأما قولهم : إنه{[5550]} عرضة للتلف ، فكل ما يلبسه الحي أيضا معرض للتلف والإخلاق بلباسه ، إلا أن أحد الأمرين أعجل من الثاني ، وقد روى أبو داود عن أبي ذر قال : دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت{[5551]} فيه بالوصيف ) ، يعني القبر . قلت : الله ورسول أعلم قال : ( عليك بالصبر ) قال حماد : فبهذا قال من قال تقطع يد السارق ؛ لأنه دخل على الميت بيته .

وأما المسجد فمن سرق حصره قطع . رواه عيسى عن ابن القاسم ، وإن لم يكن للمسجد باب ، ورآها محرزة . وإن سرق الأبواب قطع أيضا . وروي عن ابن القاسم أيضا إن كانت سرقته للحصر نهارا لم يقطع ، وإن كان تسور عليها ليلا قطع ، وذكر عن سحنون إن كانت حصره خيط بعضها إلى بعض قطع ، وإلا لم يقطع . قال أصبغ : يقطع سارق حصر المسجد وقناديله وبلاطه ، كما لو سرق بابه مستسرا أو خشبة من سقفه أو من جوائزه{[5552]} . وقال أشهب في كتاب محمد : لا قطع في شيء من حصر المسجد وقناديله وبلاطه .

الثامنة : واختلف العلماء هل يكون غرم مع القطع أم لا ؟ فقال أبو حنيفة : لا يجتمع الغرم مع القطع بحال ؛ لأن الله سبحانه قال : " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله " ولم يذكر غرما . وقال الشافعي : يغرم قيمة السرقة موسرا كان أو معسرا ، وتكون دينا عليه إذا أيسر أداه ، وهو قول أحمد وإسحاق . وأما علماؤنا مالك وأصحابه فقالوا : إن كانت العين قائمة ردها ، وإن تلفت فإن كان موسرا غرم ، وإن كان معسرا لم يتبع دينا ولم يكن عليه شيء ، وروى مالك{[5553]} مثل ، ذلك عن الزهري ، قال الشيخ أبو إسحاق : وقد قيل إنه يتبع بها دينا مع القطع موسرا كان أو معسرا . قال : وهو قول غير واحد من علمائنا{[5554]} من أهل المدينة ، واستدل على صحته بأنهما حقان لمستحقين فلا يسقط أحدهما الآخر كالدية والكفارة ، ثم قال : وبهذا أقول . واستدل القاضي أبو الحسن للمشهور بقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أقيم على السارق الحد فلا ضمان عليه ) وأسنده في كتابه . وقال بعضهم : إن الإتباع بالغرم عقوبة ، والقطع عقوبة ، ولا تجتمع عقوبتان ، وعليه عول القاضي عبدالوهاب . والصحيح قول الشافعي ومن وافقه . قال الشافعي : يغرم السارق ما سرق موسرا كان أو معسرا ، قطع أو لم يقطع ، وكذلك إذا قطع الطريق . قال : ولا يسقط الحد لله ما أتلف للعباد ، وأما ما احتج به علماؤنا من الحديث ( إذا كان معسرا ) فبه احتج الكوفيون وهو قول الطبري ، ولا حجة فيه ، رواه النسائي والدارقطني عن عبدالرحمن بن عوف . قال أبو عمر : هذا حديث ليس بالقوي ولا تقوم به حجة ، وقال ابن العربي : وهذا حديث باطل . وقال الطبري : القياس أن عليه غرم ما استهلك . ولكن تركنا ذلك اتباعا للأثر في ذلك . قال أبو عمر : ترك القياس لضعيف الأثر غير جائز ؛ لأن الضعيف لا يوجب حكما .

التاسعة : واختلف في قطع يد من سرق المال من الذي سرقه ، فقال علماؤنا : يقطع . وقال الشافعي : لا يقطع ؛ لأنه سرق من غير مالك ومن غير حرز . وقال علماؤنا : حرمة المالك عليه باقية لم تنقطع عنه ، ويد السارق كلا يد ، كالغاصب لو سرق منه المال المغصوب قطع ، فإن قيل : اجعلوا حرزه بلا حرز ، قلنا : الحرز قائم والملك قائم ولم يبطل الملك فيه فيقولوا لنا أبطلوا الحرز .

