تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّـٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (41)

الحزن : ألمٌ يجده الإنسان عند فَوت ما يحب .

سارعَ في كذا : أسرع فيه وهو داخل فيه ، وهنا الكفّار داخلين في الكفر . الفتنة : الاختبار ، كما يُفتن الذهب بالنار .

يا أيها الرسول : خطاب للنبي ، وقد ورد الخطاب في جميع القرآن الكريم بعبارة «يا أيّها النبي » إلا هنا في هذه الآية ، والآية 67 من هذه السورة { يا أيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } . هذا الخطاب للتشريف والتعظيم ، وتعليمٌ للمؤمنين أن يخاطبوه بهذا الوصف العظيم .

أيها الرسول ، لا تهتم بهؤلاء المنافقين الذين يتنقلون في مراتب الكفر من أدناها إلى أَعلاها ، ويسارعون في التحيز إلى أعداء المؤمنين عندما يرون الفرصة سانحة ، فالله يكفيك شرّهم ، وينصرك عليهم وعلى من ناصرهم .

{ مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ . . . } . . أي الذين ادَّعوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم .

{ وَمِنَ الذين هِادُواْ . . } . ومن اليهود الذي يُكثرون الاستماعَ إلى ما يقوله رؤساؤهم وأحبارهم في النبي صلى الله عليه وسلم والاستجابة لطائفة منهم ، لم يحضروا مجلسَك تكبُّراً وبغضاً . فهم جواسيس بين المسلمين يبلّغون رؤساءَهم أعداءَ الإسلام كل ما يقفون عليه من أخبار ، ويحرّفون ما يحرفون ، ثم ينقلون تلك الأكاذيب إلى الأحبار المتخلّفين عن الحضور .

{ يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ . . } . أي يحرّفون كلام التوراة بعد أن ثبّته الله في مواضعه المعّينة إما تحريفاً لفظياً بإبدال كلماته ، أو بإخفائه وكتمانه تسهيلاً لزيادةٍ فيه أو النقص منه ، وإما تحريفاً معنوياً بالالتواء في التفسير .

روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن عمر رضي الله عنه قال : «أن اليهود أتوا النبي صلى لله عليه وسلم برجلٍ منهم وامرأةٍ قد زنيا فقال : ما تجدون في كتابكم ؟ قالوا : نُسَخِّم وجوههما ويخزيان ، قال : كذبتم إن فيها الرجم ، فأْتُوا بالتّوراة فاتلوها إن كنتُم صادقين . فجاؤوا بالتوراة مع قارئ لهم أعور يقال له ابن صوريا . فقرأ ، حتى إذا أتى إلى موضع منها وضع يده عليه ، فقيل له : ارفع يدك . فرفع يده ، فإذا هي تلوح يعني «آية الرجم » ، فقالوا : يا محمد ، إن فيها الرجم ، ولكنّا كنّا نتكاتمه بيننا . فأمر بهما رسول الله فرُجما » .

ومن قبيل ذلك ما قاله مارتن لوثر في كتابه : اليهود وأكاذيبهم . «هؤلاء هم الكاذبون الحقيقيون مصّاصو الدماء ، الذين لم يكتفوا بتحريف الكتاب المقدّس وإفساده ، من الدفة إلى الدفة ، بل ما فتئوا يفسّرون محتوياته حسب أهوائهم وشهواتهم . . . الخ » وهي كلمة طويلة .

{ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ . . . } يقول أولئك الرؤساء لأتباعهم الذين أرسلوهم ليسألوا النبيّ عن حكم الرجل والمرأة الزانين إن أعطاكم محمد رخصة بالجَلد عوضاً عن الرجّم فخُذوها ، وارضوا بها ، وإن حكَمَ بالرَّجم فارفضوا ذلك .

{ وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ . . . } ومن يُرد الله اختباره في دينه فيُظهر الاختبارُ ضلالَه وكفره ، فلن تملِك له يا محمد شيئاً من الهداية . هؤلاء المنافقون والجاحدون من اليهود . . قد أظهرت فتنةُ الله لهم مقدارَ فسادهم ، فهم يقبلون الكذب ويحرفون كلام الله ، اتباعاً لأهوائهم ومرضاة رؤسائهم . لا تحزن البتةَ على مسارعتهم في الكفر ، ولا تطمع في جذبهم إلى الإيمان ، ولا تخفْ عاقبة نفاقهم فإنما العاقبة للمتقين .

