التفسير الميسر لمجموعة من العلماء - التفسير الميسر [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا} (20)

{ وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ( 20 ) }

وما أرسلنا قبلك - يا محمد - أحدًا مِن رسلنا إلا كانوا بشرًا ، يأكلون الطعام ، ويمشون في الأسواق . وجعلنا بعضكم- أيها الناس- لبعض ابتلاء واختبارًا بالهدى والضلال ، والغنى والفقر ، والصحة والمرض ، هل تصبرون ، فتقوموا بما أوجبه الله عليكم ، وتشكروا له ، فيثيبكم مولاكم ، أو لا تصبرون فتستحقوا العقوبة ؟ وكان ربك - يا محمد - بصيرًا بمن يجزع أو يصبر ، وبمن يكفر أو يشكر .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا} (20)

ثم تعود السورة مرة أخرى إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى الرد على شبهات أعدائه فتقول : { وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ . . . } .

أى : وما أرسلنا قبلك - أيها الرسول الكريم - أحدا من رسلنا ، إلا وحالهم وشأنهم أنهم يأكلون الطعام الذى يأكله غيرهم من البشر . ويمشون فى الأسواق كما يمشى غيرهم من الناس ، طلبا للرزق .

وإذاً فقول المشركين فى شأنك " مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق " قول يدل على جهالاتهم وسوء نياتهم فلا تتأثر به ، ولا تلتفت إليه ، فأنت على الحق وهم على الباطل .

وقوله - تعالى - : { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } بيان لسنة من سنن الله - تعالى - فى خلقه ، اقتضتها حكمته ومشيئته .

أى : اختبرنا بعضكم ببعض ، وبلونا بعضكم ببعض ، ليظهر قوى الإيمان من ضعيفه ، إذ أن قوى الإيمان لتصديقه بقضاء الله وقدره يثبت على الحق ويلتزم بما أمره الله - تعالى - به ، أما ضعيف الإيمان فإنه يحسد غيره على ما آتاه الله - تعالى - من فضله . كما حسد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم على منصب النبوة الذى أعطاه الله - تعالى - إياه { وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ } قال القرطبى : قوله - تعالى - : { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ } أى : إن الدنيا دار بلاء وامتحان ، فأراد - سبحانه - أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم فى جميع الناس ، فالصحيح : فتنى للمريض . والغنى : فتنة للفقير . . ومعنى هذا ، أن كل واحد مختبر بصاحبه ، فالغنى ممتحن بالفقير ، فعليه أن يواسيه ولا يسخر منه ، والفقير ممتحن بالغنى ، فعليه أن لا يحسده . ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه ، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق . . والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار فى عصره . . . فالفتنة : أن يحسد المبتلَى المعافَى . والصبر : أن يحبس كلاهما نفسه ، هذا عن البطر وذاك عن الضجر .

والاستفهام فى قوله - تعالى - : { أَتَصْبِرُونَ } للتقرير أى : أتصبرون على هذا الابتلاء والاختبار فتنالوا من الله - تعالى - الأجر ، أم لا تصبرون فيزداد همكم وغمكم ؟

ويصح أن يكون الاستفهام بمعنى الأمر . أى : اصبروا على هذا الابتلاء كما فى قوله - تعالى - : { . . . وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب والأميين أَأَسْلَمْتُمْ . . . } أى : أسلموا . . . وكما فى قوله - سبحانه - : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } أى : انتهوا عن الخمر والميسر .

ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } أى : وكان ربك أيها - الرسول الكريم - بصيرا بأحوال النفوس الطاهرة والخفية ، وبتقلبات القلوب وخلجاتها . فاصبر على أذى قومك ، فإن العاقبة لك ولأتباعك المؤمنين .

فهذا التذييل فيه ما فيه من التسلية والتثبيت لفؤاد النبى صلى الله عليه وسلم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا} (20)

قوله تعالى : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا ( 20 ) } .

جملة ( إلا أنهم ليأكلون ) في محل نصب صفة لمفعول محذوف تقديره : وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين . وقيل : الجملة في محل نصب على الحال . والتقدير : إلا وإنهم . فقدرت معها الواو بيانا للحالية .

وقد كسرت إن ، لوجود اللم في خبرها{[3310]} .

