تثبيثا من أنفسهم : لتمكين أنفسهم من مراتب الإيمان والإحسان .
الربوة : المكان المرتفع من الأرض .
آتت أُكلها : أثمرت وأعطت إنتاجها الجيد .
بعد أن ذكر سبحانه حال الذين ينفقون أموالهم رياء ، ثم يمنِّنون ويؤذون من أحسنوا إليهم ، ذكر في هذه الآية الكريمة حال المؤمنين الصادقين الذين ينفقون أموالهم اتبغاء رضوان الله تعالى ، وتمكيناً لأنفسهم في مراتب الإيمان . وقد جعلهم مثلَ بستان في أرض مرتفعة خصبة أصابه مطر جيد كثير فأعطى من الثمرات ضعفين ، وحتى لو جاءه مطر خفيف فإنه يكتفي بذلك المطر .
وهكذا حال المؤمن الجواد المنفق ، إن أصابه خير كثير تصدّق وأنفق بسخاء عن طيب خاطر ، وإن أصابه خير قليل أنفق بقدر ما يستطيع . . فخيره دائم وبره لا ينقطع .
قرأ ابن عامر وعاصم «بربوة » بفتح الراء كما هو هنا والباقون «بربوة » بضم الراء . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «أكلها » بتسكين الكاف .
{ وتثبيتا } أي : تيقنا وتحقيقا للثواب لأن أنفسهم لها بصائر تحملهم على الإنفاق ، ويحتمل أن يكون معنى التثبيت أنهم يثبتون أنفسهم على الإيمان باحتمال المشقة في بذل المال ، وانتصاب ابتغاء على المصدر في موضع الحال وعطف عليه وتثبيتا .
ولا يصح في { تثبيتا } أن يكون مفعولا من أجله ، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت فامتنع ذلك في المعطوف عليه وهو ابتغاء .
{ كمثل حبة } تقديره : كمثل صاحب حبة أو يقدر ولا مثل نفقة الذي ينفقون .
{ بربوة } لأن ارتفاع موضع الجنة أطيب لتربتها وهوائها .
{ فطل } الطل الرقيق الخفيف ، فالمعنى يكفي هذه الجنة لكرم أرضها .
ولما فرغ من مثل العاري عن الشرط ضرب للمقترن بالشرط من الإنفاق مثلاً منبهاً فيه على أن غيره{[12853]} ليس مبتغى به وجه الله فقال : { ومثل } قال الحرالي : عطفاً{[12854]} على{[12855]} { الذي ينفق ماله{[12856]} رئاء الناس{[12857]} } { ولا يؤمن بالله واليوم{[12858]} الآخر } عطف مقابلة{[12859]} {[12860]}وعلى{[12861]} { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } [ البقرة : 261 ] عطف مناسبة - انتهى . { الذين ينفقون أموالهم } أي{[12862]} مثل نفقاتهم {[12863]}لغير علة{[12864]} دنياوية ولا شائبة نفسانية بل{[12865]} { ابتغاء مرضات الله } {[12866]}أي الذي له الجلال والإكرام{[12867]} فلذلك صلح كل الصلاح فعري عن المن والأذى وغيرهما من الشوائب الموجبة للخلل{[12868]} قال الحرالي : والمرضاة مفعلة لتكرر{[12869]} الرضى ودوامه - انتهى . { وتثبيتاً من أنفسهم } بالنظر في إصلاح العمل وإخلاصه بالحمل على الحلم{[12870]} والصفح والصبر على جميع مشاق التكاليف{[12871]} فإن من راض{[12872]} نفسه بحملها{[12873]} على بذل المال الذي هو{[12874]} شقيق الروح وذلت له خاضعة وقل طمعها في اتباعه لشهواتها{[12875]} فسهل{[12876]} عليه حملها على سائر العبادات ، ومتى{[12877]} تركها وهي مطبوعة{[12878]} على النقائص{[12879]} زاد طمعاً{[12880]} في اتباع الشهوات ولزوم الدناءات ، فمن للتبعيض مفعول به مثلها في قولهم : لين من{[12881]} عطفه{[12882]} وحرك{[12883]} من نشاطه { كمثل جنة } أي بستان ومثل صاحبها . قال الحرالي : ولما كان حرث الدنيا حباً وثمراً{[12884]} جعل نفقات الأخرى كذلك حباً وتمراً . فمن أنفق في السبيل جعل مثله كالحب ، ومن أنفق ابتغاء لمرضاة{[12885]} الله جعل مثله كالجنة{[12886]} التي لها أصل ثابت تدور عليها الثمرات وهي ثابتة{[12887]} وتستغني{[12888]} من الماء بما{[12889]} لا يستغني به الحرث لأن الحرث مستجد في كل وقت ، كما أن الجهاد واقع عند الحاجة إليه والمنفق ابتغاء مرضاة الله ينفق في كل وجه دائم الإنفاق ، فكان مثله مثل الجنة{[12890]} الدائمة ليتطابق المثلان{[12891]} بالممثولين ، فعمت هذه النفقة{[12892]} جهات الإنفاق كلها في جميع سبل الخير - انتهى .
( بربوة } أي مكان عال ليس بجبل . قال الحرالي : في إعلامه أن خير الجنات ما كان في الربوة لتنالها الشمس وتخترقها الرياح اللواقح ، فأما ما كان من الجنان في الوهاد تجاوزتها الرياح اللواقح من فوقها فضعفت حياتها ، لأن الرياح هي حياة النبات " الريح من نفس الرحمن " انتهى . ثم وصفها بقوله : { أصابها وابل } أي مطر كثير { فأتت أكلها } أي أخرجته بإذن الله {[12893]}سبحانه وتعالى{[12894]} حتى صار في قوة المعطي { ضعفين } أي مثل ما كانت تخرجه لو أصابها دون الوابل - كذا قالوا : مثلين ، والظاهر أن المراد أربعة أمثاله ، لأن المراد بالضعف قدر الشيء ومثله معه فيكون الضعفان أربعة - والله سبحانه وتعالى أعلم ؛ والآية من الاحتباك ، ذكر المنفق أولاً دال على حذف صاحب الجنة ثانياً ، وذكر الجنة ثانياً دال على حذف النفقة أولاً .
ولما كان الوابل قد لا يوجد قال : { فإن لم يصبها وابل فطل } أي فيصيبها لعلوها طل ، وهو الندى الذي ينزل في الضباب . وقال الحرالي : الطل سن{[12895]} من أسنان المطر خفي لا يدركه الحس حتى يجتمع ، فإن المطر ينزل خفياً عن الحس وهو الطل ، ثم يبدو بلطافة وهو الطش{[12896]} ، ثم يقوى وهو الرش ، ثم يتزايد ويتصل وهو الهطل{[12897]} ، ثم يكثر ويتقارب وهو الوابل ، ثم يعظم سكبه وهو الجود ؛ فله أسنان مما لا يناله الحس للطافته إلى ما لا يحمله الحس كثرة{[12898]} - انتهى{[12899]} . والمعنى أن أهل هذا الصنف لا يتطرق إلى أعمالهم فساد ، غايتها أن يطرقها النقص باعتبار ضعف النيات ، ولذلك كان التقدير تسبيباً عن ذلك : فالله بما تستحقون{[12900]} على نياتكم عليم ، فعطف عليه قوله{[12901]} : { والله } {[12902]}أي المحيط علماً وقدرة{[12903]} { بما تعملون } أي بما ظهر منه { بصير * } كما هو كذلك بما بطن ، فاجتهدوا في إحسان الظاهر والباطن . {[12904]}وقدم مثل العاري عن الشرط عليه لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح{[12905]} .