تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَكَم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأۡسُنَا بَيَٰتًا أَوۡ هُمۡ قَآئِلُونَ} (4)

القرية : هنا تعني المكان والسكّان .

البأس : العذاب .

بياتا : ليلا على حين غرة . أو هم قائلون : وسط النهار وقت القيلولة . بعد أن بين الله تعالى أنه أنزل الكتاب إلى الرسول الكريم لينذر به الناسَ ويكونَ موعظةً وذِكرى لأهل الإيمان ، وأنه طلب إليه أن يأمر الناس باتباع ما أُنزل إليهم من ربهم ، وأن لا يتبعوا من دونه أحداً ، أردف هنا بالتخويف من عاقبة المخالفة لذلك ، وبالتذكير بما حلّ بأمم قبلَهم بسبب إعراضهم عن الحق ، وإصرارهم على الباطل .

{ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } .

لقد أهلكنا كثيراً من القرى بسبب عبادة أهلها غيرَ الله ، وسلوكهم غير طريقه . وقد جاءهم عذابنا في وقت غفلتهم ليلاً وهم نائمون ، كما حدث لقوم لوط ، أو نهاراً وهم مستريحون وقت القيلولة كقوم شعيب .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَكَم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأۡسُنَا بَيَٰتًا أَوۡ هُمۡ قَآئِلُونَ} (4)

{ وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها } شروع في تذكيرهم وإنذارهم ما نزل بمن قبلهم من العذاب بسبب إعراضهم عن دين الله تعالى وإصرارهم على أباطيل أوليائهم ، و { كَمْ } خبرية للتكثير في محل رفع على الابتداء ؛ والجملة بعدها خبرها و { مِنْ } سيف خطيب و { قَرْيَةٌ } تمييز . ويجوز أن يكون محل { كَمْ } نصباً على الاشتغال ، وضمير { أهلكناها } راجع إلى معنى كم فإن المعنى قرى كثيرة أهلكناها ، والمراد بإهلاكها إرادة إهلاكها مجازاً كما في قوله تعالى : { إِذَا قمتم إلى الصلاة } [ المائدة : 6 ] الآية فلا إشكال في التعقيب الذي تفهمه الفاء في قوله سبحانه : { فَجَاءهَا بَأْسُنَا } أي عذابنا ، واعترض هذا الجواب بعض المدققين بأن فيه إشكالاً أصولياً ، وهو أن الإرادة إن كانت باعتبار تعلقها التنجيزي فمجىء البأس مقارن لها لا متعقب لها وبعدها ، وإن لم يرد ذلك فهي قديمة فإن كان البأس يعقبها لزم قدم العالم وإن تأخر عنها لزم العطف بثم . وأجيب بأن المراد التعلق التنجيزي قبل الوقوع أي قصدنا إهلاكها فتدبر ، وقيل : إن المراد بالإهلاك الخذلان وعدم التوفيق فهو استعارة أو من إطلاق المسبب على السبب ، وإلى هذا يشير كلام ابن عطية وتعقب بأنه اعتزالي وأن الصواب أن يقال : معناه خلقنا في أهلها الفسق والمخالفة فجاءها بأسنا ، وقيل : المراد حكمنا بإهلاكها فجاءها ، وقيل : الفاء تفسيرية نحو توضأ فغسل وجهه الخ . وقيل : إن الفاء للترتيب الذكري . وقال ابن عصفور : إن المراد أهلكناها هلاكاً من غير استئصال فجاءها هلاك الاستئصال ، وقال الفراء : الفاء بمعنى الواو أو المراد فظهر مجىء بأسنا واشتهر ، وقيل : الكلام على القلب وفيه تقديم وتأخير أي أهلكناها بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائلُونَ فجاءها بأسنا فالإهلاك في الدنيا ومجىء البأس في الآخرة فيشمل الكلام عذاب الدارين ، ويأباه ما بعد إباء ظاهراً فإنه يدل على أن العذاب في الدنيا ، وقدر غير واحد في النظم الكريم مضافاً أي فجاء أهلها .

