الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (29)

قوله : ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ )[ 28 ] .

معناه : أقبل عليها . تقول العرب : " فلان مقبل على فلان ، ثم استوى إليَّ يمشي " ، أي أقبل إليّ( {[1363]} ) .

وقيل : معناه/ تحول أمره وفعله إلى السماء( {[1364]} ) .

وقال القتبي : " استوى ، عمد إليها( {[1365]} ) " .

وقال ابن( {[1366]} ) كيسان : " استوى قصد( {[1367]} ) " .

قال غيره : " معناه قصد إلى خلقها بالإرادة لا بالانتقال( {[1368]} ) " .

يقال : " لما استويت إلى موضع كذا ظهر لي كذا " ، / أي لما قصدت بإرادتي إلى أمر كذا ، ظهر لي كذا( {[1369]} ) .

وقيل : استوى : استولى . تقول العرب : " استوى فلان على المملكة " ، أي استولى( {[1370]} ) عليها واحتوى عليها( {[1371]} ) .

واختار الطبري( {[1372]} ) وغيره أن يكون " استوى " بمعنى " علا( {[1373]} ) " على( {[1374]} ) المفهوم في لسان العرب . قال أبو محمد : وليس : " علا " في هذا المعنى أنه تعالى علا من سفل كان فيه إلى علو ، ولا هو علو انتقال من مكان إلى مكان ، ولا علو بحركة تعالى( {[1375]} ) الله ربنا عن ذلك كله ، لا يجوز أن يوصف بشيء من ذلك ، لأنها صفات توجب الحدوث للموصوف بها ، والله جَلَّ ذكره أول بلا نهاية/ لكن نقول : إنه( {[1376]} ) علو قدرة واقتدار ولم يزل تعالى قادراً له الأسماء الحسنى والصفات العلا .

فإنما دخلت " ثمَّ " في قوله : ( ثُمَّ اسْتَوَى ) بمعنى القصد لخلق ما أراد أن يخلق على ما تقدم فيعلمه قبل ، بلا أمد .

والهاء في ( فَسَوَّاهُنَّ ) تعود على السماء لأنها جمع سماوة( {[1377]} ) .

وقيل : السماء تدل على الجمع( {[1378]} ) .

وقيل : لما كانت السماء واسعة الأقطار ، يقع على كل قطر منها اسم سماء( {[1379]} ) جمع( {[1380]} ) على هذا المعنى . والمعنى فَسَوَّى منهن سبع سماوات( {[1381]} ) .

وقيل : سبع سماوات بدل من الهاء والنون ، فلا تقدير حرف( {[1382]} ) جر على هذا( {[1383]} ) محذوف منه( {[1384]} ) . وقد روي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهم في تفسير ذلك : " أن الله جَلَّ ذكره كان عرشه على الماء كما أخبرنا به في كتابه . قالوا : ثم أخرج من الماء دخاناً ، فارتفع الدخان فوق الماء ، فسما الدخان على الماء فَسَمَّاه سماء( {[1385]} ) . ثم إنه تعالى بقدرته أيبس الماء ، فجعله أرضاً واحدة ، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين وذلك في يوم الأحد ويوم الاثنين ، وجعل الأرض على حوت وهو النون ، والحوت في الماء ، والماء على ظهر صفا ، والصفاة( {[1386]} ) على ظهر ملك ، والملك على صخرة ، والصخرة على الريح ، وهي( {[1387]} ) الصخرة التي ذكر لقمان ، فهي ليست في الأرض ، ولا في السماء ، فتحرك الحوت واضطرب ، فتزلزلت( {[1388]} ) الأرض فأرسى عليها الجبال ، فذلك قوله : ( وَجَعَلْنَا فِي الاَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ )[ الأنبياء : 31 ] . وخلق الجبال في الأرض وجعل فيها أقوات أهلها وشجرها ومصالحها في يومين( {[1389]} ) ، الثلاثاء والأربعاء ، ودل على ذلك قوله : ( خَلَقَ الاَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا( {[1390]} ) فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ )( {[1391]} ) –يعني اليومين الأولين والآخرين- ، ثم قال : ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ )( {[1392]} ) . فجعل/ الدخان سماء واحدة ، ثم فتقها سبع سماوات ، وذلك في يومين الخميس والجمعة ، ولذلك( {[1393]} ) سمي يوم الجمعة لأنه اجتمع فيه تمام خلق السماوات والأرضين( {[1394]} ) " .