العاشرة : واختلفوا إذا كرر السرقة بعد القطع في العين المسروقة ، فقال الأكثر : يقطع . وقال أبو حنيفة : لا قطع عليه . وعموم القرآن يوجب عليه القطع ، وهو يرد قوله . وقال أبو حنيفة أيضا في السارق يملك الشيء المسروق بشراء أو هبة قبل القطع ، فإنه لا يقطع ، والله تعالى يقول : " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " فإذا وجب القطع حقا لله تعالى لم يسقطه شيء .

الحادية عشرة : قرأ الجمهور " والسارق " بالرفع . قال سيبويه : المعنى وفيما فرض عليكم السارق والسارقة . وقيل : الرفع فيهما على الابتداء والخبر " فاقطعوا أيديهما " . وليس القصد إلى معين إذ لو قصد معينا لوجب النصب ، تقول : زيدا اضربه ؛ بل هو كقولك : من سرق فاقطع يده . قال الزجاج : وهذا القول هو المختار . وقرئ " والسارق " بالنصب فيهما على تقدير اقطعوا السارق والسارقة ، وهو اختيار سيبويه ؛ لأن الفعل بالأمر أولى . قال سيبويه رحمه الله تعالى : الوجه في كلام العرب النصب ، كما تقول : زيدا اضربه ؛ ولكن العامة أبت إلا الرفع ، يعني عامة القراء وجلهم ، فأنزل سيبويه النوع السارق منزلة الشخص المعين . وقرأ ابن مسعود " والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم " وهو يقوي قراءة الجماعة . والسرق والسرقة بكسر الراء فيهما هو اسم الشيء المسروق ، والمصدر من سرق سرقا بفتح الراء . قاله الجوهري . وأصل هذا اللفظ إنما هو أخذ الشيء في خفية من الأعين ، ومنه استرق السمع ، وسارقه النظر . قال ابن عرفة : السارق عند العرب هو من جاء مستترا إلى حرز فأخذ منه ما ليس له ، فإن أخذ من ظاهر فهو مختلس ومستلب ومنتهب ومحترس{[5555]} ، فإن تمنع{[5556]} بما في يده فهو غاصب .

قلت : وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته ) قالوا : وكيف يسرق صلاته ؟ قال : لا يتم ركوعها ولا سجودها ) خرجه الموطأ وغيره ، فسماه سارقا وإن كان ليس سارقا من حيث هو{[5557]} موضع الاشتقاق ، فإنه ليس فيه مسارقة الأعين غالبا .

