غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ} (56)

32

وحين خوّفهم بالعذاب حكى عنهم أنهم بتقدير نزول العذاب ماذا يقولون ؟ فذكر ثلاثة أنواع من الكلمات : الأوّل أن تقول والتقدير أنذرناكم العذاب المذكور كراهة أن تقول أو لئلا . تقول . قال جار الله : إنما نكرت نفس لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر ، أو نوع من الأنفس متميزة بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم . وجوز أن يكون التنكير لأجل التكثير كقوله " رب وفد أكرمته " . { يا حسرتا على ما فرّطت } أي قصرت . والتفريط إهمال ما ينبغي أن يقدّم { في جنب الله } واعلم أن بعض أهل التجسيم يحكمون بورود هذا اللفظ على إثبات هذا العضو لله سبحانه ولا يدري أنه بعد التسليم لا معنى للتفريط فيه ما لم يصر إلى التأويل . والصحيح ما ذهب إليه علماء البيان أن هذا من باب الكناية ، لأنك إذا أثبت الشيء في مكان الرجل وحيزه وجانبه وناحيته فقد أثبته كقوله :

إن السماحة والمروءة والندى *** في قبة ضربت على ابن الحشرج

وتقول : لمكانك فعلت كذا . أي لأجلك . وفي الحديث " من الشرك الخفي أن يصلى الرجل لمكان الرجل " ولا بد من تقدير مضاف سواء ذكر الجنب أو لم يذكر ، وللمفسرين فيه عبارات . قال ابن عباس : أي ضيعت من ثواب الله . وقال مقاتل : ضيعت من ذكر الله . وقال مجاهد : في أمر الله . وقال الحسن : في طاعة الله . وعن سعيد بن جبير : في حق الله . وقيل : في قرب الله من الجنة من قوله { والصاحب بالجنب } [ النساء : 36 ] وقال ابن جبير : في جانب هدى الله لأن الطريق متشعب إلى الهدى والضلال فكل واحد جانب وجنب . والتحقيق في المسألة أن الشيء الذي يكون من لوازم الشيء ومن توابعه كأنه حدّ من حدوده وجانب من جوانبه ، فلما حصلت المشابهة بين الجنب الذي هو العضو وبين ما يكون لازماً للشيء وتابعاً له ، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب في الآية على أحد هذه المضافات . قال الشاعر وهو سابق البربري :

أما لتقين الله في جنب عاشق . *** له كبد حرّى عليك تقطع ؟

ثم زاد في التحسر بقوله { وإن كنت لمن الساخرين } أي المستهزئين بالقرآن والنبي والمؤمنين . " إن " مخففة ، واللام فارقة ، والواو تحتمل العطف والحال . قال قتادة . لم يكفه ما ضيع من أمر الله حتى سخر من المصدّقين .

/خ75