تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (29)

ثم بيّن الله في الآية للناس نعمة أخرى مترتبةً على خلْقهم وإيجادهم ، وهي أنه هو الذي تفضل على الخَلق ، فخلَق لمنفعتهم كل هذه النعم الموجودة في الأرض ، توجهت إرادته إلى السماء ، فجعل منها سبع سماوات منتظمات ، فيها ما ترون أيها الناس ، وما لا ترون ، والله محيط بكل شيء .

ولكلمة «استوى » عدة معانٍ ، فيقال : استوى الشيء أي ، اعتدل ، وسوّيت الشيءَ فاستوى : عدلته فاعتدل ، واستوى الطعام : نضح ، والعود : استقام ، والرجل : انتهى شبابه وبلغ أشُدَّه واستقام أمره . واستوى على دابّته : استقر ، وعلى سرير الملك : جلس واستولى عليه ، واستوى إلى الشيء : قصد .

يصح أن يراد بِ «سَبْع سماواتٍ » الطبقات المختلفة لما يحيط بالأرض . وذلك أن الله تعالى بعد أن أكمل تكوين الأرض ودبّت الحياة على سطحها ، كيَّف سبحانه جَوَّ الأرض المحيط بها بما يلائم هذه الحياة ، ويحفظها من أهوال الفضاء . وهكذا كانت طبقات الجو المختلفة ، ودوائر التأمين في الفراغ الكوني الذي يحدثنا العلم عن بعضها . والحق أن هذه الطبقات لم تُعرف إلا من جديد ، ولا يزال علم الفلك حتى الآن في طفولته ، فأنى لمحمد أن يعلم هذه الأمور إلا من الله العليّ الحكيم ! لقد بعثه بالحق ، وأنزل عليه الوحي ، وعلّمه بالقرآن ما لم يكن يعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (29)

{ هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم مَّا في الأرض جَمِيعاً } معطوف على قوله تعالى : { وَكُنتُمْ } [ البقرة : 28 ] وترك الحرف إما لكونه كالنتيجة له أو للتنبيه على الاستقلال في إفادة ما أفاده ، وذكر أنه بيان نعمة أخرى مترتبة على الأولى ، وأريد بترتبها أن الانتفاع بها يتوقف عليها فإن النعمة إنما تسمى نعمة من حيث الانتفاع بها ، و{ هُوَ } لغير المتكلم والمخاطب ، / وفيه لغات : تخفيف الواو مفتوحة ، وحذفها في الشعر ، وتشديدها لهمدان ، وتسكينها لأسد وقيس ، و{ هُوَ } عند أهل الله تعالى اسم من أسمائه تعالى ينبئ عن كنه حقيقته المخصوصة المبرأة عن جميع جهات الكثرة ، و{ هُوَ } اسم مركب من حرفين الهاء والواو ، والهاء أصل ، والواو زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع فليس في الحقيقة إلا حرف واحد دال على الواحد الفرد الذي لا موجود سواه وكل شيء هالك إلا وجهه ، ولمزيد ما فيه من الأسرار اتخذه الأجلة مداراً لذكرهم وسراجاً لسرهم ، وهو جار مع الأنفاس ، ومسماه غائب عن الحدس والقياس ، وفي { جَعَلَ } الضمير مبتدأ والموصول خبراً من الدلالة على الجلالة ما لا يخفى ، وتقديم الظرف على المفعول الصريح لتعجيل المسرة واللام للتعليل والانتفاع أي : خلق لأجلكم جميع ما في الأرض لتنتفعوا به في أمور دنياكم بالذات أو بالواسطة وفي أمور دينكم بالاستدلال والاعتبار . واستدل كثير من أهل السنة الحنفية والشافعية بالآية على إباحة الأشياء النافعة قبل ورود الشرع ، وعليه أكثر المعتزلة ، واختاره الإمام في «المحصول » ، والبيضاوي في «المنهاج » .