الثانية عشرة : قوله تعالى : " فاقطعوا " القطع معناه الإبانة والإزالة ، ولا يجب إلا بجمع أوصاف تعتبر في السارق وفي الشيء المسروق ، وفي الموضع المسروق منه ، وفي صفته . فأما ما يعتبر في السارق فخمسة أوصاف : وهي البلوغ والعقل ، وأن يكون غير مالك للمسروق منه ، وألا يكون له عليه ولاية ، فلا يقطع العبد إن سرق من مال سيده ، وكذلك السيد إن أخذ مال عبده لا قطع بحال ؛ لأن العبد وماله لسيده . ولم يقطع أحد بأخذ مال عبده لأنه أخذ لماله ، وسقط قطع العبد بإجماع الصحابة وبقول الخليفة{[5558]} : غلامكم سرق متاعكم . وذكر الدارقطني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس على العبد الآبق إذا سرق قطع ولا على الذمي ) قال : لم يرفعه غير فهد بن سليمان ، والصواب أنه{[5559]} موقوف . وذكر ابن ماجة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا سرق العبد فبيعوه ولو بنش ){[5560]} أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبي هريرة ، قال ابن ماجة : وحدثنا جبارة بن المغلس حدثنا حجاج بن تميم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس ، أن عبدا من رقيق الخمس سرق من الخمس ، فرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه . وقال : ( مال اله سرق بعضه بعضا ) وجبارة بن المغلس متروك . قاله أبو زرعة الرازي . ولا قطع على صبي ولا مجنون . ويجب على الذمي والمعاهد ، والحربي إذا دخل بأمان . وأما ما يعتبر في الشيء المسروق فأربعة أوصاف ، وهي النصاب وقد مضى القول فيه ، وأن يكون مما يتمول ويتملك ويحل بيعه ، وإن كان مما لا يتمول ولا يحل بيعه كالخمر والخنزير فلا يقطع فيه باتفاق حاشا الحر الصغير عند مالك ، وابن القاسم ، وقيل : لا قطع عليه ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ؛ لأنه ليس بمال . وقال علماؤنا : هو من أعظم المال ، ولم يقطع السارق في المال لعينه . وإنما قطع لتعلق النفوس به ، وتعلقها بالحر أكثر من تعلقها بالعبد . وإن كان مما يجوز تملكه ولا يجوز بيعه كالكلب المأذون في اتخاذه ولحوم الضحايا ، ففي ذلك اختلاف بين ابن القاسم وأشهب . قال ابن القاسم : ولا يقطع سارق الكلب ، وقال أشهب : ذلك في المنهي عن اتخاذه ، فأما المأذون في اتخاذه فيقطع سارقه . قال : ومن سرق لحم أضحية أو جلدها قطع إذا كان قيمة ذلك ثلاثة دراهم . وقال ابن حبيب قال أصبغ : إن سرق الأضحية قبل الذبح قطع ، وأما إن سرقها بعد الذبح فلا يقطع . وإن كان مما يجوز اتخاذ أصله وبيعه ، فصنع منه ما لا يجوز استعمال كالطنبور والملاهي من المزمار والعود وشبهه من آلات اللهو فينظر ، فإن كان يبقى منها بعد فساد صورها وإذهاب المنفعة المقصودة بها ربع دينار فأكثر قطع . وكذلك الحكم في أواني الذهب والفضة التي لا يجوز استعمالها ويؤمر بكسرها فإنما يقوم ما فيها من ذهب أو فضة دون صنعة . وكذلك الصليب من ذهب أو فضة ، والزيت النجس إن كانت قيمته على نجاسته نصابا قطع فيه . الوصف الثالث : ألا يكون للسارق في ملك ، كمن سرق ما رهنه أو ما استأجره ، ولا شبهة ملك ، على اختلاف بين علمائنا وغيرهم في مراعاة شبهة ملك كالذي يسرق من المغنم أو من بيت المال ؛ لأن له فيه نصيبا . وروي عن علي رضي الله عنه أنه أتي برجل سرق مغفرا{[5561]} من الخمس فلم ير عليه قطعا وقال : له فيه نصيب . وعلى هذا مذهب الجماعة في بيت المال . وقيل : يجب عليه القطع تعلقا بعموم لفظ آية{[5562]} السرقة . وأن يكون مما تصح سرقته كالعبد الصغير والأعجمي الكبير ؛ لأن ما لا تصح سرقته كالعبد الفصيح فإنه . لا يقطع فيه . وأما ما يعتبر في الموضع المسروق منه فوصف واحد وهو الحرز لمثل ذلك الشيء المسروق . وجملة القول فيه أن كل شيء له مكان معروف فمكانه حرزه ، وكل شيء معه حافظ فحافظه حرزه ، فالدور والمنازل والحوانيت جرز لما فيها ، غاب عنها أهلها أو حضروا ، وكذلك بيت المال حرز لجماعة المسلمين ، والسارق لا يستحق فيه شيئا ، وإن كان قبل السرقة ممن يجوز أن يعطيه الإمام وإنما يتعين حق كل مسلم بالعطية ، ألا ترى أن الإمام قد يجوز أن يصرف جميع المال إلى وجه من وجوه المصالح ولا يفرقه في الناس ، أو يفرقه في بلد دون بلد آخر ويمنع منه قوما دون قوم ، ففي التقدير أن هذا السارق ممن لا حق له فيه . وكذلك المغانم لا تخلو : أن تتعين بالقسمة ، فهو ما ذكرناه في بيت المال ، وتتعين بنفس التناول لمن شهد الواقعة ، فيجب أن براعي قدر ما سرق ، فإن كان فوق حقه قطع وإلا لم يقطع{[5563]} .

