تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءٗ فَوۡقَ ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَۖ وَإِن كَانَتۡ وَٰحِدَةٗ فَلَهَا ٱلنِّصۡفُۚ وَلِأَبَوَيۡهِ لِكُلِّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٞۚ فَإِن لَّمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٞ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخۡوَةٞ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍۗ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ لَا تَدۡرُونَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ لَكُمۡ نَفۡعٗاۚ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا} (11)

بعد أن ذكر حكم الميراث مجملا ، بين في هذه الآية والتي بعدها والأخرى التي في آخر السورة { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة . . . } أحكام الميراث الكبرى ، وبقي هناك بعض الفرائض تكفّلت بها السنَّة واجتهاد الأئمة .

كانت أسباب الميراث في الجاهلية ثلاثة :

( 1 ) النسب : وهو ألا يكون إلا للرجال الذين يركبون الخيل ويقاتلون العدو ، وليس للمرأة والأطفال ميراث .

( 2 ) التبني : كان الرجل يتبنى ولدا من الأولاد فيكون له الميراث كاملا .

( 3 ) الحلف والعهد : فقد كان الرجل يحالف رجلاً آخر ويقول له : دمي دمُك ، وهدمي هدمك ، وترثني ، وأرثك ، وتُطلب بي وأُطلب بك . فإذا فعلا ذلك يرث الحي منهم الميت . ومعنى هدْمي هدْمك ( يجوز فتح الدال ) : إن طُلب دمك فقد طلب دمي .

فلما جاء الإسلام أقرّ الأول والثالث فقط ، وجعل الميراث للصغير والكبير على حد سواء ، وورّث المرأة . وقد أقر الثالث بقوله تعالى : { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون } ، كما أبطل التبني بحكم { وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ } .

فنظام الميراث الذي بينه القرآن نظام عادل معقول ، اعترف بذلك عظماء علماء القانون في أوروبا . وقد اتبع فيه الإسلام النظم الآتية :

جعل التوريث بتنظيم الشارع لا بإرادة المالك . وجعل للمالك حرية الوصية من ثلث ماله ، وفي ذلك عدالة عظمى ، وتوزيع مستقيم .

جعل للشارع توزيع بقية الثلثين للأقرب فالأقرب ، من غير تفرقةٍ بين صغير وكبير ، فكان الأولاد أكثر حظاً من غيرهم في الميراث ، لأنهم امتداد لشخص المالك . ويشاركهم في ذلك الأبوان والجدة والجد ، لكن نصيبهم أقل من الأولاد . وذلك لأن الأولاد محتاجون أكثر من الأبوين والجدّين . . فهم مقبلون على الحياة ، فيما الآباء و الأجداد مدْبرون عنها . وتلك حكمة بالغة .

جعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل ، ليحفظ التوازن بين أعباء الرجل وأعباء الأنثى في التكوين العائلي . فالرجل يتزوج امرأة ويكلَّف بإعالتها هي وأبنائها منه ، كما أنه مكلف أيضا بإخوانه ووالدته وغيرهما من الأرحام .

أما المرأة فإنها تقوم بنفسها فقط . والقاعدة تقول : «الغُنم بالغرم » ، ومن ثم يبدو التناسق في التكوين العائلي والتوزيع الحكيم في النظام الإسلامي .

يتجه الشرع الإسلامي في توزيعه للتركة إلى التوزيع دون التجميع ، فهو لم يجعلها للولد البكر كما في النظام الانجليزي ، ولا من نصيب الأولاد دون البنات ، ولم يحرم أحداً من الأقارب ، فالميراث في الإسلام يمتد إلى ما يقارب القبيلة . وقاعدته : الأقربُ فالأقرب . وقد كرّم المرأة فورّثها وحفظ حقوقها . ثم إنه لم يمنع قرابة المرأة من الميراث ، بل ورّث القرابة التي يكون من جانبها ، كما ورث التي تكون من جانب الأب ، فالإخوة والأخوات لأمٍ يأخذون عندما يأخذ الأشقاء . وفي بعض الحالات يأخذ أولاد الأخ ويأخذ الإخوة والأخوات .

وهذا تكريم للأمومة لا شك فيه واعتراف بقرابتها .

التفسير :

{ يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ . . . الآية } يأمركم الله تعالى في شأن توريث أولادكم أن يكون : للذَّكر مثلُ حظ الأنثَيين . وإذا كان المولود أنثى واحدة فنصيبها النصف ، والباقي لأقارب المتوفى ، وإذا انعدم الأقارب رُدَّت التركة إلى بيت المسلمين .

وإذا كانت الوارثات بنتَين فأكثر فمن حقهن أن يأخذن ثلثي التركة ، ويكون الباقي للأقارب أو بيت المال . ولا يرث الكافر ، ولا القاتل عمدا ، ولا العبد الرقيق .

وعند الشيعة الأمامية : تأخذ البنت أو البنتان فأكثر جميع التركة ، ونصيب كل من الأبوين السدس إذا كان الميت له ولد . وإذا كان لم يخلّف الميت أولادا وورثه أبواه أخذت الأم الثلث وكان الباقي للأب .

وإذا مات الميت وترك أباً وأماً وعددا من الإخوة فلأُمه السدس والباقي للأب ، إذ أن الإخوة يحجبون الأم وينقصون ميراثها ولا يرثون . وقال ابن عباس : يأخذون السدس ، ولكن هذا مخالف للجمهور .