وجوز بعضهم الحمل على الاستخدام لأن القرية تطلق على أهلها مجازاً ، ومن الناس من قدر في الأول المضاف أيضاً مع أن القرية تتصف بالهلاك وهو الخراب .

والبيات في الأصل مصدر بات يبيت بيتاً وبيتة وبياتاً وبيتوتة ، وذكر الراغب : «أن البيات وكذا التبييت قصد العدو ليلاً » . وقال الليث : البيتوتة الدخول في الليل ، ونصبه على الحال بتأويله ببائتين . وجوز أن يكون على الظرفية وهو خلاف الظاهر ، واحتمال النصب على المفعولية له كما زعم أبو البقاء مما لا يلتفت إليه . و ( أو ) للتنويع وما بعدها عطف على الحال وهو في موضع الحال أيضاً وأضمرت فيه الواو كما قال ابن الأنباري لوضوح المعنى ومن أجل أن ( أو ) حرف عطف والواو كذلك فاستثقلوا الجمع بين حرفين من حروف العطف فحذفوا الثاني ، ونقل ذلك عن الفراء أيضاً .

وتعقب بأن واو الحال مغايرة لواو العطف بكل حال وهي قسم من أقسام الواو كواو القسم بدليل أنها تقع حيث لا يمكن أن يكون ما قبلها حالاً وكونها للعطف يقتضي أن لا تقع إلا حيث يكون ما قبلها حالا حتى تعطف حالا على حال . وقال ابن المنير : «إن هذه الواو لا بد أن تمتاز عن واو العطف بمزية ألا تراها تصحب الجملة الاسمية بعد الفعلية [ في قولك : جاءني زيد وهو راكب ] ولو كانت عاطفة مجردة لاستقبح توسطها بين المتغايرين ( وإن لم يكن قبيحاً فالأفصح ) خلافه وحيث رأيناها تتوسط ( بينهما ) ( 1 ) والكلام ( حينئذ ) ( 1 ) هو الأفصح أو المتعين علمنا امتيازها ( بمعنى وخاصية ) عن واو العطف وإذا ثبت ذلك فلا غرو في اجتماعهما . وإن كان فيها معنى العطف مضافاً إلى تلك الخاصية فإما أن تسلبه حينئذ لغناء العاطفة عنها أو تستمر عليه ( وتجامع أو كما تجامع الواو لكن في الفصيح ) لما فيها من زيادة معنى الاستدراك ( في مثل قوله { ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ } [ البقرة : 12 ] وعلى هذا فالاجتماع ممكن بلا كراهية ، فلو قلت : سَبِّحِ الله تعالى وأنت راكع أو وأنت ساجد لكان فصيحاً لا خبث فيه ولا كراهة » خلافاً لأبي حيان مدعياً أن النحويين نصوا على أن الجملة الحالية إذا دخل عليها حرف عطف امتنع دخول واو الحال عليها للمشابهة اللفظية فالمثال على هذا غير صحيح ، وظاهر كلام الزمخشري أن هذه الواو واو العطف في الأصل ثم استعيرت للحال لما فيها من الربط فقد خرجت عن العطف واستعملت لمعنى آخر لكنها أعطيت حكم أصلها في امتناع مجامعتها لعاطف آخر ، وعلى هذا ينبغي أن يحمل كلام ذينك الإمامين وهذا مذهب لهما ولمن اتبعهما .