الرابعة عشرة : وظهور الدواب حرز لما حملت ، وأفنية الحوانيت حرز لما وضع فيها في موقف البيع وإن لم يكن هناك حانوت ، كان معه أهله أم لا ، سرقت بليل أو نهار . وكذلك موقف الشاة في السوق مربوطة أو غير مربوطة ، والدواب على مرابطها محرزة ، كان معها أهلها أم لا ، فإن كانت الدابة بباب المسجد أو في السوق لم تكن محرزة إلا أن يكون معها حافظ ، ومن ربطها بفنائه أو اتخذ موضعا مربطا لدوابه فإنه حرز لها . والسفينة حرز لما فيها وسواء كانت سائبة أو مربوطة ، فإن سرقت السفينة نفسها فهي كالدابة إن كانت سائبة فليست بمحرزة ، وإن كان صاحبها ربط في موضع وأرساها فيه فربطها جرز ، وهكذا إن كان معها أحد حيثما كانت فهي محرزة ، كالدابة بباب المسجد معها حافظ ، إلا أن ينزلوا بالسفينة في سفرهم منزلا فيربطوها فهو حرز لها كان صاحبها معها أم لا .

الخامسة عشرة : ولا خلاف أن الساكنين في دار واحدة كالفنادق التي يسكن فيها كل رجل بيته على حدة ، يقطع من سرق منهم من بيت صاحبه إذا أخذ وقد خرج بسرقته إلى قاعة الدار شيئا وإن لم يدخل بها بيته ولا خرج بها من الدار .

ولا خلاف في أنه لا يقطع من سرق منهم من قاعة الدار شيئا وإن أدخله بيته أو أخرجه من الدار ؛ لأن قاعتها مباحة للجميع للبيع والشراء ، إلا أن تكون دابة في مربطها أو ما يشبهها من المتاع .

السادسة عشرة : ولا يقطع الأبوان بسرقة مال ابنهما ؛ لقوله عليه السلام : ( أنت ومالك لأبيك ) . ويقطع في سرقة مالهما ؛ لأنه لا شبهة له فيه . وقيل : لا يقطع ، وهو قول ابن وهب وأشهب ؛ لأن الابن ينبسط في مال أبيه في العادة ، ألا ترى أن العبد لا يقطع في مال سيده فأن لا يقطع ابنه في ماله أولى . واختلفوا في الجد ، فقال مالك وابن القاسم : لا يقطع . وقال أشهب : يقطع . وقول مالك أصح لأنه أب ، قال مالك : أحب إلى ألا يقطع الأجداد من قبل الأب والأم وإن لم تجب لهم نفقة . قال ابن القاسم وأشهب : ويقطع من سواهما من القرابات . قال ابن القاسم : ولا يقطع من سرق من جوع أصابه . وقال أبو حنيفة : لا قطع على أحد من ذوي المحارم مثل العمة والخالة والأخت وغيرهم ، وهو قول الثوري . وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق : يقطع من سرق من هؤلاء . وقال أبو ثور : يقع كل سارق سرق ما تقطع فيه اليد ، إلا أن يجمعوا على سيئ فيسلم للإجماع . والله أعلم{[5564]} .

السابعة عشرة : واختلفوا في سارق المصحف ، فقال الشافعي وأبو يوسف وأبو ثور : يقطع إذا كانت قيمته ما تقطع فيه اليد ، وبه قال ابن القاسم . وقال النعمان : لا يقطع من سرق مصحفا . قال ابن المنذر : يقطع سارق المصحف . واختلفوا في الطرار{[5565]} يطر النفقة من الكم ، فقالت طائفة : يقطع من طر من داخل الكم أو من خارج ، وهو قول مالك والأوزاعي وأبي ثور ويعقوب . قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وإسحاق : إن كانت الدراهم مصرورة في ظاهر كمه فطرها فسرقها لم يقطع ، وإن كانت مصرورة إلى داخل الكم فأدخل يده فسرقها قطع . وقال الحسن : يقطع . قال ابن المنذر : يقطع على أي جهة طر .