وذلك احتجاج على المشركين الخاطئين بزعمهم أن الرسول لا يأكل كما يأكلون ولا يمشي في الأسواق متكسبا متجرا كما يمشون . وهو كذلك تسلية من الله لرسوله ( ص ) ؛ إذ يخبره أن النبيين الذين أرسلهم من قبله لهداية الناس ما كانوا إلا بشرا يأكلون الطعام كما يأكل الناس ، ويمشون في الأسواق طلبا للرزق والمعاش كما يفعل الناس . فليس في ذلك ما يثير التعجب أو الاستهجان . فالنبيون من جنس البشر يأكلون كما يأكلون وينامون كما ينامون ، ويموتون كما يموتون . لكنهم مع صفاتهم الآدمية هذه ؛ فإنهم أناس أفذاذ مصطفون مميزون بخصائص جليلة فيها من عظيم السمات النفسية والروحية والخلقية ما لا يبلغ دون معشاره البشر .

إن النبيين والمرسلين قد أوتوا من حظوظ الكمال الخلقي والخلقي ، والجمال الروحي والفطري ما يسمو بهم فوق مستويات الناس كافة ؛ فهم بذلك أخيار وأبرار وأطهار قد اصطفاهم الله على العالمين . بما بث في كينونتهم وفطرتهم من رسوخ الإيمان والتقوى ، وجلال الطبع الرهيف الرفاف ، بما ينبغي القطع في يقين أن هؤلاء نخبة مختارة مصطفاة للوحي والرسالة .

قوله : ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ) الفتنة ، البلاء والمحنة . وهذا تصبير لرسول الله ( ص ) على ما قاله المشركون واستهجنوه من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعد أن احتج الله عليهم بسائر المرسلين ؛ إذا كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وهم مرسلون من ربهم لهداية الناس .

على أن الحقيقة الراسخة هنا هي جعل الله الناس بعضهم لبعض فتنة . فقد ابتلى بعضهم ببعض . كما ابتلى أو امتحن الفقراء بالأغنياء ، والمرضى بالأصحاء ، والأغنياء بأولي الفطانة الأذكياء ، ابتلى العلماء بالجهلاء ، مثلما ابتلى النبيين المرسلين الذين بعثهم الله لهداية الناس ، ولإخراجهم من ظلام الباطل والضلال إلى نور الحق واليقين والفضيلة –ابتلاهم الله بالذين أرسلوا إليهم من الأمم الضالة الفاسقة الذين اسكتبروا وأعرضوا عن دين الله فناصبوا رسلهم العداء وآذوهم شر إيذاء ، ووضعوا في طريقهم الأشواك والمعوقات . لا جرم أن ذلك ابتلاء من الله امتحن به عباده الأبرار من النبيين والمرسلين .

وكذلك الذين يدعون إلى الله مخلصين على بصيرة ؛ فإنهم يصطدمون غالبا في طريقهم بالمثبطين المعوقين من الناس الذي يروق لهم العيش في الفسق والفحش والرذيلة ، والذين لا يرغبون لمنهج الله أن يشيع أو يذيع . أولئك شرار الناس الذين مردت نفوسهم على الهوى والباطل والتلبس بالكفر والعصيان ، وقد ابتلى الله بهم المصلحين من المسلمين الذين يأمرون الناس بالمعروف وينهونهم عن المنكر . وبذلك فإن الناس ، بعضهم لبعض فتنة ، فما من أحد في الغالب إلا هو فتنة لغيره . القوي فتنة للضعيف ، والطيب فتنة للخبيث ، والنشيط فتنة للعاجز المتثاقل ، والمحسود فتنة للحسود . فكل مفتون بغيره . والمفلح من نجاه الله من الفتنة ودفع عنه أذى الأشرار وجعله من الصابرين الأخيار . جعلنا الله بفضله ورحمته منهم .

قوله : ( أتصبرون ) الاستفهام بمعنى الأمر ؛ أي اصبروا . أو أتصبرون على هذه الفتنة فتؤجروا أم لا تصبرون فتزدادوا اغتماما ؟ على أن هذه الجملة الاستفهامية ذات الإيقاع الخاص المؤثر ، تتضمن من التحريض على الصبر ما يكشف عن الأهمية البالغة لهذه الخصلة الفضلى وهي الصبر . ويكشف عن درجة التكريم التي يحتلها الصابرون على البلاء والمحن من أذى الأشرار ، وسفه الجاهلين ، وحسد الحاسدين ، ونحو ذلك من ضروب المحن .

قوله : ( وكان ربك بصيرا ) الله عليم بأحوال الناس وبما يستكن في قلوبهم من مختلف الطوايا والمقاصد . وعليم بالذين يصبرون على البلايا والمحن مما يكيده لهم الظالمون على اختلاف صفاتهم ، ويعلم الذين لا يصبرون فيجزعون عند مواجهة الفتن .


[3310]:- الدر المصون جـ8 ص 469.