واعترض بأن اللام تجيء لغير النفع ك { إن أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [ الإسراء : 7 ] وأجيب بأنها مجاز لاتفاق أئمة اللغة على أنها للملك ومعناه الاختصاص النافع ، وبأن المراد النفع بالاستدلال ، وأجيب بأن التخصيص خلاف الظاهر مع أن ذلك حاصل لكل مكلف من نفسه فيحمل على غيره ، وذهب قوم إلى أن الأصل في الأشياء قبل الحظر ، وقال قوم بالوقف لتتعارض الأدلة عندهم ، واستدلت الإباحية بالآية على مدعاهم قائلين إنها تدل على أن ما في الأرض جميعاً خلق للكل فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلا ، ويرده أنها تدل على أن الكل للكل ، ولا ينافي اختصاص البعض بالبعض لموجب ، فهناك شبه التوزيع ، والتعيين يستفاد من دليل منفصل ، ولا يلزم اختصاص كل شخص بشيء واحد كما ظنه الساليكوتي ، و{ مَا } تعم جميع ما في الأرض لأنفسها إذ لا يكون الشيء ظرفاً لنفسه إلا أن يراد بها جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو ، ويكفي في التحدر العرش المحيط ، أو تجعل الجهة اعتبارية ، نعم قيل : تعم كل جزء من أجزاء الأرض فإنه من جملة ضروراتها ما فيها ضرورة وجود الجزء في الكل والمغايرة اعتبارية والقول : بأن الكلام على تقدير معطوف أي خلق ما في الأرض والأرض لا أرضي به ، وبعضهم لم يتكلف شيئاً من ذلك ، واستغنى بتقدم الامتنان بالأرض في قوله تعالى : { جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً } [ البقرة : 22 ] و{ جَمِيعاً } حال مؤكدة من كلمة { مَا } ولا دلالة لها كما ذكره البعض على الاجتماع الزماني وهذا بخلاف معاً ، وجعله حالا من ضمير { لَكُمْ } يضعفه السياق لأنه لتعداد النعم دون المنعم عليه مع أن مقام الامتنان يناسبه المبالغة في كثرة النعم ، ولاعتبار المبالغة لم يجعلوه حالاً من الأرض أيضاً .

{ ثُمَّ استوى إِلَى السماء } أي علا إليها وارتفع من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحديد قاله الربيع أو قصد إليها بإرادته قصداً سوياً بلا صارف يلويه ولا عاطف يثنيه من قولهم : استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء قاله الفراء وقيل : استولى وملك كما في قوله :

فلما ( علونا واستوينا عليهم ) *** تركناهم صرعى لنسر وكاسر

وهو خلاف الظاهر لاقتضائه كون { إلى } بمعنى على ، وأيضاً الاستيلاء مؤخر عن وجود المستولي عليه فيحتاج إلى القول بأن المراد استولى على إيجاد السماء فلا يقتضي تقدم الوجود ، ولا يخفى ما فيه . والمراد بالسماء الأجرام العلوية أو جهة العلو . وثم قيل : للتراخي في الوقت ، وقيل : لتفاوت ما بين الخلقين ، وفضل خلق السماء على خلق الأرض ، والناس مختلفون في خلق السماء وما فيها ، والأرض وما فيها باعتبار التقدم والتأخر لتعارض الظواهر في ذلك ، فذهب بعض إلى تقدم خلق السموات لقوله تعالى : { أَمِ السماء بناها * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضحاها * والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا ومرعاها * والجبال أرساها } [ النازعات : 7 2 ، 2 3 ] وذهب آخرون إلى تقدم خلق الأرض لقوله تعالى : { أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض في يَوْمَيْنِ } إلى قوله سبحانه : { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِي مِن فَوْقِهَا وبارك فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ * ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات في يَوْمَيْنِ وأوحى في كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا } [ فصلت : 9 2 1 ] وجمع بعضهم فقال : إن { أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا } [ النازعات : 31 ] بدل أو عطف بيان لدحاها أي بسطها مبين للمراد منه فيكون تأخرها ليس بمعنى تأخر ذاتها بل بمعنى تأخر خلق ما فيها وتكميله وترتيبه بل خلق التمتع والانتفاع به ، فإن البعدية كما تكون باعتبار نفس الشيء تكون باعتبار جزئه الأخير . وقيده المذكور كما لو قلت : بعثت إليك رسولاً ، ثم كنت بعثت فلاناً لينظر ما يبلغه فبعث الثاني ، وإن تقدم لكن ما بعث لأجله متأخر فجعل نفسه متأخراً . وما رواه الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في التوفيق بين الآيتين يشير إلى هذا ، ولا يعارضه ما رواه ابن جرير وغيره وصححوه عنه أيضاً «إن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السموات والأرض فقال : خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد والاثنين ، وخلق الجبال وما فيهن من المنافع يوم الثلاثاء ، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب ، فهذه أربعة فقال تعالى :

{ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ } إلى { سَوَاء لّلسَّائِلِينَ } [ فصلت : 9 0 1 ] وخلق يوم الخميس السماء ، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة » لجواز أن يحمل على أنه خلق مادة ذلك وأصوله إذ لا يتصور المدائن والعمران والخراب قبل ، فعطفه عليه قرينة لذلك ، واستشكال الإمام الرازي تأخر التدحية عن خلق السماء بأن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية فإذا كانت التدحية متأخرة كان خلقها أيضاً متأخراً مبني كما قيل على الغفلة ؛ لأن من يقول بتأخر دحوها عن خلقها لا يقول بعظمها ابتداء بل يقول : إنها في أول الخلق كانت كهيئة الفهر ثم دحيت ، فيتحقق الانفكاك ويصح تأخر دحوها عن خلقها ، وقوله قدس سره : إن خلق الأشياء في الأرض لا يمكن إلا إذا كانت مدحوة لا يخفى دفعه بناء على أن المراد بذلك خلق المواد والأصول لا خلق الأشياء فيها كما هو اليوم . وقال بعض المحققين : اختلف المفسرون في أن خلق السماء مقدم على خلق الأرض أو مؤخر ؟ نقل الإمام الواحدي عن مقاتل الأول ، واختاره المحققون ولم يختلفوا في أن جميع ما في الأرض مما ترى مؤخر عن خلق السموات السبع بل اتفقوا عليه ، فحينئذ يجعل الخلق في الآية الكريمة بمعنى التقدير لا الإيجاد أو بمعناه ويقدر الإرادة ويكون المعنى أراد خلق ما في الأرض جميعاً لكم على حد { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا قمتم إلى الصلاة } [ المائدة : 6 ] و{ وَإِذَا قَرَأْتَ القرآن } [ الإسراء : 5 4 ] ولا يخالفه { والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها } [ النازعات : 0 3 ] فإن المتقدم على خلق السماء إنما هو تقدير الأرض وجميع ما فيها ، أو إرادة إيجادها والمتأخر عن خلق السماء إيجاد الأرض وجميع ما فيها فلا إشكال ، وأما قوله سبحانه وتعالى : { خَلَقَ الأرض في يَوْمَيْنِ } [ فصلت : 9 ] فعلى تقدير الإرادة ، والمعنى أراد خلق الأرض ، وكذا { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِي } [ فصلت : 10 ] ينبغي أن يكون بمعنى أراد أن يجعل ، ويؤيد ذلك قوله تعالى : { فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت : 11 ] فإن الظاهر أن المراد ائتيا في الوجود ، ولو كانت الأرض موجودة سابقة لما صح هذا فكأنه سبحانه قال : أئنكم لتكفرون بالذي أراد إيجاد الأرض وما فيها من الرواسي والأقوات في أربعة أيام ثم قصد إلى السماء فتعلقت إرادته بإيجاد السماء والأرض فأطاعا بأمر التكوين فأوجد سبع سموات في يومين وأوجد الأرض وما فيها في أربعة أيام .

بقي هاهنا ، بيان النكتة في تغيير الأسلوب حيث قدم في الظاهر هاهنا وفي { حم } السجدة خلق الأرض وما فيها/ على خلق السموات وعكس في النازعات ولعل ذلك لأن المقام في الأولين مقام الامتنان فمقتضاه تقديم ما هو نعمة نظراً إلى المخاطبين فكأنه قال سبحانه وتعالى : هو الذي دبر أمركم قبل خلق السماء قم خلق السماء ، والمقام في الثالثة مقام بيان كمال القدرة فمقتضاه تقديم ما هو أدل على كمالها ، هذا والذي يفهم من بعض عبارات القوم قدس الله تعالى أسرارهم أن المحدد ويقال له سماء أيضاً مخلوق قبل الأرض وما فيها ، وأن الأرض نفسها خلقت بعد ، ثم بعد خلقها خلقت السموات السبع ، ثم بعد السبع خلق ما في الأرض من معادن ونبات ، ثم ظهر عالم الحيوان ، ثم عالم الإنسان ، فمعنى { خَلَقَ لَكُم مَّا في الأرض } حينئذ قدره أو أراد إيجاده أو أوجد مواده ، ومعنى { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِي } [ فصلت : 10 ] الخ في الآية الأخرى على نحو هذا ، وخلق الأرض فيها على ظاهره ولا يأباه قوله سبحانه : { فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا } [ فصلت : 11 ] الخ لجواز حمله على معنى ائتيا بما خلقت فيكما من التأثير والتأثر وإبراز ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة والكائنات المتنوعة ، أو إتيان السماء حدوثها وإتيان الأرض أن تصير مدحوة أو ليأت كل منكما الأخرى في حدوث ما أريد توليده منكما ، وبعد هذا كله لا يخلو البحث من صعوبة ، ولا زال الناس يستصعبونه من عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى الآن ، ولنا فيه إن شاء الله تعالى عودة بعد عودة ، ونسأل الله تعالى التوفيق .

