الابتلاء : الاختبار والامتحان .
المصيبة : كل ما يؤذي الانسان في نفسه أو ماله أو أهله .
الصلاة من الله للفرد : التعظيم للإنسان وإعلاء منزلته .
والرحمة منه : اللطف بما يكون من حسن العزاء .
هذا إخبار من الله تعالى للمسلمين أنه مبتليهم بشدائد من الأمور ليُعلم من يتّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ، وسيمتحنهم بشيء من الخوف من العدو ، والجوع من القحط ، ليختبرهم أيضاً . يومئذ تنقص أموالكم ، وتكون حروب بينكم وبين الكفار ، وتقع جدوب تنقص فيها ثماركم ، ويومئذ يتبين الصادقون منكم في إيمانهم من الكاذبين فيه ، ويُعرف أهل البصائر في دينهم منكم من أهل النفاق فيه . ولن يعصمكم في هذا الامتحان القاسي إلا الصبر . ولذلك بشّر يا محمد ، الصابرين على امتحاني ، والحافظين أنفسهم عن الإقدام على مخالفة أوامري ، والذين يؤدون فرائضي مع ابتلائي إياهم ،
{ ولنبلونكم } أي : نختبركم ، وحيث ما جاء الاختبار في حق الله فمعناه أن يظهر في الوجود ما في علمه لتقوم الحجة على العبد وليس كاختبار الناس بعضهم بعضا ، لأن الله يعلم ما كان وما يكون والخطاب بهذا الابتلاء للمسلمين ، وقيل : لكفار قريش ، والأول أظهر لقوله بعد هذا :{ بشيء من الخوف } من الأعداء .
{ ونقص من الأموال } بالخسارة .
{ والأنفس والثمرات } بالجوائح ، وقيل : ذلك كله بسبب الجهاد .
ولما كان من شأن الطين الذي منه البشر وما تولد منه أنه لا يخلص عن الشوائب إلا بعد معاناة شديدة ، ألا ترى أن الذهب أصفاه وهو لا يخلو عن الغش ولا يعرى عما خالطه من الدنس إلا بالامتحان بشديد النيران ! قال تعالى معلماً لهم بالتربية بما تحصل به التصفية بما تؤدي{[5771]} إليه مناصبة الكفار ومقارعة أهل دار البوار : { ولنبلونكم } عطفاً على ما أرشد إليه التقدير من نحو قوله : فلنأمركم بمقارعة كل {[5772]}من أمرناكم{[5773]} من قبل بمجاملته{[5774]} وليتمالأن عليكم أهل الأرض ولنبلونكم {[5775]}أي يصيبكم{[5776]} بأشياء{[5777]} إصابة تشبه{[5778]} فعل المختبر لأحوالكم ليظهر الصابر من الجزع{[5779]} . قال الحرالي{[5780]} : فالصبر الأول أي في { أن الله مع الصابرين } عن الكسل وعلى العمل ، والصبر الثاني أي في { وبشر الصابرين } على مصائب الدنيا ، فلذلك انتظم بهذه الآيات آية { ولنبلونكم } عطفاً وتجاوزاً لأمور يؤخذ بها من {[5781]}لم يجاهد{[5782]} في سبيل الله ضعفاً عن صبر النفس عن كره القتال
{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القتال وهو كره لكم{[5783]} }[ البقرة : 216 ] فمن لم يحمل الصبر الأول على الجهاد أخذ بأمور هي بلايا في باطنه تجاوزها الخطاب فانعطف عليها { ولنبلونكم بشيء من الخوف } وهو حذر النفس من أمور ظاهرة تضرها { والجوع } وهو غلبة الحاجة إلى الغذاء على{[5784]} النفس حتى تترامى لأجله فيما لا تتأمل عاقبته ، فإذا كان على غير غلبة مع حاجة فهو الغرث{[5785]} ، فلذلك في الجوع بلاء مّا والغرث{[5786]} عادة جارية . وقال أيضاً : الجوع فراغ الجسم عما به قوامه كفراغ النفس عن الأمنة التي لها قوام مّا ، فأفقدها القوامين في ذات نفسها بالخوف وفي بدنها بالجوع لما لم تصبر على كره الجهاد ، وقد كان ذلك لأهل الصبر عليه أهون من الصبر على الخوف والجوع ، وإنما كان أول نائلهم من هذا الابتلاء{[5787]} الخوف حيث خافوا الأعداء على أنفسهم فجاءهم إلى مواطنهم ، من لم يمش إلى طبيبه ليستريح جاء الطبيب لهلاكه ، وشتان بين خوف الغازي للعدو في عقره وبين خوف المحصر{[5788]} في أهله ، وكذلك{[5789]} شتان بين أرزاق المجاهد وتزويده{[5790]} وخير الزاد التقوى في سبيله لجهاده وبين جوع المتخلف في عيلته - انتهى{[5791]} . {[5792]}ونكر الشيء وما بعده حثاً على الشكر بالإشارة إلى أن كل ما أصاب منها ففي قدرة الله ما هو أعظم منه ، فعدم الإصابة به نعمة .
ولما كان الجوع قد يكون عن رياضة بين أنه عن حاجة بقوله : { ونقص } وهو التقاصر عن الكفاف { من الأموال } أي النعم التي كانت منها أغذيتهم . قال الحرالي : لأن ذلك عرف استعمالهم في لفظ المال . وقال أيضاً : والمال{[5793]} ما هو للمتمول بمنزلة الجزء{[5794]} منه عنده لماله لذلك منه ، فضاعف تعالى مثال{[5795]} البلاء في ذوات أنفسهم وأبدانهم ليقطع عنهم راحة تطلع الكفاية من الأموال في مقابلة ما ينال المجاهد من الغناء والرزق ، فالمجاهد آمن في جيشه متزود في رحله غانم من عدوه ، والمتخلف خائف في أهله جائع في عيلته ناقص المال من ذات يده - انتهى .
ولما كان ذلك قد يكون عن إفراط في الكثرة قال : { والأنفس }{[5796]} قال الحرالي : فيه إشعار بأن من جاهد كثر عدده{[5797]} ونما ولده ، وأن من تكاسل قل عدده ودرج خلفه ، وفي ضمنه إشعار بمنال{[5798]} المتكاسل{[5799]} حواصد{[5800]} من جوارف الآجال{[5801]} من الوباء والطاعون وغيره - انتهى . وقال : { والثمرات }{[5802]} التي هي أنفس الأشجار التي بها قوام أنفس الأبدان تخصيصاً لها بالذكر ، لأنها أعظم أموال الأنصار الذين هم من{[5803]} أخص الناس بهذا الذكر لا سيما في وقت نزول هذه الآيات وهو أول زمان الهجرة .
ولما كان السياق مرشداً إلى أن التقدير : فأنذر من لم يصبر ، ولكنه طوى إشارة إلى إجلال الذين آمنوا عن أن يكون فيهم من لم يصبر عطف عليه إرشاداً إليه وحثاً على الصبر ثم الذكر الموجبين للنصر قوله : { وبشر الصابرين } وقال الحرالي : ولما كان هذا البلاء عن تكاسل من الصبر الأول كما قال تعالى :{ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم{[5804]} }[ الرعد : 11 ] وكان مما{[5805]} يتداركه صبر عليه تدارك تعالى هذه الرتبة ببشرى{[5806]} الصابرين من هلكه ما ينال من لم يصبر على هذه المصيبة وضجر منها وتسخط فيها{[5807]} ، فكان للصابر الأول الصحبة بقوله : { إن الله مع الصابرين } .