وكل هذه القسمة من بعد تنفيذ الوصية إذا أوصى الفقيد ، ومن بعد سداد الدَّين إذا وُجد ، والدَّين مقدَّم على الوصية بإجماع العلماء .

هذه فريضة من الله يجب إتباعها ، أما أنتم فلا تدرون أي الفريقين أقرب لكم نفعاً : آباؤكم أو أبناؤكم ، فلا تجرموا أحدا ممن له نصيب من التركة . فالله هو العليم بمصالحكم الحكيم فيما فرض عليكم .

قراءات :

قرأ حمزة والكسائي «فلإمه » بكسر الهمزة . وهي الآن لغة بعض البلاد الشامية .

وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر «يوصى » بفتح الصاد .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءٗ فَوۡقَ ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَۖ وَإِن كَانَتۡ وَٰحِدَةٗ فَلَهَا ٱلنِّصۡفُۚ وَلِأَبَوَيۡهِ لِكُلِّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٞۚ فَإِن لَّمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٞ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخۡوَةٞ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍۗ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ لَا تَدۡرُونَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ لَكُمۡ نَفۡعٗاۚ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا} (11)

شرح الكلمات :

{ يوصيكم } : يعهد إليكم .

{ في أولادكم } : في شأن أولادكم والولد يطلق على الذكر والأنثى .

{ حظ } : الحظ الحصة أو النصيب .

{ نساء } : بنات كبيرات أو صغيرات .

{ ثلثا ما ترك } : الثلث واحد من ثلاثة ، والثلث أن اثن أن من ثلاثة .

{ السدس } : واحد من ستة .

{ أن كان له ولد } : ذكراً كان أو أنثى ، أو كان له وَلَدُ وَلَدٍ أيضا ذكراً أو أنثى فالحكم واحد .

{ فإن كان له إخوة } : اثن أن فأكثر .

{ من بعد وصية } : أي يَخْرُجُ الدين ثم الوصية ويقسم الباقي على الورثة .

{ فريضة } : فرض الله ذلك عليكم فريضة .

{ عليما حكيما } : عليما بخلقه وما يصلح لهم ، حكيما في تصرفه في شؤون خلقه وتدبيره لهم .

المعنى :

هذه الآية الكريمة ( 11 ) { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } الخ والتي بعدها ( 12 ) وهي قوله تعالى { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } إلخ نزلت لتفصيل حكم الآية ( 7 ) والتي تضمنت شرعية التوارث بين الأقارب المسلمين ، فالآية الأو لى ( 11 ) يسن تعالى فيها توارث الأبناء مع الآباء فقال تعالى { يوصيكم الله في أولادكم } أي في شأن أولادكم { للذكر مثل حظ الانثيين } يريد إذا مات الرجل وترك أولاداً ذكرا وإناثا فإن التركة تقسم على أساس أن للذكر مثل نصيب الأنثيين فلو ترك ولداً وبنتاً وثلاثة دنانير فإن الولد يأخذ دينارين والبنت تأخذ دينارً و أن ترك بنات أثنتين أو أكثر ولم يترك معهن ذكراً فإن للبنتين فأكثر الثلثين والباقي للعصبة إذ قال تعالى { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } . و أن ترك بنتاً فإن لها النصف والباقي للعصبة وهو معنى قوله تعالى { و أن كانت واحدة فلها النصف } ، و أن كان الميت ق ترك أبويه أي أمه وأباه وترك أولاداً ذكوراً أو إناثاً فإن لكل واحد من أبويه السدس والباقي للأولاد ، وهو معنى قوله تعالى : { ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك أن كان له ولد } ، يريد ذكراً كان أو أنثى . فإن لم يكن للهالك وُلِدٌ ولاَ وَلَدْ وَلَدٍ فلأمه الثلث و أن كان له أخوة اثن أن فأكثر فلأمه السدس ، هذا معنى قوله تعالى { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } . أي تسقط من الثلث إلى السدس وهذا يسمى بالحجب فجبها إخوة ابنها الميت من الثلث إلى السدس . وقوله تعالى { من بعد وصية يوصي بها أو دين } يريد أن قسمة التركة على النحو الذي بين تعالى يكون بعد قضاء دين الميت وإخراج ما أو صى به أن كان الثلث فأقل وهو معنى قوله تعالى { من بعد وصية يوصى بها أو دين } . وقوله تعالى { آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً } معناه نفذوا هذه الوصية المفروضة كما علمكم الله ولا تحأو لوا أن تفضلوا أحداً على أحد فإن هؤلاء الوارثين آباؤكم وبناؤكم ولا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً في الدنيا والآخرة .

ولذا فاقسموا التركة كما علمكم بلا محاباة فإن الله تعالى هو القاسم والمعطى عليم بخلقه وبما ينفعهم أو يضرهم حكيم في تدبيره لشؤونهم فليفوض الأمر إليه ، وليرض بقسمته فإنها قسمة عليم حكيم .

الهداية الكريمة

من الهداية الكريمة :

- أن الله تعالى تولى قسمة التركات بنفسه فلا يحل لأحد أن يغير منها شيئاً .

- الاثن أن يعتبر أن جمعا .

- ولد الولد حكمه حكم الولد نفسه في الحجب .

- الأب عاصب فقد يأخذ فرضه مع أحاب الفرائض وما بقي يرثه بالتعصيب لقوله صلى الله عليه وسلم " ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فالأو لى رجل ذكر " .