{ فسواهن سَبْعَ سماوات } الضمير للسماء إن فسرت بالأجرام ، وجاز أن يرجع إليها بناء على أنها جمع أو مؤولة به ، وإلا فمبهم يفسره ما بعده على حد نعم رجلا وفيه من التفخيم والتشويق والتمكين في النفس ما لا يخفى ، وفي نصب { سَبْعَ } خمسة أوجه : البدل من المبهم ، أو العائد إلى السماء ، أو مفعول به أي سوى منهن ، أو حال مقدرة ، أو تمييز ، أو مفعول ثان لسوى بناء على أنها بمعنى صير ولم يثبت والبدلية أرجع لعدم الاشتقاق وبعدها الحالية كما في «البحر » وأريد بسواهن أتمهن وقومهن وخلقهن ابتداء مصونات عن العوج والفطور لا أنه سبحانه وتعالى سواهن بعد أن لم يكن كذلك فهو على حد قولهم : ضيق فم البئر ووسع الدار ، وفي مقارنة التسوية والاستواء حسن لا يخفى لا يقال إن أرباب الأرصاد أثبتوا تسعة أفلاك ، وهل هي إلا سموات ؟ لأنا نقول هم شاكون إلى الآن في النقصان والزيادة فإن ما وجدوه من الحركات يمكن ضبطها بثمانية وسبعة بل بواحد ، وبعضهم أثبتوا بين فلك الثوابت والأطلس كرة لضبط الميل الكلي ، وقال بعض محققيهم : لم يتبين لي إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة أو كرات منطوية بعضها على بعض ، وأطال الإمام الرازي الكلام في ذلك وأجاد ، على أنه إن صح ما شاع فليس في الآية ما يدل على نفي الزوائد بناء على ما اختاره الإمام من أن مفهوم العدد ليس بحجة ، وكلام البيضاوي في «تفسيره » يشير إليه خلافاً لما في «منهاجه » الموافق لما عليه الإمام الشافعي ونقله عنه الغزالي في «المنخول » ، وذكر الساليكوتي أن الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد والخلاف في ذلك مشهور وإذا قلنا بكروية العرش والكرسي لم يبق كلام .

{ وَهُوَ بِكُلّ شيء عَلِيمٌ } تذييل مقرر لما قبله من خلق السموات والأرض وما فيها على هذا النمط العجيب والأسلوب الغريب { مَّا ترى في خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ } [ الملك : 3 ، 4 ] وفي { عَلِيمٌ } من المبالغة ما ليس في عالم وليس ذلك راجعاً إلى نفس الصفة لأن علمه تعالى واحد لا تكثر فيه لكن لما تعلق بالكلي والجزئي والموجود والمعدوم والمتناهي وغير المتناهي وصف نفسه سبحانه بما دل على المبالغة والشيء هنا عام باق على عمومه لا تخصيص فيه بوجه خلافاً لمن ضل عن سواء السبيل ، والجار والمجرور متعلق بعليم وإنما تعدى بالباء مع أنه من علم وهو متعد بنفسه ، والتقوية تكون باللام لأن أمثلة المبالغة/ كما قالوا : خالفت أفعالها لأنها أشبهت أفعل التفضيل لما فيها من الدلالة على الزيادة فأعطيت حكمه في التعدية وهو أنه إن كان فعله متعدياً فإن أفهم علماً أو جهلاً تعدى بالباء كأعلم به وأجهل به ، وعليم به وجهول به وأعلم من يضل على التأويل وإلا تعدى باللام كاضرب لزيد و{ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } [ هود : 107 ] وإلا تعدى بما يتعدى به فعله كاصبر على النار ، وصبور على كذا ولعل ذلك أغلبي إذ يقال رحيم به فافهم .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (29)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

أخبرهم جل ذكره أنه خلق لهم ما في الأرض جميعا، لأن الأرض وجميع ما فيها لبني آدم منافع. أما في الدين فدليل على وحدانية ربهم، وأما في الدنيا فمعاش وبلاغ لهم إلى طاعته وأداء فرائضه فلذلك قال جل ذكره:"هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جَمِيعا".

وقوله: «هو» مكنى من اسم الله جل ذكره، عائد على اسمه في قوله: "كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللّهِ". ومعنى خلقه ما خلق جل ثناؤه: إنشاؤه عينه، وإخراجه من حال العدم إلى الوجود. و«ما» بمعنى «الذي».

فمعنى الكلام إذا: كيف تكفرون بالله وقد كنتم نطفا في أصلاب آبائكم، فجعلكم بشرا أحياء، ثم يميتكم، ثم هو محييكم بعد ذلك، وباعثكم يوم الحشر للثواب والعقاب، وهو المنعم عليكم بما خلق لكم في الأرض من معايشكم وأدلتكم على وحدانية ربكم.

عن قتادة قوله: "هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جَمِيعا": نعم والله سخر لكم ما في الأرض...