وقال بعض النحاة : إن الضمير هنا مغن عن إضمار الواو والاكتفاء به غير شاذ كما قيل بل هو أكثر من رمل يبرين ومها فلسطين ، وقد نقل عن الزمخشري الرجوع إلى هذا القول والمسألة خلافية وفيها تفصيل . ففي «البديع » الاسمية الحالية لا تخلو من أن تكون من سبب ذي الحال أو أجنبية فإن كانت من سببه لزمها العائد والواو تقول : جاء زيد وأبوه منطلق وخرج عمرو ويده على رأسه إلا ما شذ من قولهم : كلمته فوه إلى في . وإن كانت أجنبية لزمتها الواو ونابت عن العائد . وقد يجمع بينهما نحو قدم عمرو وبشر قام إليه وقد جاءت بلا واو ولا ضمير كما في قوله :

ثم انتصينا جبال الصفد معرضة *** عن اليسار وعن إيماننا جدد

فإن جبال الصفد معرضة حال بلا واو ولا ضمير . وعن الشيخ عبد القاهر جعل ذلك على قسمين ما يلزمه الواو مطلقاً وهو ما إذا صدر بضمير ذي الحال نحو جاء زيد وهو يسرع لأن إعادة ضميره تقتضي أن الجملة مستأنفة لئلا تلغو الإعادة فإذا لم يقصد الاستئناف فلا بد من الواو وما عداه تلزمه الواو في الفصيح إلا على طريق التشبيه بالمفرد والتأويل فإنه حينئذ قد تترك الواو جوازاً ، وقيل ولم يسلم : إن الضابط في ذلك أنه إذا كان المبتدأ ضمير ذي الحال تجب الواو وإلا فإن كان الضمير فيما صدر به الجملة سواء كان مبتدأ نحو فوه إلى في و

{ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } [ البقرة : 36 ] أو خبراً نحو وجدته حاضراه الجود والكرم فلا يحكم بضعفه لكونه الرابط في أول الجملة وإلا فضعيف قليل .

وقال ابن مالك وتبعه ابن هشام ونقل عن السكاكي : إنه إذا كانت الجملة الاسمية مؤكدة لزم الضمير وترك الواو نحو هو الحق لا شبهة فيه و { ذلك الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ } [ البقرة : 2 ] ، واختار ابن المنير «أن المصحح لوقوع هذه الجملة هنا حالاً من غير واو هو العاطف إذ يقتضي مشاركة الجملة الثانية لما عطفت عليه في الحالية فيستغني عن واو الحال كما أنك تعطف على المقسم به فتدخله في حكم القسم من غير واو نحو ( موقعة ) ( 1 ) { واليل إِذَا يغشى * والنهار إِذَا تجلى } [ الليل : 1 ، 2 ] وقوله سبحانه : { فَلاَ أُقْسِمُ بالخنس * الجوار الكنس * واليل إِذَا عَسْعَسَ } [ التكوير : 15 17 ] ويستغنى عن تكرار حرف القسم بنيابة العاطف منابه » فليفهم . وأياً ما كان فحاصل المعنى أتاهم عذابنا تارة ليلاً كقوم لوط عليه السلام وتارة وقت القيلولة كقوم شعيب عليه السلام .

والقيلولة من قال يقيل فهو قائل ويقال قيلا وقائلة ( وميقالاً ) ومقيلاً ، وهي كما في «القاموس » نصف النهار ، أو هي ( الراحة والدعة ) نصف النهار وإن لم يكن معها نوم كما في «النهاية » ، واستدل له بقوله تعالى : { أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً } إذ الجنة لا نوم فيها . وقال الليث : هي نومة نصف النهار ، ودفع الاستدلال بأن ذلك مجاز ، وإنما خص إنزال العذاب عليهم في هذين الوقتين لما أن نزول المكروه عند الغفلة والدعة أفظع وحكايته للسامعين أزجر وأردع عن الاغترار بأسباب الأمن والراحة ، وفي التعبير في الحال الأولى بالمصدر وجعلها عين البيات وفي الحال الثانية بالجملة الاسمية المفيدة في المشهور للثبوت مع تقديم المسند إليه المفيد للتقوى ما لا يخفى من المبالغة ، وكذا في وصف الكل بوصف البيات والقيلولة مع أن بعض المهلكين بمعزل منهما إيذان بكمال الأمن والغفلة ، وفي هذا ذم لهم بالغفلة عما هم بصدده ، وإنما خولف بين العبارتين على ما قيل وبنيت الحال الثانية على تقوى الحكم والدلالة على قوة أمرهم فيما أسند إليهم لأن القيلولة أظهر في إرادة الدعة وخفض العيش فإنها من دأب المترفين والمتنعمين دون من اعتاد الكدح والتعب . وفيه إشارة إلى أنهم أرباب أشر وبطر .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَكَم مّن قَرْيَةٍ } من قرى القلوب { أهلكناها } أفسدنا استعدادها { فَجَاءهَا بَأْسُنَا بياتا } أي بائتين على فراش الغفلة في ليل الشباب { أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } [ الأعراف : 4 ] تحت ظلال الأمل في نهار المشيب