الثامنة عشرة : واختلفوا في قطع اليد في السفر ، وإقامة الحدود في أرض الحرب ، فقال مالك والليث بن سعد : تقام الحدود في أرض الحرب ولا فرق بين دار الحرب والإسلام . وقال الأوزاعي : يقيم من غزا على جيش - وإن لم يكن أمير مصر من الأمصار - الحدود في عسكره غير القطع . وقال أبو حنيفة : إذا غزا الجند أرض الحرب وعليهم أمير فإنه لا يقيم الحدود في عسكره ، إلا أن يكون إمام مصر أو الشام أو العراق أو ما أشبهه فيقيم الحدود في عسكره . استدل الأوزاعي ومن قال بقوله بحديث جنادة بن أبي أمية قال : كنا مع بسر بن أرطأة في البحر ، فأتي بسارق يقال له مصدر قد سرق بختية{[5566]} ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تقطع الأيدي في الغزو{[5567]} ) ولولا ذلك لقطعته . بسر هذا يقال{[5568]} ولد في زمن النبي صلى الله عليه . وسلم ، وكانت له أخبار سوء في جانب علي وأصحابه ، وهو الذي ذبح طفلين{[5569]} لعبدالله بن العباس ففقدت أمهما عقلها فهامت على وجهها ، فدعا عليه علي رضي الله عنه أن يطيل الله عمره ويذهب عقله ، فكان كذلك . قال يحيى بن معين : كان بسر بن أرطأة رجل سوء . استدل من قال بالقطع بالقطع بعموم القرآن ، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى . وأولى ما يحتج به لمن منع القطع في أرض الحرب والحدود : مخافة أن يلحق ذلك بالشرك . والله أعلم .

التاسعة عشرة : فإذا قطعت اليد أو الرجل فإلى أين تقطع . فقال الكافة : تقطع من الرسغ والرجل من المفصل ، ويحسم الساق إذا قطع . وقال بعضهم : يقطع إلى المرفق . وقيل : إلى المنكب ؛ لأن اسم اليد يتناول ذلك . وقال علي رضي الله عنه : تقطع الرجل من شطر القدم ويترك له العقب{[5570]} ؛ وبه قال أحمد وأبو ثور . قال ابن المنذر : وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقطع يد رجل فقال : ( احسموها ) وفي إسناده مقال ، واستحب ذلك جماعة منهم الشافعي وأبو ثور وغيرهما ، وهذا أحسن وهو أقرب إلى البرء وأبعد من التلف .

الموفية عشرين : لا خلاف أن اليمنى هي التي تقطع أولا ، ثم اختلفوا إن سرق ثانية ، فقال مالك وأهل المدينة والشافعي وأبو ثور وغيرهم : تقطع رجله اليسرى ، ثم في الثالثة يده اليسرى ، ثم في الرابعة رجله اليمنى ، ثم إن سرق خامسة يعزر ويحبس . وقال أبو مصعب من علمائنا : يقتل بعد الرابعة ، واحتج بحديث خرجه النسائي عن الحارث بن حاطب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلص فقال : ( اقتلوه ) فقالوا : يا رسول الله ، إنما سرق ، قال : ( اقتلوه ){[5571]} ، قالوا : يا رسول إنما سرق ، قال : ( اقطعوا يده ) ، قال : ثم سرق فقطعت رجله ، ثم سرق على عهد أبي بكر رضي الله عنه حتى قطعت قوائمه كلها ، ثم سرق أيضا الخامسة{[5572]} ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال : ( اقتلوه ) ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه ، منهم عبدالله بن الزبير وكان يحب الإمارة فقال : أمروني عليكم فأمروه عليهم ، فكان إذا ضرب ضرب حتى قتلوه . وبحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بسارق في الخامسة فقال : ( اقتلوه ) . قال جابر : فانطلقنا به فقتلناه ، ثم اجتررناه فرميناه في بئر ورمينا عليه الحجارة . رواه أبو داود وخرجه النسائي وقال : هذا حديث منكر وأحد رواته{[5573]} ليس بالقوي . ولا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا . قال ابن المنذر : ثبت عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما{[5574]} أنهما قطعا اليد بعد اليد والرجل بعد الرجل . وقيل : تقطع في الثانية رجله اليسرى ثم لا قطع في غيرها ، ثم إذا عاد عزر وحبس ، وروي عن علي بن أبي طالب ، وبه قال الزهري وحماد بن أبي سليمان وأحمد بن حنبل . قال الزهري : لم يبلغنا في السنة إلا قطع اليد والرجل . وقال عطاء : تقطع يده اليمنى خاصة ولا يعود عليه القطع : ذكره ابن العربي وقال : أما قول عطاء فإن الصحابة قالوا قبله خلافه .

