تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ} (42)

لو كان عرضا قريبا : كل ما يعرض للإنسان مما فيه منفعة يحصل عليها بسهولة .

وسفراً قاصدا : هينا لا مشقة .

الشقة : الطريق التي فيها تعب وعناء .

ولما أمَرَهم بالنَّفْر تخلَّف بعض المنافقين لأعذار ضعيفة ، وتخلّف بعضُ المؤمنين فأنزل الله تعالى قوله :

{ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة وَسَيَحْلِفُونَ بالله لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } .

بعد أن رغَّبهم في الجهاد ، وبيّن أن فريقاً منهم تباطأوا وتثاقلوا ، بيَّنَ هنا أن فريقاً منهُم تخلّفوا ، رغم كل ما تقدم من الوعيد ، وجعلوا ينتحِلون الأعذار ، ليستأذنوا الرسول في التخلُّف ، فندّد بهم في تخلُّفهم من متابعة الرسول في الجهاد ، فقال : لو كان في ما دعوتَهم إليه منفعة من منافع الدنيا قريبةُ المنال ليس في الوصول إليها كبيرُ عَناء ، أو لو كان سَفَراً هيّنا لا تعبَ فيه ، لاتبعوك أيها الرسول ، ولكنك استنفرتهم إلى بلدٍ بعيد وشقّ عليهم السفر ، في ذلك الوقت من الحر والقيظ . وسيحلِفون لك أنهم لو استطاعوا لخَرجوا معك . إنهم بهذا النفاق يُهلكون أنفسَهم ، واللهُ لا يخفى عليه حالُهم ، ويعلم أنهم كاذبون .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ} (42)

قوله تعالى : { لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون } .

كانت جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد استأذنوه في التخلف عنه حين خرج إلى تبوك فأذن لهم . وفي ذلك يقول سبحانه كاشفا عما يختلج في قلوب هؤلاء المعتذرين من خبايا النفاق والأثرة والإخلاد إلى الأرض حيث الدعة والاسترخاء { لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك } العرض ، بالتحريك ، هو ما يعرض من منافع الدنيا . والمراد بالعرض القريب : الغنيمة القريبة . والسفر القاصد : معناه الموضع القريب السهل . فالمعنى : لو كان ما تدعو المتخلفين عنك إليه ، والمستأذنين منك في ترك الخروج إليه –لو كان غنيمة حاضرة قريبة وموضعا قريبا سهلا لا تبعوك ونفروا معك إليهما ؛ لكنك استنفرتهم إلى موضع بعيد ، وكلفتهم سفرا شاقا عليهم ؛ لأنك قد استنهضتهم في وقت الحر الشديد وفي زمن القيظ{[1790]} ، وعن الحاجة إلى الدعة والاستكنان ، وحيث التلذذ بالهجوع والرقود . ولهذا قال : { ولاكن بعدت عليهم الشقة } أي السفر إلى أرض بعيدة . والمراد بذلك غزوة تبوك .

قوله : { وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم } سيحلف هؤلاء المستأذنون في ترك الخروج إلى لقاء المشركين اعتذارا منهم إليك بالباطل لتقبل منهم عذرهم فتأذن لهم في التخلف عنك ، سيحلفون بالله كاذبين { لو استطعنا لخرجنا معكم } أي لو أطقنا الخروج معكم ، بان كان لنا ما يحتاجه المسافر الغازي من سعة المال والمراكب وصحة البدن ؛ لخرجنا معكم للقاء العدو . ولقد قالوا ذلك وهم يعلمون أنهم كاذبون . وما تذعروا بما تذعروا بع إلا لضعف إيمانهم وعزائمهم وجنوحهم للإخلاد إلى القعود والتنعم بالراحة والرقود مع الخوالف .

قوله : { يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون } أي يوقعون أنفسهم في الهلاك والإفضاء إلى سخط الله وعقابه الأليم من اجل نفاقهم ، وبما حلفوه من الأيمان الكاذبة . والله جل وعلا عليهم بأنهم كاذبون فيما حلفوا عليه بالله ؛ فقد كانوا مطيقين أن يخرجوا معكم بوجود السبيل إلى ذلك من الأموال وصحة الأبدان وما يحتاجه المسافر في سفره ؛ لكنهم يريدون أن يتخلفوا إيثارا للدعة والراحة والإخلاء للعيش حيث اللذائذ والمنافع . لقد قالوا ما قالوه وهم يعلمون أنهم كاذبون ، وما تذرعوا به إلا لضعف إيمانهم وجنوحهم للإخلاد إلى القعود إلى العقود والتنعم بالراحة والرقود مع الخوالف{[1791]} .


[1790]:القيظ: حمارة الصيف. قاظ يومنا. أي اشتده حره. انظر مختار الصحاح ص 559.
[1791]:تفسير الطبري جـ 10 ص 99 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 153، 154.