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَكَم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأۡسُنَا بَيَٰتًا أَوۡ هُمۡ قَآئِلُونَ} (4)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم وعظهم، فقال: {وكم من قرية أهلكناها} بالعذاب، {فجاءها بأسنا بياتا}، وهم نائمون، يعني ليلا، {أو} جاءهم العذاب، {هم قائلون} يعني بالنهار.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: حذّر هؤلاء العابدين غيري والعادلين بي الآلهة والأوثان سخطي، لأَحلّ بهم عقوبتي فأهلكهم كما أهلكتُ من سلك سبيلهم من الأمم قبلهم، فكثيرا ما أهلكت قبلهم من أهل قرًى عصوني وكذّبوا رسلي وعبدوا غيري. "فجاءَها بأْسُنا بَياتا "يقول: فجاءتهم عقوبتنا ونقمتنا ليلاً قبل أن يصبحوا، أو جاءتهم قائلين، يعني نهارا في وقت القائلة.

فإن قال قائل: وكيف قيل: "وكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بأْسُنا بَيَاتا أوْ هُمْ قائِلُونَ" وهل هلكت قرية إلا بمجيء بأس الله وحلول نقمته وسخطه بها؟ فكيف قيل «أهلكناها فجاءها» وإن كان مجيء بأس الله إياها بعد هلاكها؟ فما وجه مجيء ذلك قوما قد هلكوا وبادوا ولا يشعرون بما ينزل بهم ولا بمساكنهم؟ قيل: إن لذلك من التأويل وجهين كلاهما صحيح واضح منهجه: أحدهما أن يكون معناه: وكم من قرية أهلكناها بخذلاننا إياها عن اتباع ما أنزلنا إليها من البينات والهدى واختيارها اتباع أمر أوليائها المُغويها عن طاعة ربها، فجاءها بأسنا إذ فعلت ذلك بياتا أو هم قائلون. فيكون إهلاك الله إياها: خذلانه لها عن طاعته، ويكون مجيء بأس الله إياهم جزاء لمعصيتهم ربهم بخذلانه إياهم.

والاَخر منهما: أن يكون الإهلاك هو البأس بعينه، فيكون في ذكر الإهلاك الدلالة على ذكر مجيء البأس، وفي ذكر مجيء البأس الدلالة على ذكر الإهلاك، وإذا كان ذلك كذلك، كان سواء عند العرب بُدئ بالإهلاك ثم عطف عليه بالبأس، أو بدئ بالبأس ثم عطف عليه بالإهلاك، وقيل: «وكم» لأن المراد بالكلام ما وصفت من الخبر عن كثرة ما قد أصاب الأمم السالفة من المثلات بتكذيبهم رسله وخلافهم عليه، وكذلك تفعل العرب إذا أرادوا الخبر عن كثرة العدد...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{وكم من قرية أهلكناها} قال أهل التأويل: كان يخوّف أهل مكة بتكذيبهم الرسول بإهلاكه الأمم الخالية بتكذيبهم الرسول.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه أخبر عن إهلاك الأمم الخالية بتكذيبهم الرسل، وهو لم ينظر في كتبهم، ولا اختلف إليهم ليعلموه عن ذلك، ثم أخبرهم بذلك. فدل أنه إنما عرف ذلك بالله عز وجل.