الحادية والعشرون : واختلفوا في الحاكم يأمر بقطع يد السارق اليمنى فتقطع يساره ، فقال قتادة : قد أقيم عليه الحد ولا يزاد عليه ، وبه قال مالك : إذا أخطأ القاطع فقطع شماله ، وبه قال أصحاب الرأي استحسانا . وقال أبو ثور : على الحزاز{[5575]} الدية لأنه أخطأ وتقطع يمينه إلا أن يمنع بإجماع{[5576]} . قال ابن المنذر : ليس يخلو قطع يسار السارق من أحد معنيين : إما أن يكون القاطع عمد ذلك فعليه القود ، أو يكون أخطأ فديته على عاقلة القاطع ، وقطع يمين السارق يجب ، ولا يجوز إزالة ما أوجب الله سبحانه بتعدي معتد أو خطأ مخطئ . وقال الثوري في الذي يقتص منه في يمينه فيقدم شماله فتقطع ، قال : تقطع يمينه أيضا . قال ابن المنذر : وهذا صحيح . وقالت طائفة : تقطع يمينه إذا برئ ، وذلك أنه هو أتلف يساره ، ولا شيء على القاطع في قول أصحاب الرأي ، وقياس قول الشافعي . وتقطع يمينه إذا برئت . وقال قتادة والشعبي : لا شيء على القاطع وحسبه ما قطع منه .

الثانية والعشرون : وتعلق يد السارق في عنقه ، قال عبدالله بن محيريز سألت فضالة عن تعليق يد السارق في عنقه أمن السنة هو ؟ فقال : جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق فقطعت يده ، ثم أمر بها فعلقت في عنقه ، أخرجه الترمذي - وقال : حديث حسن غريب - وأبو داود والنسائي .

الثالثة والعشرون : إذا وجب حد السرقة فقتل السارق رجلا . فقال مالك : يقتل ويدخل القطع فيه . وقال الشافعي : يقطع ويقتل{[5577]} ؛ لأنهما حقان لمستحقين فوجب أن يوفى لكل واحد منهما حقه ، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى ، وهو اختيار ابن العربي .

الرابعة والعشرون : قوله تعالى : " أيديهما " لما قال " أيديهما " ولم يقل يديهما تكلم علماء اللسان{[5578]} في ذلك - قال ابن العربي : وتابعهم الفقهاء على ما ذكروه حسن ظن بهم{[5579]} - فقال الخليل بن أحمد والفراء : كل شيء يوجد من خلق الإنسان إذا أضيف إلى اثنين جمع تقول : هشمت رؤوسهما وأشبعت بطونهما ، و " إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما{[5580]} " [ التحريم : 4 ] ، ولهذا قال : " اقطعوا أيديهما " ولم يقل يدهما . والمراد فاقطعوا يمينا من هذا ويمينا من هذا . ويجوز في اللغة ، فاقطعوا يديهما وهو الأصل ، وقد قال الشاعر{[5581]} فجمع بين اللغتين :

ومهمهمين قَذَفَيْن مَرْتَيْن *** ظهراهما مثل ظهور الترسين

وقيل : فعل هذا لأنه لا يشكل . وقال سيبويه : إذا كان مفردا قد يجمع إذا أردت به التثنية ، وحكي عن العرب ؛ وضعا رحالهما . ويريد به{[5582]} رحلي راحلتيهما . قال ابن العربي : وهذا بناء على أن اليمين وحدها هي التي تقطع وليس كذلك ، بل تقطع الأيدي والأرجل ، فيعود قول " أيديهما " {[5583]} إلى أربعة وهي جمع في الاثنين ، وهما تثنية فيأتي الكلام على فصاحته ، ولو قال : فاقطعوا أيديهم لكان وجها ؛ لأن السارق والسارقة لم يرد بهما شخصين خاصة ، وإنما هما اسما جنس يعمان ما لا يحصى .

