الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (38)

قوله تعالى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ } : قراءةُ الجمهور بالرفعِ ، وعيسى بن عمر وابن أبي عبلة بالنصبِ ، ونُقِل عن أُبَي : " والسُّرَّقُ والسُّرَّقةُ " بضم السين وفتح الراء مشددتين . قال الخفاف : " وجَدْتُه في مُصحف أُبي كذلك " ومِمَّنْ ضبطَهما بما ذكرت أبو عمرو ، إلا أن ابن عطية جَعَل هذه القراءة تصحيفاً فإنه قال : " ويشبه أن يكون هذا تصحيفاً من الضابط ، لأنَّ قراءة الجماعة إذا كُتِبت : " والسارق " بغير ألف وافقت في الخط هذه " قلت : ويظهر توجيهُ هذا القراءة بوجه ظاهر وهو أن السُّرَّق جمع سارق ، فإنَّ فُعَّلاً يطَّرد جمعاً لفاعل صفةً نحو : ضارب وضُرَّب ، والدليل على أن المرادَ الجمعُ قراءةُ عبد الله : " والسارقون والسارقات " بصيغتي جمع السلامة ، فدلَّ على أن المرادَ الجمع ، إلا أنه يُشْكل علينا في هذا شيءٌ وهو أن فُعَّلاً يكون جمعَ فاعِل وفاعِله أيضاً ، تقول : " نساء ضُرَّب " كما تقول : " رجالٌ ضُرَّب " ولا يدخلون عليه تاء التأنيث حين يراد به الإِناث ، والسُّرَّقة هنا - كما رأيت - في هذه القراءة بتاء التأنيث حين أريد ب " فُعَّل " جمع فاعله ، فهو مُشْكل من هذه الجهة ، لا يقال : إن هذا التاء يجوز أن تكونَ لتأكيدِ الجمع ، لأنَّ ذلك محفوظٌ لا يقاس عليه نحو : " حِجارة " .

فأمَّا قراءةُ الجمهورِ ففيها وجهان ، أحدُهما- وهو مذهبُ سيبويه والمشهورُ من أقوالِ البصريين - أنَّ " السارقُ " مبتدأُ محذوفُ الخبر ، تقديره : " فيما يتلى عليكم - أو فيما فُرِضَ - " السارقُ " والسارقة ، أي حكمُ السارق ، ويكون قولُه : " فاقْطَعُوا " بياناً لذلك الحكمِ المقد‍َّر ، فما بعد الفاءِ مرتبطٌ بما قبلها ، ولذلك أُتِي بها فيه لأنه هو المقصودُ ، ولم يأتِ بالفاء لتُوُهِّم أنه أجنبي ، والكلام على هذا جملتان : الأولى خبرية ، والثانية أمريةٌ . والثاني - وهو مذهبُ الأخفش ، ونُقِل عن المبرد وجماعةُ كثيرة - أنه مبتدأُ أيضاً ، والخبر الجملة الأمرية من قوله : { فَاقْطَعُواْ } وإنما دَخَلَتِ الفاءُ في الخبر لأنه يُشْبه الشرطَ ، إذ الألف واللام فيه موصولة بمعنى الذي والتي ، والصفةُ صلتُها فيه في قوة قولك : " والذي سرق والتي سرقت فاقطعوا " وأجاز الزمخشري الوجهين ، ونسب الأول لسيبويه ، ولم يَنْسُبِ الثاني ، بل قال : " ووجهٌ آخر وهو أن يرتفعا بالابتداء ، والخبر " فاقطعوا " .

وإنما اختار سيبويه أنَّ خبرَه محذوف كما تقدَّم تقديرُه دون الجملة الطلبية بعده لوجهين ، أحدُهما : أنَّ النصبَ في مثله هو الوجه في كلام العرب نحو : " زيداً فاضربه " لأجلِ الأمر بعده ، قال سيبويه في هذه الآية : " الوجهُ في كلامِ العربِ النصبُ ، كما تقول : " زيداً فاضربه " ولكن أَبَت العامةُ إلا الرفعَ " والثاني : دخولُ الفاءِ في خبره ، وعنده أن الفاءَ لا تدخلُ إلا في خبر الموصول الصريح كالذي و " مَنْ " بشروط أُخَرَ ذكرْتُها في كتبي النحوية ؛ وذلك لأنَّ الفاءَ إنما دخلت لشبه المبتدأ بالشرط ، واشتَرطوا في صلتِه أَنْ تصلح لأداة الشرط من كونها جملةً فعلية مستقبلة المعنى ، أو ما يقوم مقامَها من ظرفٍ وشبهه ، ولذلك إنها إذا لم تصلح لأداةِ الشرط لم يَجُزْ دخولُ الفاء في الخبر ، وصلةُ " أل " لا تصلح لمباشرة أداةِ الشرط فلذلك لا تدخُلُ الفاءُ في خبرها ، وأيضاً ف " أل " وصلتُها في حكمِ اسمٍ واحدٍ ولذلك تَخَطَّاها الإِعرابُ .