وقوله تعالى: {فجاءها بأسنا بياتا} قال أبو بكر الكيسانيّ: البأس هو كل أمر معضل شديد من المرض والحرج وغيره، وأما غيره من أهل التأويل فقالوا: البأس العذاب، وبأسنا عذابنا. وقوله تعالى: {بياتا أو هم قائلون} البيات بالليل، والقيلولة بالنهار [عند الظهيرة]، وهما وقتا الغفلة أو وقتا الأمن. أخبر أنه إنما يأتيهم عذابه في حال الغفلة أو في حال الأمن لئلا يكونوا غافلين عن أمره، ولا يكونوا آمنين عذابه.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

يعني كم من قرية ركنوا إلى الغفلة، واغتروا بطول المهلة؛ باتوا في (خَفْضِ) الدعة وأصبحوا وقد صادقتهم البلايا بغتة، وأدركتهم القضيةُ فجأة، فلا بلاء كُشِف عنهم، ولا دعاءَ سُمِع لهم، ولا فرار نَفَعَهم، ولا صريخ أنقذهم. فما زالوا يفزعون إلى الابتهال، ويصيحون: الويل! ويدعون إلى كشف الضر، ويبكون من مسِّ السوء؟! بادوا وكأنه لا عين ولا أثر، ولا لأحدٍ منهم (خبر). تلك سُنَّة الله في الذين خَلَوْا من الكافرين، وعادته في الماضين من الماردين.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{فَجَاءهَا} فجاء أهلها {بَيَاتًا} مصدر واقع موقع الحال، بمعنى بائتين. يقال: بات بياتاً حسناً، وبيتة حسنة، وقوله: {هُمْ قَائِلُونَ} حال معطوفة على «بياتاً»، كأنه قيل: فجاءهم بأسنا بائتين أو قائلين.

فإن قلت: هل يقدر حذف المضاف الذي هو الأهل قبل {قَرْيَةٌ} أو قبل الضمير في {أهلكناها}؟ قلت: إنما يقدّر المضاف للحاجة ولا حاجة، فإنّ القرية تهلك كما يهلك أهلها. وإنما قدّرناه قبل الضمير في {فَجَاءهَا} لقوله {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ}...

فإن قلت: فما معنى قوله: {أهلكناها فَجَاءهَا بَأْسُنَا} والإهلاك إنما هو بعد مجيء البأس؟ قلت: معناه أردنا إهلاكها، كقوله: {إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة: 6]. وإنما خصّ هذان الوقتان وقت البيات ووقت القيلولة، لأنهما وقت الغفلة والدعة، فيكون نزول العذاب فيهما أشدّ وأفظع.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

... ومعنى الآية أنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له، إما ليلا وهم نائمون، أو نهارا وهم قائلون، والمقصود: أنهم جاءهم العذاب على حين غفلة منهم من غير تقدم أمارة تدلهم على نزول ذلك العذاب، فكأنه قيل: للكفار لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة والفراغ، فإن عذاب الله إذا وقع، وقع دفعة من غير سبق أمارة فلا تغتروا بأحوالكم.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان من أعظم ما يتذكر سار النعم وضار النقم للإقبال على الله والإعراض عما سواه وعدم الاغترار بأسباب الأمن والراحة، قال: {وكم} أي قلّ تذكركم وخوفكم من سطواتنا والحال أنه كم {من قرية} وإن جلت؛ ولما كان المراد المبالغة في الإهلاك، أسنده إلى القرية والمراد أهلها فقال: {أهلكناها} أي بما لنا من العظمة لظلمها باتباع من دون الله، فلا تغتروا بأوليائكم من دونه وأنتم عالمون بأنهم لم ينفعوا من ضل من الأمم السالفة وقت إنزالنا بهم السطوة وإحلالنا بهم النقمة وتحقق المهلكون إذ ذاك -مع أنهم كانوا أشد بطشاً واكثر عدداً وأمتن كيداً- عدم إغنائهم فلم يوجهوا آمالهم نحوهم.