{ أولئك الذين لَمْ يُرِدِ الله . . . } إنّ الذين بلغت منهم الفتنة ذلك المبلغ هم الذين لم يرد الله تطهير قلوبهم من الكفر والنفاق ، فلن تستطيع أن تهديهم ، لهم في الدنيا خِزي وذلّ ولهم في الآخرة عذاب شديد .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّـٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (41)

ولما تقرر ذلك ، كان من غير شك علةً لعدم الحزن على شيء من أمرهم ولا من أمر غيرهم ممن عصى شيئاً من هذه الأحكام ، كما قال تعالى :{ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها }[ الحديد : 22 ] إلى أن قال :{ لكيلا تأسوا على ما فاتكم{[25809]} }[ الحديد : 23 ] ، فقوله : { يا أيها الرسول } أي المبلغ لما أرسل به - معلول لما قبله . وأدل دليل على ذلك قوله تعالى { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً } { ولا يحزنك } أي لا يوقع عندك شيئاً من الحزن صنعُ { الذين يسارعون في الكفر } أي يفعلون في إسراعهم يف الوقوع فيه غاية الإسراع فعلَ من يسابق غيره ، وفي تبيينهم بالمنافقين وأهل الكتاب بشارة بإتمام{[25810]} النعمة على العرب بدوام إسلامهم ونصرهم عليهم ، وقدم أسوأ القسمين فقال : { من الذين قالوا آمنا } .

ولما كان الكلام هو النفسي ، أخرجه بتقييده بقوله : { بأفواههم } معبراً لكونهم منافقين بما منه ما هو أبعد عن{[25811]} القلب من اللسان ، فهم إلى الحيوان أقرب منهم إلى الإنسان ، وزاد ذلك بياناً بقوله : { ولم تؤمن قلوبهم } .

ولما بين المسارعين بالمنافقين ، عطف عليهم قسماً آخر هم{[25812]} أشد الناس مؤاخاة لهم فقال : { ومن الذين هادوا } أي{[25813]} الذين عرفت{[25814]} قلوبهم وكفرت ألسنتهم تبعاً لمخالفة قلوبهم لما تعرف عناداً وطغياناً ، ثم أخبر عنهم بقوله : { سمّاعون } أي متقبلون{[25815]} غاية التقبل{[25816]} بغاية الرغبة { للكذب } أي من قوم من المنافقين يأتونك فينقلون عنك الكذب { سمّاعون لقوم آخرين } أي الصدق ، ثم وصفهم بقوله : { لم يأتوك } أي لعلة{[25817]} ، وذكر الضمير لإرادة الكلام ، لأن{[25818]} المقصود البغض على نفاقهم{[25819]} { يحرفون الكلم } أي الذي{[25820]} يسمعونه عنك على وجهه{[25821]} فيبالغون في تغييره وإمالته بعد أن يقيسوا{[25822]} المعنيين : المغير والمغير إليه ، واللفظين فلا يبعدوا به ، بل يأخذون بالكلم عن حده وطرفه إلى حد آخر قريب منه جداً ، ولذلك ، أثبت الجار فقال : { من بعد } أي يثبتون الإمالة من مكان قريب من{[25823]} { مواضعه } أي{[25824]} النازلة عن رتبته بأن{[25825]} يتأولوه على غير تأويله ، أو يثبتوا{[25826]} ألفاظاً غير ألفاظه قريبة منها ، فلا يبعد{[25827]} منها المعنى جداً وهذا أدق{[25828]} مكراً مما{[25829]} في النساء ، وهو من الحرف وهو الحد والطرف ، وانحرف عن الشيء : مال عنه ، قال الصغاني : وتحريف الكلام عن مواضعه : تغييره ، وقال أبو عبد الله القزاز : والتحريف التفعيل ، من : انحرف عن الشيء - إذا مال ، فمعنى{[25830]} حرفت الكلام : أزلته عن حقيقة ما كان عليه في المعنى ، وأبقيت{[25831]} له شبه اللفظ ، ومنه قوله تعالى { يحرفون الكلم }{[25832]} ، وذلك أن اليهود كانت تغير معاني التوراة بالأشباه ، وفي الحديث " يسلط{[25833]} عليهم طاعون يحرف القلوب " أي يغيرها عن التوكل ويدعوهم{[25834]} إلى الانتقال عن تلك البلاد ، وحكي : حرفته عن جهته - أي بالتخفيف - مثل : حرّفته ، والمحارفة : المقايسة ، من المحراف وهو الميل الذي يقاس به الجراح - انتهى . فالآية من الاحتباك : حذف منها أولاً الإتيان وأثبت عدمه ثانياً{[25835]} للدلالة عليه ، وحذف منها ثانياً الصدق ودل عليه بإثبات ضده - الكذب - في الأولى .