وأمَّا قراءةُ عيسى بن عمر وإبراهيم فالنصبُ بفعلٍ مضمر يفسِّره العامل في سببِّيهما نحو : " زيداً فأكرم أخاه " والتقدير : فعاقبوا السارق والسارقة ، تقدِّره فعلاً من معناها نحو : " زيداً ضربْتُ غلامه " أي : أهنتُ زيداً ، ويجوز أن يقدَّرَ العاملُ موافقاً لفظاً لأنه يُساغ أَنْ يقال : " قطعت السارق " وهذه قراءةٌ واضحةٌ لمكانِ الأمر بعد الاسم المشتغل عنه .

قال الزمخشري " وفَضَّلها سيبويه على قراءة العامة لأجل الأمر ؛ لأنَّ " زيداً فاضربه " أحسنُ مِنْ " زيدٌ فاضربه " وفي نقله تفضيلَ النصب على قراءة العامة نظر ، ويظهر ذلك بنصِّ سيبويه ، قال سيبويه : " الوجه في كلام العرب النصبُ كما تقول : " زيداً اضربه " ولكن أَبت العامة إلا الرفعَ " ، وليس في هذا ما يقتضي تفضيلَ النصب ، بل معنى كلامه أن هذه الآية ليست في الاشتغال في شيء ، إذ لو كانت من باب الاشتغال لكن الوجهُ النصبَ ، ولكن لم يَقْرأها الجمهورُ إلا بالرفع ، فدلَّ على أن الآية محمولةٌ على كلامَيْنِ كما تقدَّم ، لا على كلامٍ واحدٍ ، وهذا ظاهرٌ .

وقد ردَّ الفخر الرازي على سبيويه بخمسة أوجه ، وذلك أنه فَهم كما فهم صاحب " الكشاف " من تفضيل النصب ، قال الفخر الرازي ، " الذي ذهبَ إليه سيبويه ليس بشيء ، ويدلُّ على فساده وجوهٌ ، الأول : أنه طعن في القراءة المتواترة المنقولةِ عن الرسول وعن أعلام الأمة ، وذلك باطلٌ قطعاً ، فإن قال سيبويه : لا أقول إن القراءة بالرفع غير جائزة ، ولكني أقول : القراءةُ بالنصب أَوْلى ، فنقول : رديء أيضاً لأنَّ ترجيحَ قراءةٍ لم يقرأ بها إلا عيسى بن عمر على قراءةِ الرسول وجميعِ الأمة في عهد الصحابة والتابعين أمرٌ منكرٌ وكلامٌ مردودٌ . الثاني : لو كانت القراءةُ بالنصبِ أَوْلى لوجَبَ أن يكونَ في القراء مَنْ يقرأ { واللذان يأتيانِها منكم فآذوهما } بالنصب ، ولمَّا لم يوجد في القُرَّاء مَنْ يقرأ كذلك عَلِمْنا سقوطَ هذه القول . الثالث : أنَّا إذا جعلنا " السارق والسارقة " مبتدأً وخبرُه مضمرٌ وهو الذي يقدِّره : " فيما يتلى عليكم " بقي شيء آخر تتعلَّق به الفاء في قوله : { فَاقْطَعُواْ } فإنْ قال : الفاء تتعلق بالفعل الذي دلَّ عليه قولُه : " والسارق والسارقة " يعني أنه إذا أتى بالسرقة فاقطعوا يده ، فنقول : إذا احتجت في آخر الأمر [ أن تقول ] : السارق والسارقة [ تقديرُه ] : مَنْ سرق ، فاذكر هذا أولاً حتى لا تحتاج إلى الإِضمار الذي ذكرته .