ولما كان المعنى: أردنا إهلاكها وحكمنا به، سبب عنه قوله: {فجاءها بأسنا} أي عذابنا بما لنا من القوة والعظمة، أو الإهلاك على حقيقته وهذا تفصيل له وتفسير؛ ولما كان لا فرق في إتيان عذابه سبحانه بين كونه ليلاً أو نهاراً، وكان أفحش البأس وأشده ما كان في وقت الراحة والدعة والغفلة قال: {بياتاً} أي وقت الاستكنان في البيوت ليلاً كما أهلك قوم لوط عليه السلام وقت السحر.

ولما كان المراد بالقرية أهلها، بينه بقوله لأنه إذا حذف المضاف جاز فيه اعتباران بحسب ما يحسن من المعنى: أن لا يلتفت إليه -كما في اول الآية، وأن يلتفت إليه- كما في هذا الأخير لبيان أن الأهل هم المقصودون بالذات لأنه موضع التهديد: {أو هم قائلون} أي نائمون وقت القائلة أو مستريحون من غير نوم كما أهلك قوم شعيب عليه السلام، يعني أنهم كانوا في كل من الوقتين غافلين بسبب أنهم كانوا آمنين، لم يظنوا أن شيئاً من أعمالهم موجب للعذاب ولا كانوا مترقبين لشيء منه، فالتقدير: بياتاً هم فيه بائتون أي نائمون، أو قائلة هم فيها قائلون أي نائمون

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ولأن المحاولة ضخمة.. وهي تعني التغيير الأساسي الكامل الشامل للجاهلية: تصوراتها وأفكارها، وقيمها وأخلاقها، وعاداتها وتقاليدها، ونظمها، وأوضاعها، واجتماعها واقتصادها، وروابطها بالله، وبالكون، وبالناس.. لأن المحاولة ضخمة على هذا النحو؛ يمضي السياق فيهز الضمائر هزاً عنيفاً؛ ويوقظ الأعصاب إيقاظاً شديداً؛ ويرج الجبلات السادرة في الجاهلية، المستغرقة في تصوراتها وأوضاعها رجاً ويدفعها دفعاً.. وذلك بأن يعرض عليها مصارع الغابرين من المكذبين في الدنيا، ومصائرهم كذلك في الآخرة.

إن مصارع الغابرين خير مذكر، وخير منذر.. والقرآن يستصحب هذه الحقائق، فيجعلها مؤثرات موحية، ومطارق موقظة، للقلوب البشرية الغافلة. إنها كثيرة تلك القرى التي أهلكت بسبب تكذيبها، أهلكت وهي غارة غافلة، في الليل وفي ساعة القيلولة، حيث يسترخي الناس للنوم، ويستسلمون للأمن: (وكم من قرية أهلكناها، فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون).

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

عطف على جملة: {ولا تتّبعوا} [الأعراف: 3] وهذا الخبر مستعمل في التّهديد للمشركين الذين وجه إليهم التّعريض في الآية الأولى والذين قصدوا من العموم. وقد ثلث هنا بتمحيض التّوجيه إليهم.

وإنّما خُصّ بالذّكر إهلاك القرى، دون ذكر الأمم كما في قوله: {فأمّا ثمود فأهلكوا بالطّاغية وأمّا عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية} [الحاقة: 5، 6]، لأنّ المواجهين بالتّعريض هم أهل مكّة وهي أمّ القرى، فناسب أن يكون تهديد أهلها بما أصاب القرى وأهلها ولأنّ تعليق فعل {أهلكنا} بالقرية دون أهلها لقصد الإحاطة والشّمول، فهو مغن عن أدوات الشّمول، فالسّامع يعلم أنّ المراد من القرية أهلها لأنّ العبرة والموعظة إنّما هي بما حصل لأهل القرية، ونظيرها قوله تعالى: {واسأل القرية التي كنا فيها} [يوسف: 82] ونظيرهما معاً قوله: {ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون} [الأنبياء: 6]، فكلّ هذا من الإيجاز البديع، والمعنى على تقدير المضاف، وهو تقدير معنى...