الخامسة والعشرون : قوله تعالى : " جزاء بما كسبا " مفعول من أجله ، وإن شئت كان مصدرا وكذا " نكالا من الله " يقال : نكلت به إذا فعلت به ما يوجب أن ينكل به عن ذلك الفعل " والله عزيز " لا يغالب " حكيم " فيما يفعله ؛ وقد تقدم .


[5538]:هو رجل من أهل اليمن أقطع اليد والرجل سرق عقدا لأسماء بنت عميس زوج أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقطع يده اليسرى.
[5539]:الحجفة بالتحريك: الترس، وقيل: هي من الجلود خاصة كالدرقة.
[5540]:حديث عائشة صحيح عند الإباضية مرفوع كما في مسند الربيع. وحديث المجن أيضا فيه عن أبي سعيد الخدري الآتي بأربعة دراهم إلا أن العمل بحديث عائشة.
[5541]:من ع.
[5542]:مفحص القطاة حيث تفرخ فيه من الأرض.
[5543]:الثمر المعلق: الثمر في الأشجار. وحريسة الجبل: ما يحرس بالجبل. والجرين: البيدر موضع يداس فيه البر وقد يكون للتمر والعنب.
[5544]:الخبنة: الحجزة في السراويل والوعاء يحمل فيه الشيء أيضا وما يحمل تحت الإبط.
[5545]:راجع ج 2 ص 354.
[5546]:الخميصة: ثوب خز أو صوف معلم، وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة.
[5547]:من ع و ج.
[5548]:في ج و هـ و ز و ك: كل واحد.
[5549]:راجع ج 19 ص 158.
[5550]:من ك و ج و ع.
[5551]:البيت هنا القبر. والوصيف الخادم غلاما كان أو جارية، والمعنى: أن الموت يكثر حتى يشتري موضع قبر بعيد.
[5552]:الجائز من البيت الخشبة التي تحمل خشب البيت، والجمع أجوزة وجوزان وجوائز.
[5553]:سقط "مالك" من ج و هـ و ك و ع.
[5554]:من ك.
[5555]:المحترس الذي يسرق حريسة الجبل.
[5556]:من ع.
[5557]:من ج.
[5558]:الخليفة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه- والسارق كان غلاما لعبد الله بن عمرو الحضرمي سرق مرآة لامرأته ثمنها ستون درهما.
[5559]:من ك.
[5560]:النش: (بفتح النون وتشديد الشين) عشرون درهما، ويطلق على النصف من كل شيء، فالمراد البيع ولو بنصف القيمة.
[5561]:المغفر (بكسر الميم): زرد ينسج على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة.
[5562]:من ع.
[5563]:كل الأصول لم تذكر الثالثة عشرة، إلا ك، ثم سقط منها التاسعة عشرة.
[5564]:في ك.
[5565]:الطرار: هو الذي يشق كم الرجل ويسل ما فيه، من الطر وهو القطع والشق.
[5566]:البختية: الأنثى من الجمال البخت، وهي جمال طوال الأعناق، واللفظة معربة.
[5567]:في التهذيب: وأسد الغابة "في السفر".
[5568]:من ج و ع.
[5569]:كذا في الأصول. وفي التهذيب، وأسد الغابة: قتل عبد الرحمن وقثم ابني عبيد الله بن العباس.
[5570]:العقب: مؤخر المقدم.
[5571]:من ك، هـ، ز.
[5572]:من ك، هـ ، ز.
[5573]:هو مصعب بن ثابت. "النسائي".
[5574]:من ع.
[5575]:في ك، ع: الجزار.
[5576]:في ج، ز، ك، هـ: إلا أن يمنع منه إجماع.
[5577]:من ع.
[5578]:في ج، ع: البيان.
[5579]:زاد ابن العربي "من غير تحقيق لكلامهم".
[5580]:راجع ج 18 ص 188.
[5581]:راجع ج 5 ص 73.
[5582]:من ج.
[5583]:كذا في الأصول إلا ا: فيعود قول مالك إلى أربعة.