تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (38)

النكال : العقاب ، أو العبرة ، { فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا } [ البقرة : 66 ] .

بعد أن بيّن سبحانه عقاب الذين «يحاربون الله ورسوله » ، وأمر بتقوى الله ، وابتغاء الوسيلة والجهاد في سبيله ، ذكّرنا بعقاب اللصوص السارقين . وقد جمع في هذه الآيات الكريمة بين الوازع الداخلي وهو الإيمان والصلاح ، والوازع الخارجي وهو الخوف من العقاب والنكال .

يا ولاة الأمور ، اقطعوا يد من يسرق مِن الكف إلى الرسغ . وذلك لأن السرقة تحصل بالكف مباشرة . وتُقطع اليد اليمنى أولاً لأن التناول يكون بها في الغالب .

والسرقة هي أخذُ مال الغير المحرَزِ خفيةً ، فلا بد أن يكون المسروق مالاً مقوَّما . والمبلغ المتفق بينَ فقهاء المسلمين على عقوبة سرقته هو ربعُ دينار . ولا بد أن يكون هذا المالُ محفوظاً في دار أو مخزن وأن يأخذه السارق من هناك . فلا قطع مثلاً على المؤتمن على مالٍ إذا سرقه أو أنكره . وكذلك الخادم المأذون له بدخول البيت لا يُقطع فيما يسرق . ولا على المستعير إذا جَحَد العارية . ولا على سارق الثمار في الحقل . ولا على المال خارج البيت أو الصندوق المعد لصيانته .

ولا قطْع حين يسرق الشريكُ من مال شريكه ، ولا على الذي يسرق من بيت مال المسلمين . وعقوبة هؤلاء هي التعزير أو الحبس أو ما يراه القاضي .

والشُبهة تَدرأ الحدَّ ، فشبهة الجوع والحاجة تدرأه ، وشبهة الشركة في المال تدرأه ، ورجوع المعترف وتوبته تدرأ . وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام «إدرأوا الحُدودَ بالشُبُهات » وفي ذلك يقول سيدنا عمر بن الخطاب : «لأَنْ أَعطِّلَ الحدودَ بالشُبهاتِ أحبُّ إليَّ من أن أقيمَها بالشُبُهات » .

والعقوبة هنا على السرقة الصريحة ، أمّا السرقة الضمنية ، كالالتواء في التجارة وسرقة أقوات الشعب بتهريب الأموال إلى خارج دار الإسلام ، فلها أحكام أخرى .

والإسلام يكفل حق كل فرد في الحصول على ضرورات الحياة ، فمن حق كل فرد ( حتى غير المسلم ) الحصولُ على ضرورات الحياة ، أن يأكل ويشرب ويلبس ويكون له بيت يؤويه ، وأن يوفَّر له العمل ما دام قادراً . فإذا تعطَّل لعدم وجود العمل ، أو لعدم قدرته على العمل ، فله الحق بأن تؤمِّن له الدولة الضروري من العيش . فإذا سرق وهو مكفيّ الحاجة ، فإنه لا يُعذر ، ولا ينبغي لأحد أن يرأف به .

فأما حين توجد شُبهة من حاجة أو غيرها ، فالمبدأ العام في الإسلام هو درءُ الحدود بالشُبهات . ولذلك لم يوجِب سيدنا عمر القطعَ في عام الرّمادَة حيث عمَتِ المجاعة . كذلك لم يقطع عندما سرق غلمانُ حاطبٍ بن أَبي بلتعة ناقةً رجل من مزينة ثم تبين للخليفة أن سيِّدهم يتركهم جياعاً .

هكذا يجب أن نفهم الحدودَ في الإسلام : يضع الضمانات للجميع ، ويتخذ أسباب الوقاية قبل العقوبة .

{ والله عزيز حكيم } عزيز في انتقامه من السارق وغيره من أهل المعاصي ، حكيم في وضعه الحدود والعقوبات بما تقتضي المصلحة .

قال الأصمعي : كنت أقرأ سورة المائدة ومعي أعرابي ، فقرأ هذه الآية فقلت «والله غفور رحيم » سهواً . فقال الأعرابي : كلام من هذا ؟ قلت : كلام الله . قال : أعِد ، فأعدت . ثم تنبّهت فقلت «والله عزيز حيكم » . فقال : الآن أصبت ، فقلت : كيف عرفت ؟ قال : يا هذا «عزيز حكيم » فأمَرَ بالقطع ، ولو غفر ورحم لما أمر به . فقد فهم الأعرابي أن مقتضى العزة والحكمة غير مقتضى المغفرة والرحمة .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (38)

ولما كانت السرقة من جملة المحاربة والسعي بالفساد ، وكان فاعلها غير متقٍ ولا متوسل ، عقب بها فقال : { والسارق } الآخذ لما هو في حرز خفيةً لكونه لا يستحقه { والسارقة } أي كذلك{[25769]} ؛ ولما كان التقدير : وهما{[25770]} مفسدان ، أو{[25771]} حكمهما فيما يتلى عليكم ، سبب عنه قوله : { فاقطعوا } وال{[25772]} - قال المبرد - للتعريف{[25773]} بمعنى : الذي ، والفاء{[25774]} للسبب كقولك{[25775]} : الذي{[25776]} يأتيني فله كذا كذا درهم{[25777]} { أيديهما } أي{[25778]} الأيامن من{[25779]} الكوع إذا كان{[25780]} المأخوذ ربع دينار فصاعداً من حرز مثله من غير شبهة له فيه - كما بين جميع ذلك النبي{[25781]} صلى الله عليه وسلم - ويرد مع{[25782]} القطع ما سرقه ؛ ثم علل ذلك بقوله : { جزاء بما كسبا } أي فعلا من ذلك ، وإدالته{[25783]} على أدنى وجوه السرقة وقاية للمال وهواناً لها للخيانة ، وديتها إذا قطعت في غير حقها خمسمائة دينار وقاية للنفس من غير أن ترخصها الخيانة ، ثم علل هذا الجزاء بقوله : { نكالاً } أي منعاً لهما كما يمنع القيد { من الله } أي الذي له جميع العظمة فهو المرهوب لكل مربوب ، وأعاد الاسم الأعظم تعظيماً للأمر فقال : { والله } أي الذي له جميع صفات الكمال { عزيز } أي{[25784]} في انتقامه فلا يغالبه شيء { حكيم * } أي بالغ الحكم والحكمة في شرائعه ، فلا يستطاع الامتناع من سطوته ولا نقض شيء يفعله ، لأنه يضعه في أتقن مواضعه .


[25769]:في ظ: لذلك.
[25770]:في ظ: مفسدون.
[25771]:في ظ: مفسدون.
[25772]:سقط من ظ.
[25773]:في ظ: التعريف.
[25774]:في ظ: سبب كقوله.
[25775]:في ظ: سبب كقوله.
[25776]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[25777]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[25778]:في ظ: الايامين مظن.
[25779]:في ظ: الايامين مظن.
[25780]:سقط من ظ.
[25781]:في ظ: بالنبي.
[25782]:من ظ، وفي الأصل: ما.
[25783]:في الأصل: لذته، وفي ظ: أو الوليمة- كذا.
[25784]:سقط من ظ.