الرابع : أنَّا إذا اختَرْنا القرءاةَ بالنصب لم تدلَّ على أنَّ السرقةَ علةٌ لوجوب القطع ، وإذا اخترنا القراءةَ بالرفع افادت الآيةُ هذا المعنى ، ثم إنَّ هذا المعنى متأكدٌ بقوله : { جَزَآءً بِمَا كَسَبَا } فثبت أنَّ القراءةَ بالرفعِ أَوْلى . الخامس : أن سيبويه قال : " وهم يقدِّمون الأهمَّ والذي هم ببيانِه أَعْنى " فالقراءةُ بالرفعِ تقتضي تقديمَ ذِكْرِ كونه سارقاً على ذِكْرِ وجوب القطع ، وهذا يقتضي أن يكون أكبر العناية مصروفاً إلى شرح ما يتعلق بحال السارق من حيث إنه سارق ، وأما القراءة بالنصب فإنها تقتضي أن تكونَ العنايةُ بيان القطع أتمَّ من العناية بكونه سارقاً ، ومعلوم أنه ليس كذلك فإن المقصود في هذه الآية تقبيحُ السرقة والمبالغةُ في الزجر عنها ، فثبت أن القراءة بالرفع هي المتعينة " انتهى ما زعم أنه ردُّ على إمام الصناعة .

والجوابُ عن الوجه الأول ما تقدَّم جواباً عما قاله الزمخشري ، وقد تقدم ، ويؤيده نص سيبويه فإنه قال : " وقد يَحْسُن ويستقيم : " عبدُ الله فاضربه " إذا كان مبنياً على مبتدأ مُظْهَرٍ أو مضمر ، فأمَّا في المُظْهَرِ فقولُه : " هذا زيدٌ فاضرِبْه " وإن شئت لم يظهر هذا ويعمل كعمله إذا كان مظهراً ، وذلك قولك : " الهلالُ واللَّهِ فانظرْ إليه " فكأنك قلت : " هذا الهلال " ثم جئت بالأمر ، ومن ذلك قولُ الشاعر :

وقائلةٍ : خَوْلانُ فانكِحْ فتاتَهُمْ *** وأُكْرومةُ الحَيَّيْنِ خِلْوٌ كما هِيا

هكذا سُمع من العربِ تُنْشدُه " يعني برفع " خولان فمع قوله : " يحسن ويستقيم " كيف [ يكونُ ] طاعناً في الرفع ؟ وقولُه : " فإنْ قال سيبويه إلى آخره " فسيبويه لا يقول ذلك ، وكيف يقوله وقد رجَّح الرفعَ بما أوضحته ، وقوله : " لم يقرأ بها إلا عيسى " ليس كما زعم ، بل قرأ بها جماعة كإبراهيم ابن أبي عبلة ، وأيضاً فهؤلاء لم يَقْرَؤُوها من تلْقاء أنفسِهم ، بل نقلوها إلى أن تتصل بالرسول صلى الله عليه وسلم ، غايةُ ما في الباب أنها ليست في شهرة الأولى . وعن الثاني : أن سيبويه لم يَدَّعِ ترجيحَ النصبِ حتى يُلْزمَ بما قاله ، بل خَرَّج قراءة العامة على جملتين ، لِما ذكرت لك فيما تقدم من دخول الفاء ، ولذلك لمَّا مَثَّل سيبويه جملةَ الأمرِ والنهي بعد الاسمِ مثَّلهما عاريتين من الفاء ، قال : " وذلك قولك : " زيداً اضربْه " " وعمراً امرُرْ به " وعن الثالث : ما تقدم من الحكمةِ المقتضية للمجيء بالفاء وكونها رابطة للحكم بما قبله ، وعن الرابع : بالمنع أن يكون بين الرفع والنصب فَرْقٌ بأنَّ الرفعَ يقتضي العلةَ ، والنصبَ لا يقتضيه ، وذلك أن الآية من باب التعليل بالوصفِ المُرَتَّب عليه الحكمُ ، ألا ترى أن قولك : " اقطع السارق " يفيد العلةَ ، أي : إنه جَعَلَ علةً القطعِ اتصافَه بالسرقةِ ، فهذا يشعر بالعلةِ مع التصريحِ بالنصبِ ، وعن الخامس : انهم يُقَدِّمون الأهمَّ حيث اختلفت النسبَةُ الإِسناديةُ كالفاعِل مع المفعولِ ، وَلْنَسْرُدْ نصَّ سيبويه ليتبيِّن ما ذكرناه ، قال سيبويه : " فإنْ قَدَّمْتَ [ المفعول ] وأخَّرت الفاعلَ جرى اللفظُ كما جرى في الأول " يعني في : " ضرب عبدُ الله زيداً " قال : " وذلك : ضرب زيداً عبدُ الله ، لأنك إنما أردت به مؤخراً ما أردت به مقدماً ، ولم تُرِد أن يشتغل الفعلُ بأولَ منه وإن كان مؤخراً في اللفظ ، فمِن ثَمَّ كان حَدُّ اللفظِ أن يكونَ فيه مقدماً وهو عربي جيدٌ كثير ، كأنهم يُقَدَّمون الذي بيانُه اهمُّ لهم ، وهم ببيانِه أَعْنَى ، وإن كانا جميعاً يُهِمَّانِهم ويَعْنِيانهم " والآية الكريمة ليست من ذلك .