اختلف في تأويل قوله: "ثُمّ اسْتَوَى إلى السّماءِ..."؛

فقال بعضهم: معنى "استوى إلى السماء": أقبل عليها، كما تقول: كان فلان مقبلاً على فلان ثم استوى عليّ يشاتمني، واستوى إليّ يشاتمني، بمعنى: أقبل عليّ وإليّ يشاتمني.

وقال بعضهم: لم يكن ذلك من الله جل ذكره بتحوّل، ولكنه بمعنى فعله، كما تقول: كان الخليفة في أهل العراق يواليهم ثم تحوّل إلى الشام، إنما يريد تحوّل فعله.

وقال بعضهم: قوله: "ثُمّ اسْتَوَى إلى السّمَاءِ "يعني به: استوت.

وقال بعضهم: "ثُمّ اسْتَوَى إلى السّماءِ": عمد إليها. وقال: بل كل تارك عملاً كان فيه إلى آخره فهو مستو لما عمد ومستو إليه.

وقال بعضهم: الاستواء: هو العلوّ، والعلوّ: هو الارتفاع؛ عن الربيع بن أنس: "ثُمّ اسْتَوَى إلى السّماءِ" يقول: ارتفع إلى السماء.

ثم اختلف متأوّلو الاستواء بمعنى العلوّ والارتفاع في الذي استوى إلى السماء، فقال بعضهم: الذي استوى إلى السماء وعلا عليها: هو خالقها ومنشئها.

وقال بعضهم: بل العالي إليها الدخان الذي جعله الله للأرض سماء...

الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه:

منها انتهاء شباب الرجل وقوّته، فيقال إذا صار كذلك: قد استوى الرجل.

ومنها استقامة ما كان فيه أَوَدٌ من الأمور والأسباب، يقال منه: استوى لفلان أمره: إذا استقام له بعد أود.

ومنها الإقبال على الشيء بالفعل، كما يقال: استوى فلان على فلان بما يكرهه ويسوءه بعد الإحسان إليه.

ومنها الاحتياز والاستيلاء كقولهم: استوى فلان على المملكة، بمعنى احتوى عليها وحازها.

ومنها العلوّ والارتفاع، كقول القائل: استوى فلان على سريره، يعني به علوّه عليه.

وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: "ثُمّ اسْتَوَى إلى السماءِ فَسَوّاهُنْ": علا عليهنّ وارتفع فدبرهن بقدرته وخلقهنّ سبع سموات... والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله: "ثُمّ اسْتَوَى إلى السّماءِ" الذي هو بمعنى العلوّ والارتفاع هربا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه إذا تأوله بمعناه المفهوم كذلك أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها، إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر، ثم لم ينج مما هرب منه. فيقال له: زعمت أن تأويل قوله: "اسْتَوَى": أقْبَلَ، أفكان مدبرا عن السماء فأقبل إليها؟ فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل ولكنه إقبال تدبير، قيل له: فكذلك فقل: علا عليها علوّ ملك وسلطان لا علوّ انتقال وزوال. ثم لن يقول في شيء من ذلك قولاً إلا ألزم في الاَخر مثله، ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال في ذلك قولاً لقول أهل الحقّ فيه مخالفا، وفيما بينا منه ما يشرف بذي الفهم على ما فيه له الكفاية إن شاء الله تعالى.

وإن قال لنا قائل: أخبرنا عن استواء الله جل ثناؤه إلى السماء، كان قبل خلق السماء أم بعده؟ قيل: بعده وقبل أن يسوّيهنّ سبع سموات، كما قال جل ثناؤه: "ثُمّ اسْتَوَى إلى السّمَاءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيا طَوْعا أوْ كَرْها" والاستواء كان بعد أن خلقها دخانا، وقبل أن يسوّيها سبع سموات...

والتسوية في كلام العرب: التقويم والإصلاح والتوطئة، كما يقال: سوّى فلان لفلان هذا الأمر: إذا قوّمه وأصلحه ووطأه له. فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سماواته: تقويمه إياهن على مشيئته، وتدبيره لهن على إرادته، وتفتيقهن بعد إرتاقهن...

عن الربيع بن أنس: "فَسَوّاهُنّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ" يقول: سوى خلقهن وهو بكل شيء عليم.