وقال مجاهد : " خلق الله الأرض( {[1395]} ) قبل السماء ، فثار منها دخان ، فخلق منه( {[1396]} ) السماوات( {[1397]} ) " . وقد ذكر الله خلق الأرض قبل السماء في سورة السجدة ، ثم ذكر في " والنازعات " دحو الأرض بعد السماء ، فقال : ( وَالاَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) [ النازعات : 30 ] ، فقال ابن عباس في معنى ذلك : " إنه تعالى خلق الأرض بأقواتها قبل السماء غير أنه لم يدحها ، ثم خلق السماوات ، ثم دحا الأرض بعد ذلك " ( {[1398]} ) .

وقال ابن سلام( {[1399]} ) : " بدأ( {[1400]} ) الله الخلق يوم الأحد/ ، فخلق الأرضين يوم الأحد والاثنين ، وخلق الأقوات والجبال في الثلاثاء والأربعاء ، وخلق السماوات في الخميس والجمعة وخلق آدم صلى الله عليه وسلم في آخر ساعة من يوم الجمعة " ( {[1401]} ) .

قال أبو محمد : ولو شاء تعالى ذكره لخلق ذلك كله في أقل من طرف عين ، يفعل ما يشاء لا إله إلا هو ، لا معقب لحكمه .

قوله : ( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )/[ 28 ] .

أي عليم بكل شيء قبل خلقه له ، وقبل حدوثه ، لا أنه محدث مع حدوث المعلومات تعالى عن ذلك ، قد علم المعلومات كلها قبل حدوثها وكونها .


[1363]:- سقط من ق. وانظر: هذا القول في معاني الفراء 1/25، واللسان 2/248.
[1364]:- انظر: معاني الأخفش 1/55-56 وجامع البيان 1/428.
[1365]:- انظر: تفسير الغريب 45.
[1366]:- في ع3: أبو. وهو خطأ.
[1367]:- انظر: المحرر الوجيز 1/160 وتفسير القرطبي 1/255.
[1368]:- في ع3: بل لانتقال.
[1369]:- قوله "ظهر لي كذا" ساقط من ع1، ع2، ح.
[1370]:- في ع1، ع3: استوى.
[1371]:- انظر: جامع البيان 1/430، واللسان 2/249.
[1372]:- انظر: جامع البيان 1/430.
[1373]:- سقط من ق.
[1374]:- في ق: على المفعول.
[1375]:- في ع1: تعالى إلى.
[1376]:- في ع1، ق، ع3: لأنه.
[1377]:- في ق، ع2، سماوات. وانظر: هذا التوجيه في معاني الفراء 1/25.
[1378]:- انظر: معاني الفراء 1/25. ومعاني الأخفش 1/54، ومفردات الراغب 249.
[1379]:- في ع2، ع3: ما. وفي ق: له.
[1380]:- في ق: بأجمع.
[1381]:- انظر: مشكل الإعراب 1/84.
[1382]:- سقط من ع2، ع3.
[1383]:- في ع3: هذا النحو.
[1384]:- انظر: مشكل الإعراب 1/84.
[1385]:- سقط من ع2، ع3.
[1386]:- في ق: صفاة. وفي اللسان 2/455 أن الصفا والصفاة واحد، وهو الحجر العريض الأملس.
[1387]:- في ع2: على. وهو تحريف.
[1388]:- في ق: فتنزلت.
[1389]:- في ع3: يوم. وهو خطأ.
[1390]:- في ع3: الآية إلى.
[1391]:- فصلت الآيات 8-9.
[1392]:- فصلت آية 10.
[1393]:- في ق: وبذلك.
[1394]:- انظر: تفسير ابن مسعود 2/41-42. وجامع البيان 1/435-436، وتفسير القرطبي 1/256، وتفسير ابن كثير 1/68، والدر المنثور 1/106-107. [في إسناد هذا الأثر مقال، وفي متنه نكارة، انظر: تفسير ابن أبي حاتم الأثر رقم 307 بتحقيق د/ أحمد الزهراني]. المدقق.
[1395]:- في ع2: أرض.
[1396]:- في ع3: منها.
[1397]:- انظر: جامع البيان 1/436.
[1398]:- انظر: جامع البيان 1/437.
[1399]:- هو أبو يوسف عبد الله بن الحارث الإسرائيلي الأنصاري، من ولد يوسف (عليه السلام). وقد وردت قصة إسلامه في صحيح البخاري. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه عوف بن مالك وأبو هريرة وغيرهما (ت43هـ). انظر: طبقات ابن خياط 8، وتذكرة الحفاظ 26 والإصابة 2/320-321. (ط. بيروت).
[1400]:- في ق: يدا. وهو تصحيف.
[1401]:- انظر: جامع البيان 1/437 وتفسير ابن كثير 1/68.