قوله : { أَيْدِيَهُمَا } جمعٌ واقعٌ موقعَ التثنيةِ لأمْنِ اللَّبْس ، لأنه معلومٌ أنه يُقْطَعُ مِنْ كلِّ سارقٍ يمينه ، فهو من باب { صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [ التحريم : 4 ] ، ويدل على ذلك قراءةُ عبد الله : " فاقطعوا أيمانَهما " واشترط النحويون في وقوعِ الجمع موقعَ التثنية شروطاً ، ومن جملتها : ان يكون ذلك الجزءُ المضافُ مفرداً من صاحبِه نحو : " قلوبكما " و " رؤوس الكبشين " لأمن الإِلباس بخلافِ العينين واليدين والرجلين ، لو قلت : " فَقَأْتُ أعينَهما " / وأنت تعني عينيهما ، و " كَتَّفْتُ أيديَهما " وأنت تعني " يديهما " لم يَجُزْلِلَّبْسِ ، فلولا أنَّ الدليل دَلَّ على أن المراد اليدان اليمنيان لَما ساعَ ذلك ، وهذا مستفيضٌ في لسانهم - أعني وقوعَ الجمعِ موقعَ التثنيةِ بشروطِه - قال تعالى : { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [ التحريم : 4 ] .

وَلْنذكر المسألةَ فنقول : كلُّ جزأين أضيفا إلى كُلَّيْهما لفظاً أو تقديراً وكانا مفردَيْنِ من صاحبيهما جازَ فيهما ثلاثةُ أوجهٍ : الأحسنُ الجمعُ ، ويليه الإِفرادُ عند بعضِهم ، وليله التثنيةُ ، وقال بعضُهم : الأحسنُ الجمعُ ثم التثينةُ ثم الإِفرادُ نحو : " قَطَعْتُ رؤوسَ الكبشين ورأسَ الكبشين ورأسَيْ الكبشين " ، قال :

ومَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنْ *** ظهراهُما مثلُ ظهورِ التُّرْسَيْنْ

فقولي : " جزآن " تَحَرُّزٌ من الشين المنفصلين ، لو قلت : قبضت دارهمكما " تعني : دِرْهميكما لم يَجُزْ لِلَّبْس ، فلو أُمِنَ جاز كقوله : اضرباه باسيافِكما " " إلى مضاجعكما " وقولنا " أُضيفا " تحرُّزٌ من تفرُّقهما كقوله : { عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } [ المائدة : 78 ] ، وقولنا " لفظاً مثالُه : فإنَّ الإِضافةَ فيه لفظيةٌ . وقولُنا " أو تقديراً " نحو قوله :

رأيت بني البكري في حومة الوغى *** كاغِرَي الأفواهِ عند عَرِين

فإنَّ تقديره : كفاغري أفواهما . وقولنا " مفردين " تحرزٌ من العينين ونحوهما : إنما اختير الجمع على التثنية وإن كانت الأصل لاستثقال توالي تثنيتين ، وكان الجمعُ أولى من المفرد لمشاركةِ التثنيةِ في الضم ، وبعده المفردُ لعدم الثقل ، هذا عند بعضِهم قال : " لأنَّ التثنيةَ لم تَرِدْ إلا ضرورةً كقوله :

هما نَفَثا في فِيَّ مِنْ فَمَوَيْهِما *** على النابحِ العاوي أشدَّ رِجامِ

بخلافِ الإِفراد فإنه وَرَدَ في فصيحِ الكلامِ ، ومنه : " مَسَح أذنيه ظاهرَهما وباطنَهما " . وقال بعضُهم : " الأَحسنُ الجمعُ ثم التثنيةُ ثم الإِفراد كقوله :