وقال جل ذكره: "فَسَوّاهُنّ" فأخرج مكنيّهن مخرج مكنى الجمع. وقد قال قبل: "ثم استوى إلى السماء" فأخرجها على تقدير الواحد. وإنما أخرج مكنيهن مخرج مكنيّ الجمع لأن السماء جمع واحدها سماوة... فمعنى الكلام إذا: هو الذي أنعم عليكم، فخلق لكم ما في الأرض جميعا وسخره لكم تفضلاً منه بذلك عليكم، ليكون لكم بلاغا في دنياكم، ومتاعا إلى موافاة آجالكم، ودليلاً لكم على وحدانية ربكم. ثم علا إلى السموات السبع وهي دخان، فسوّاهن وحبكهن، وأجرى في بعضهن شمسه وقمره ونجومه، وقدّر في كل واحدة منهنّ ما قدّر من خلقه...

"وهُوَ بِكُلّ شيْءٍ عَلِيمٌ". يعني بقوله جلّ جلاله: "وهو": نفسه، وبقوله: "بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ": أن الذي خلقكم وخلق لكم ما في الأرض جميعا، وسّوى السموات السبع بما فيهن، فأحكمهن من دخان الماء وأتقن صنعهن، لا يخفى عليه أيها المنافقون والملحدون الكافرُونَ به من أهل الكتاب، ما تبدون وما تكتمون في أنفسكم، وإن أبدى منافقوكم بألسنتهم قولهم: "آمَنّا بِاللّهِ وباليَوْمِ الاَخِرِ" وهم على التكذيب به منطوون. وكذبت أحباركم بما أتاهم به رسولي من الهدى والنور وهم بصحته عارفون، وجحدوا وكتموا ما قد أخذت عليهم ببيانه لخلقي من أمر محمد ونبوّته المواثيق، وهم به عالمون، بل أنا عالم بذلك وغيره من أموركم، وأمور غيركم، إني بكل شيء عليم.

وقوله: "عَلِيمٌ" بمعنى عالم. ورُوي عن ابن عباس أنه كان يقول: هو الذي قد كمل في علمه...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

وقد استدل بقوله: {خَلَقَ لَكُمْ} على أنّ الأشياء التي يصح أن ينتفع بها ولم تجر مجرى المحظورات في العقل خلقت في الأصل مباحة مطلقاً لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها. فإن قلت: هل لقول من زعم أنّ المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحة؟ قلت: إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما تذكر السماء وتراد الجهات العلوية: جاز ذلك، فإنّ الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية...

والاستواء: الاعتدال والاستقامة.

ومعنى تسويتهنّ: تعديل خلقهنّ، وتقديمه، وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهنّ {وَهُوَ بِكُلّ شيء عَلِيمٌ} فمن ثم خلقهنّ خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت مع خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

و {خلق} معناه اخترع وأوجد بعد العدم.

و {لكم}: معناه للاعتبار، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده من نصب العبر: الإحياء، والإماتة، والخلق، والاستواء إلى السماء وتسويتها (87).

وقال قوم: بل معنى {لكم} إباحة الأشياء وتمليكها، وهذا قول من يقول إن الأشياء قبل ورود السمع على الإباحة بينته هذه الآية (88)، وخالفهم في هذا التأويل القائلون بالحظر، والقائلون بالوقف، وأكثر القائلين بالحظر استثنوا أشياء اقتضت حالها مع وجود الإنسان الإباحة كالتنفس، والحركة ويرد على القائلين بالحظر كل حظر في القرآن وعلى القائلين بالإباحة كل تحليل في القرآن وإباحة، ويترجح الوقوف إذا قدرنا نازلة لا يوجد فيه سمع ولا تتعلق به.

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

الصحيح في معنى قوله تعالى:"خلق لكم ما في الأرض" الاعتبار. يدل عليه ما قبله وما بعده من نصب العبر: الإحياء والإماتة والخلق والاستواء إلى السماء وتسويتها، أي الذي قدر على إحيائكم وخلقكم وخلق السموات والأرض، لا تبعد منه القدرة على الإعادة.

فإن قيل: إن معنى "لكم "الانتفاع، أي: لتنفعوا بجميع ذلك، قلنا المراد بالانتفاع الاعتبار لما ذكرنا.

فإن قيل: وأي اعتبار في العقارب والحيات. قلنا: قد يتذكر الإنسان ببعض ما يرى من المؤذيات ما أعد الله للكفار في النار من العقوبات فيكون سببا للإيمان وترك المعاصي، وذلك أعظم الاعتبار...

قال أرباب المعاني في قوله: "خلق لكم ما في الأرض جميعا" لتتقووا به على طاعته، لا لتصرفوه في وجوه معصيته. وقال أبو عثمان: وهب لك الكل وسخره لك لتستدل به على سعة جوده، وتسكن إلى ما ضمن لك من جزيل عطائه في المعاد، ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك، فقد ابتدأك بعظيم النعم قبل العمل وهو التوحيد.