والإهلاك: الإفناء والاستئصال. وفعل {أهلكناها} يجوز أن يكون مستعملاً في معنى الإرادة بحصول مدلوله ويجوز أن يكون مستعملاً في ظاهر معناه.

والفاء في قوله: {فجاءها بأسنا} عاطفة جملة: {فجاءها بأسنا} على جملة: {أهلكناها}، وأصل العاطفة أن تفيد ترتيب حصول معطوفها بعد حصول المعطوف عليه، ولما كان مجيء البأس حاصلاً مع حصول الإهلاك أو قبلَه، إذ هو سبب الإهلاك، عسر على جمع من المسفّرين معنى موقع الفاء هنا... والذي عليه المحققون أنّ التّرتيب في فاء العطف قد يكون التّرتيبَ الذكريّ، أي ترتيب الإخبار بشيء عن الإخبار بالمعطوف عليه. ففي الآية أخبر عن كيفيّة إهلاكهم بعد الخبر بالإهلاك، وهذا التّرتيب هو في الغالب تفصيل بعد إجمال، فيكون من عطف المفصّل على المجمل...

والبأس ما يحصل به الألم، وأكثر إطلاقه على شدّة الحساب ولذلك سمّيت الحرب البأساء، وقد مضى عند قوله تعالى: {والصّابرين في البأساء والضرّاء وحين البأس} في سورة البقرة (177)، والمراد به هنا عذاب الدّنيا.

واستعير المجيء لحدوث الشّيء وحصوله بعد أن لم يكن تشبيهاً لحُلول الشّيء بوصول القادم من مكان إلى مكان بتنقُّل خطواته، وقد تقدّم نظير هذا في قوله تعالى: فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا في سورة الأنعام (43).

والبيات مصدر بَات، وهو هنا منصوب على الحال من البأس، أي جاءهم البأس مبَيِّتا لهم، أي جاءهم ليلاً، ويطلق البيات على ضرب من الغارة تقع ليلاً، فإذا كان المراد من البأس الاستعارة لشدّة الحرب كما المراد من البيات حالة من حال الحرب، هي أشدّ على المغزوّ، فكان ترشيحاً للاستعارة التّمثيليّة، ويجوز أن يكون {بياتاً} منصوباً على النّيابة عن ظرف الزّمان أي في وقت البيات.

وجملة {هم قائلون} حال أيضاً لعطفها على {بياتاً} بأو، وقد كفى هذا الحرفُ العاطف عن ربط جملة الحال بواو الحال، ولولا العطف لكان تجرد مثل هذه الجملة عن الواو غير حسَن ...

...و (أو) لِتقسيم القُرى المهلَكة: إلى مهلكة في اللّيل، ومهلّكة في النّهار، والمقصود من هذا التّقسيم تهديد أهل مكّة حتّى يكونوا على وجل في كلّ وقت لا يدرون متى يحلّ بهم العذاب، بحيث لا يأمنون في وقت مَّا.

ومعنى: {قائلون} كائنون في وقت القيلولة، وهي القائلة، وهي اسم للوقت المبتدئ من نصف النّهار المنتهي بالعصر، وفعله: قال يقيل فهو قائل، والمقيل الرّاحة في ذلك الوقت، ويطلق المقيل على القائلة أيضاً.

وخصّ هذان الوقتان من بين أوقات اللّيل والنّهار: لأنّهما اللّذان يطلب فيهما النّاس الرّاحة والدعة، فوقوع العذاب فيهما أشدّ على النّاس، ولأنّ التّذكير بالعذاب فيهما ينغص على المكذّبين تخيَّل نعيمَ الوقتين.

والمعنى: وكم من أهلِ قرية مشركين أهلكناهم جزاء على شركهم، فكونوا يا معشر أهل مكّة على حذر أن نصيبكم مثل ما أصابهم فإنّكم وإياهم سواء.