حمامةَ بطنِ الواديَيْن تَرَنَّمي *** سَقاكِ من الغُرَِّ الغوادِي مطيرُها

وقال الزمخشري : " أيديهما : يديهما ، ونحوه : { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [ التحريم : 4 ] اكتفى بتثنيةِ المضاف إليه عن تثنيةِ المضاف ، وأريد باليدين اليُمْنَيان ، بدليلِ قراءة عبد الله : " والسارقون والسارقات فقطعوا أَيْمانهم " وردَّ عليه الشيخ بأنهما ليسا بشيئين ، فإنَّ النوعَ الأول مطردٌ فيه وضعُ الجمعِ موضعَ التثينةِ ، بخلافِ الثاني فإنه لا ينقاس ، لأن المتبادَرَ إلى الذهن من قولك : " قَطَعْتُ آذانَ الزيدين : أربعة الآذان " وهذا الردُّ ليس بشيءٍ لأنَّ الدليلَ دَلَّ على أن المراد اليمنيان .

قوله : { جَزَآءً } فيه أربعة أوجه ، أحدها : أنه منصوب على المصدر بفعلٍ مقدر أي : جازوهما جزاءً . الثاني : أنه مصدر أيضاً لكنه منصوب على معنى نوع المصدر ، لأنه قوله : " فاقطعوا " في قوة : جازُوهما بقطع الأيدي جزاء " الثالث : أنه منصوب على الحال ، وهذه الحالُ يُحْتمل أن تكونَ من الفاعل أي : مُجازِين لهما بالقطع بسببِ كسبِهما ، وأن تكونَ من المضافِ إليه في " أيديهما " أي : في حالِ كونها مجازَيْن ، وجاز مجيءُ الحالِ من المضاف إليه لأن المضاف جزؤه كقوله :

{ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً } [ الحجر : 47 ] . الرابع : أنه مفعولٌ من أجله أي : لأجلِ الجزاءِ ، وشروطُ النصبِ موجودةٌ . و " نَكالاً " منصوبٌ كما نُصِب " جزاء " ولم يذكر الزمخشري فيهما غيرَ المفعولِ من أجله . قال الشيخ : " تَبع في ذلك الزجاج " ثم قال : " وليس بجيدٍ ، إلاَّ إذا كان الجزاءُ هو النَّكالَ فيكون ذلك طريق البدلِ ، وأما إذا كان متباينين فلا يجوز ذلك إلى بوساطة حرف العطف " قلت : النكالُ نوعٌ من الجزاء فهو بدل منه ، [ على أن الذي ينبغي أن يُقال هنا إن " جزاء " مفعول من أجله ، العاملُ فيه ] " فاقطعوا " فالجزاءُ علةٌ للأمر بالقطع ، و " نَكالاً " مفعول من أجله أيضاً ، العاملُ فيه " جزاء " والنكال علة للجزاء ، فتكون العلة معللةً بشيء آخرَ فتكونُ كالحال المتداخلة ، كما تقول : " ضربته تأديباً له إحساناً إليه " فالتأديبُ علةٌ للضرب والإِحسان علة للتأديب ، وكلامُ الزمخشري والزجاج قبله لا يُنافي ما ذكرته ، فإِنه لا منافاة بين هذا وبين قولهما " جزاء " مفعولٌ من أجله ، وكذلك " نكالاً " فتأمَّلْه ، فإنه وجه حسن ، فطاحَ الاعتراضُ على الزمخشري والزجاج ، والتفصيلُ المذكورُ في قوله : " إلا إذا كان الجزاءُ هو النكال " ثم ظَفِرت بعد ذلك بأنه يجوز في المفعول له أن يَنْصِبَ مفعولاً له آخرَ [ يكون علة ] فيه ، وذلك أنَّ المُعْرِبين أجازوا في قوله تعالى { أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ اللَّهُ بَغْياً } [ البقرة : 90 ] أن يكون " بغياً " مفعولاً له ، ثم ذكروا في قوله : " أَنْ يُنَزِّل ا لله " أنه مفعول له ناصبه " بغياً " فهو علةٌ له ، صَرَّحوا بذلك فظهر ما قلت ؟ و " بما " متعلق ب " جزاء " و " ما " يجوز أن تكون مصدرية أي : بكسبِهما ، وأن تكونَ بمعنى الذي ، والعائدُ محذوفٌ لاستكمال الشروطِ أي : بالذي كَسَباه ، والباء سببية .