[و] روى زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما عندي شيء ولكن ابتع علي فإذا جاء شيء قضينا) فقال له عمر: هذا أعطيت إذا كان عندك فما كلفك الله ما لا تقدر. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عمر، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله: أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف السرور في وجهه لقول الأنصاري. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بذلك أمرت).

قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فخوف الإقلال من سوء الظن بالله؛ لأن الله تعالى خلق الأرض بما فيها لولد آدم، وقال في تنزيله: "خلق لكم ما في الأرض جميعا" "وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه" [الجاثية: 13]. فهذه الأشياء كلها مسخرة للآدمي قطعا لعذره وحجة عليه؛ ليكون له عبد ا كما خلقه عبدا، فإذا كان العبد حسن الظن بالله لم يخف الإقلال لأنه يخلف عليه، كما قال تعالى: "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين" [سبأ: 39] وقال: "فإن ربي غني كريم" [النمل: 40]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا). وكذا في المساء عند الغروب يناديان أيضا، وهذا كله صحيح رواه الأئمة والحمد لله. فمن استنار صدره، وعلم غنى ربه وكرمه أنفق ولم يخف الإقلال، وكذلك من ماتت شهواته عن الدنيا واجتزأ باليسير من القوت المقيم لمهجته، وانقطعت مشيئته لنفسه، فهذا يعطي من يسره وعسره ولا يخاف إقلالا. وإنما يخاف الإقلال من له مشيئة في الأشياء، فإذا أعطي اليوم وله غدا مشيئة في شيء خاف ألا يصيب غدا، فيضيق عليه الأمر في نفقة اليوم لمخافة إقلاله. روى مسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (انفحي أو انضحي أو أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعي عليك).

وروى النسائي عن عائشة قالت: دخل علي سائل مرة وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرت له بشيء ثم دعوت به فنظرت إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما تريدين ألا يدخل بيتك شيء ولا يخرج إلا بعلمك) قلت: نعم، قال: (مهلا يا عائشة لا تحصي فيحصي الله عز وجل عليك).

قوله تعالى: "وهو بكل شيء عليم" أي بما خلق وهو خالق كل شيء، فوجب أن يكون عالما بكل شيء، وقد قال: "ألا يعلم من خلق" [الملك: 14] فهو العالم والعليم بجميع المعلومات بعلم قديم أزلي واحد قائم بذاته... وقد وصف نفسه سبحانه بالعلم فقال: "أنزله بعلمه والملائكة يشهدون" [النساء: 166]، وقال: "فاعلموا أنما أنزل بعلم الله" [هود: 14]، وقال: "فلنقصن عليهم بعلم" [الأعراف: 7]، وقال: "وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه" [فاطر: 11]، وقال: "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو" [الأنعام: 59] الآية.

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{فَسَوَّاهُنَّ} أي أتمهنّ وقوَّمهن وخلقهنّ ابتداءً مصونةً عن العِوَج والفُطورِ...

وتأخيرُ ذكرِ هذا الصُنع البديعِ عن ذكر خلقِ ما في الأرض مع كونه أقوى منه في الدلالة على كمال القدرةِ القاهرةِ كما نُبه عليه لما أن المنافعَ المنوطةَ بما في الأرض أكثرُ، وتعلقَ مصالحِ الناسِ بذلك أظهر، وإن كان في إبداع العلوياتِ أيضاً من المنافع الدينيةِ والدنيويةِ ما لا يُحصى. هذا ما قالوا، وسيأتي في حم السجدة مزيدُ تحقيقٍ وتفصيلٍ بإذن الله تعالى...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} فالكلام على اتصاله وترتيبه وانتظام جواهره في سلك أسلوبه، فليس في قوله {كيف تكفرون} الخ انتقال لإثبات البعث كما قال بعض المفسرين، غفلة عن هذا الاتصال المتين، ولعمري إن وجوه الاتصال بين الآيات، وما فيها من دقائق المناسبات، لهي ضرب من ضروب البلاغة، وفن من فنون الإعجاز، إذا أمكن للبشر الإشراف عليه، فلا يمكنهم البلوغ إليه، والكلام في البعث في القرآن كثيرا جدا فلا حاجة إلى الإسراع إليه هنا.