ولما كان كأنه قيل : ما غرضهم بإثبات الكذب وتحريف الصدق ؟ قال : { يقولون } أي لمن يوافقهم { إن أوتيتم } أي من أيّ مؤت كان { هذا } أي المكذوب والمحرف { فخذوه } أي اعملوا به { وإن لم تؤتوه } أي بأن أوتيتم غيره أو سكت عنكم { فاحذروا } أي بأن{[25836]} تؤتوا غيره فتقبلوه .

ولما كان التقدير : فأولئك الذين أراد الله فتنتهم ، عطف عليه قوله : { ومن يرد الله } أي الذي له الأمر كله { فتنته } أي أن يحل به ما يميله عن وجه سعادته بالكفر حقيقة أو مجازاً { فلن تملك له من الله } أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له { شيئاً } أي من الإسعاد ، وإذا لم تملك ذلك{[25837]} أنت وأنت أقرب الخلق{[25838]} إلى الله فمن يمكله . {[25839]}

ولما كان هذا ، أنتج لا محالة قوله : { أولئك } أي البعداء من الهدى { الذين لم يرد الله } أي وهو الذي لا راد لما يريده ، ولا فاعل لما يرده{[25840]} ، فهذه أشد الآيات على المعتزلة { أن يطهر قلوبهم } أي بالإيمان{[25841]} ، والجملة كالعلة لقوله { فلن تملك له من الله شيئاً } ، ولما ثبت{[25842]} أن قلوبهم نجسة ، أنتج ذلك قوله : { لهم في الدنيا خزي } أي بالذل والهوان ، أما المنافقون فبإظهار الأسرار والفضائح الكبار وخوفهم من الدمار{[25843]} ، وأما اليهود فببيان أنهم حرفوا وبدلوا وضرب الجزية عليهم وغير ذلك من الصغار { ولهم في الآخرة } التي من خسرها{[25844]} فلا ربح له بوجه ما{[25845]} { عذاب عظيم * } أي لعظيم ما ارتكبوه من هذه المعاصي المتضاعفة{[25846]} .


[25809]:سورة 57 آية 22 و 23.
[25810]:في ظ: فإتمام.
[25811]:من ظ، وفي الأصل: على.
[25812]:سقط من ظ.
[25813]:في ظ: الذين عرفنا.
[25814]:في ظ: الذين عرفنا.
[25815]:في ظ: متقلبون.
[25816]:في ظ: التقلب.
[25817]:في الأصل: لعلبة- كذا.
[25818]:في الأصل: لأنه- كذا.
[25819]:العبارة من " لعلة" إلغى هنا ساقطة من ظ.
[25820]:في ظ: الذين.
[25821]:في ظ: وجهة.
[25822]:في ظ: تغتسوا.
[25823]:سقط من ظ.
[25824]:سقط من ظ.
[25825]:في ظ: بل.
[25826]:في ظ: تثبتوا.
[25827]:من ظ، وفي الأصل: فلا تبعد.
[25828]:في ظ: مكرهما.
[25829]:في ظ: مكرهما.
[25830]:من ظ، وفي الأصل: بمعنى.
[25831]:في ظ: أيقنت.
[25832]:زيد من ظ.
[25833]:في ظ: تسلط.
[25834]:من ظ، وفي الأصل: يدعوها.
[25835]:في ظ: بايتا_ كذا.
[25836]:من ظ، وفي الأصل: من.
[25837]:سقط من ظ.
[25838]:من ظ، وفي الأصل: الحق.
[25839]:في ظ: يملك.
[25840]:في الأصل و ظ: يريده.
[25841]:سقط من ظ.
[25842]:في ظ: أثبت.
[25843]:في ظ: الدما- كذا.
[25844]:في ظ: خسر فيها.
[25845]:سقط من ظ.
[25846]:في ظ: المتعاصفة.