أنكاثا : واحدها نكث ، بمعنى منكوث ، منقوض .
لقد شدّد الإسلام على الوفاء بالعهود ، ولم يتسامح فيها أبدا ، لأنها قاعدةُ الثقة التي ينفرط بدونها عقدُ الجماعة ، ولذلك أكد هنا بضربِ هذا المثل ، بالمرأة الحمقاء التي تفتِلُ غَزْلَها ، ثم تنقضُه من بعد أن يكون قد اكتمل ، متخذين أيمانكم وسيلةً للمكرِ والخداع ، وتنوون الغدر بمن عاقدتم ، لأنكم أكثرُ وأقوى منهم .
إنما يختبركم الله ، فإن آثرتُم الوفاءَ كان لكم الغُنم في الدنيا والآخرة ، وإن اتجهتم إلى الغدر كان الخسران ، وليبيّنَ لكم يوم القيامة حقيقة ما كنتم تختلفون عليه في الدنيا ، ويجازيكم حسب أعمالكم .
وهاتان الآيتان تدلان على أساس العلاقات بين المسلمين وغيرهم ، مع العدالة والوفاء بالعهد ، وإن العلاقات الدولية لا تنظَّم إلا بالوفاء بالعهود ، وإن الدول الإسلامية إذا عقدت عهداً فإنما تعقده باسم الله ، فهو يتضمن يمين الله وكفالته ، وفيهما ثلاثة معان لو نفَّذتها الدولُ لساد السلم في العالم .
أولها : إنه لا يصح أن تكون المعاهدات سبيلاً للخديعة وإلا كانت غشّاً ، والغش غير جائز في الإسلام في العلاقات الإنسانية ، سواء كانت بين الأفراد أو الجماعات والدول .
ثانيها : إن الوفاء بالعهد قوةٌ في ذاته ، وإن من ينقض عهده يكون كمن نقض ما بناه من أسباب القوة ، مثلَ تلك الحمقاء التي نقضت غَزْلها بعد أن أحكمته .
ثالثها : إنه لا يصح أن يكون الباعث على نكث العهد الرغبة في القوة أو الزيادة في رقعة الأرض أو نحو ذلك ، كما تفعل إسرائيل ، وكانت من ورائها بريطانيا ، واليوم أمريكا .
هذه المبادئ لم تكن معمولاً بها قبل الإسلام ، وقد رأينا دولاً عظمى لم تفِ بالعهد وكذبت في عهودها ، فبدّد الله شملَها وعادت من الدول الفقيرة الحقيرة .
ولما أمر بالوفاء ونهى عن النقض ، شرع في تأكيد وجوب الوفاء وتحريم النقض وتقبيحه تنفيراً منه فقال تعالى : { ولا تكونوا } ، أي : في نقضكم لهذا الأمر المعنوي ، { كالتي نقضت غزلها } ، ولما كان النقض لم يستغرق زمان البعد ، قال تعالى : { من بعد قوة } ، عظيمة حصلت له ، { أنكاثاً } ، أي : أنقاضاً ، جمع نكث وهو كل شيء نقض بعد الفتل ، سواء كان حبلاً أو غزلاً ، فهو مصدر مجموع من نقضت ؛ لأنه بمعنى نكثت ، قال في القاموس : النكث - بالكسر أن تنقض أخلاق الأكسية لتغزل ثانية . فيكون مثل جلست قعوداً ، أي : فتكونوا بفعلكم ذلك ، كهذه المرأة التي ضربتم المثل بها في الخرق ، مع ادعائكم أنه يضرب بأدناكم المثل في العقل ، ثم وصل بذلك ما يعرف أنهم أسفه من تلك المرأة ؛ بسبب أن ضررها لا يتعداها ، وأما الضرر بفعلهم فإنه مفسد لذات البين ، فقال تعالى : { تتخذون } ، أي : بتكليف الفطرة الأولى ضد ما تدعو إليه من الوفاء . { أيمانكم دخلاً } ، أي : فيضمحل كونها أيماناً إلى كونها ذريعة إلى الفساد بالخداع والغرور . { بينكم } ، من حيث إن المحلوف له يطمئن فيفجأه الضرر ، ولو كان على حذر لما نيل منه ولا جسر عليه ، وكل ما أدخل في الشيء على فساد فهو دخل . { إن } ، أي : تفعلون ذلك بسب أن : { تكون أمة } ، أي : وهي الخادعة أو المخدوعة لأجل سلامتها ، { هي } ، أي : خاصة ، { أربى } ، أي : أزيد وأعلى ، { من أمة } ، في القوة أو العدد ، فإذا وجدت نفاداً لزيادتها غدرت .
ولما عظم عليهم النقض ، وبين أن من أسبابه الزيادة ، حذرهم غوائل البطر فقال تعالى : { إنما يبلوكم } ، أي : يختبركم { الله } ، أي : الذي له الأمر كله ، { به } ، أي : يعاملكم معاملة المختبر بالأيمان والزيادة ، ليظهر للناس تمسككم بالوفاء أو انخلاعكم منه ، اعتماداً على كثرة أنصاركم وقلة أنصار من نقضتم عهده من المؤمنين . " أو غيرهم " ، مع قدرته سبحانه على ما يريد ، فيوشك أن يعاقب بالمخالفة فيضعف القوي ويقلل الكثير ، { وليبينن لكم } ، أي : إذا تجلى لفصل القضاء ، { يوم القيامة } ، مع هذا كله ، { ما كنتم } ، أي : بجبلاتكم ، { فيه تختلفون * } ، فاحذروا يوم العرض على ملك الملوك ، بحضرة الرؤساء والملوك وجميع المعبودات ، والكل بحضرته الشماء داخرون ، ولديه صاغرون ، ومن نوقش الحساب يهلك .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.