يصور لنا قوله تعالى {خلق لكم} قدرته الكاملة، ونعمه الشاملة، وأي قدرة أكبر من قدرة الخالق؟ وأي نعمة أكمل من جعل كل ما في الأرض مهيئا لنا، ومعدا لمنافعنا؟ وللانتفاع بالأرض طريقان (أحدهما) الانتفاع بأعينها في الحياة الجسدية (وثانيهما) النظر والاعتبار بها في الحياة العقلية، والأرض هي ما في الجهة السفلى، أي ما تحت أرجلنا، كما أن المراد بالسماء كل ما في الجهة العليا أي فوق رؤوسنا وإننا ننتفع بكل ما في الأرض برها وبحرها من حيوان ونبات وجماد، ومالا تصل إليه أيدينا ننتفع فيه بعقولنا بالاستدلال به على قدرة مبدعه وحكمته. والتعبير بقي يتناول ما في جوف الأرض من المعادن بالنص الصريح.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ويكثر المفسرون والمتكلمون هنا من الكلام عن خلق الأرض والسماء، يتحدثون عن القبلية والبعدية. ويتحدثون عن الاستواء والتسوية.. وينسون أن "قبل وبعد "اصطلاحان بشريان لا مدلول لهما بالقياس إلى الله تعالى؛ وينسون أن الاستواء والتسوية اصطلاحان لغويان يقربان إلى التصور البشري المحدود صورة غير المحدود.. ولا يزيدان.. وما كان الجدل الكلامي الذي ثار بين علماء المسلمين حول هذه التعبيرات القرآنية، إلا آفة من آفات الفلسفة الإغريقية والمباحث اللاهوتية عند اليهود والنصارى، عند مخالطتها للعقلية العربية الصافية، وللعقلية الإسلامية الناصعة.. وما كان لنا نحن اليوم أن نقع في هذه الآفة، فنفسد جمال العقيدة وجمال القرآن بقضايا علم الكلام!!... فلنخلص إذن إلى ما وراء هذه التعبيرات من حقائق موحية عن خلق ما في الأرض جميعا للإنسان، ودلالة هذه الحقيقة على غاية الوجود الإنساني، وعلى دوره العظيم في الأرض، وعلى قيمته في ميزان الله، وما وراء هذا كله من تقرير قيمة الإنسان في التصور الإسلامي؛ وفي نظام المجتمع الإسلامي..

(هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا)..

إن كلمة (لكم) هنا ذات مدلول عميق وذات إيحاء كذلك عميق. إنها قاطعة في أن الله خلق هذا الإنسان لأمر عظيم. خلقه ليكون مستخلفا في الأرض، مالكا لما فيها، فاعلا مؤثرا فيها. إنه الكائن الأعلى في هذا الملك العريض؛ والسيد الأول في هذا الميراث الواسع. ودوره في الأرض إذن وفي أحداثها وتطوراتها هو الدور الأول؛ إنه سيد الأرض وسيد الآلة! إنه ليس عبدا للآلة كما هو في العالم المادي اليوم. وليس تابعا للتطورات التي تحدثها الآلة في علاقات البشر وأوضاعهم كما يدعي أنصار المادية المطموسون، الذين يحقرون دور الإنسان ووضعه، فيجعلونه تابعا للآلة الصماء وهو السيد الكريم! وكل قيمة من القيم المادية لا يجوز أن تطغى على قيمة الإنسان، ولا أن تستذله أو تخضعه أو تستعلي عليه؛ وكل هدف ينطوي على تصغير قيمة الإنسان، مهما يحقق من مزايا مادية، هو هدف مخالف لغاية الوجود الإنساني. فكرامة الإنسان أولا، واستعلاء الإنسان أولا، ثم تجيء القيم المادية تابعة مسخرة.

والنعمة التي يمتن الله بها على الناس هنا -وهو يستنكر كفرهم به- ليست مجرد الإنعام عليهم بما في الأرض جميعا، ولكنها -إلى ذلك- سيادتهم على ما في الأرض جميعا، ومنحهم قيمة أعلى من قيم الماديات التي تحويها الأرض جميعا. هي نعمة الاستخلاف والتكريم فوق نعمة الملك والانتفاع العظيم.

(ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات)..

ولا مجال للخوض في معنى الاستواء إلا بأنه رمز السيطرة، والقصد بإرادة الخلق والتكوين. كذلك لا مجال للخوض في معنى السماوات السبع المقصودة هنا وتحديد أشكالها وأبعادها. اكتفاء بالقصد الكلي من هذا النص، وهو التسوية للكون أرضه وسمائه في معرض استنكار كفر الناس بالخالق المهيمن المسيطر على الكون، الذي سخر لهم الأرض بما فيها، ونسق السماوات بما يجعل الحياة على الأرض ممكنة مريحة.

(وهو بكل شيء عليم)..

بما أنه الخالق لكل شيء، المدبر لكل شيء. وشمول العلم في هذا المقام كشمول التدبير. حافز من حوافز الإيمان بالخالق الواحد، والتوجه بالعبادة للمدبر الواحد، وإفراد الرازق المنعم بالعبادة اعترافا بالجميل.

وهكذا تنتهي الجولة الأولى في السورة.. وكلها تركيز على الإيمان، والدعوة إلى اختيار موكب المؤمنين المتقين..