تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (38)

النكال : العقاب ، أو العبرة ، { فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا } [ البقرة : 66 ] .

بعد أن بيّن سبحانه عقاب الذين «يحاربون الله ورسوله » ، وأمر بتقوى الله ، وابتغاء الوسيلة والجهاد في سبيله ، ذكّرنا بعقاب اللصوص السارقين . وقد جمع في هذه الآيات الكريمة بين الوازع الداخلي وهو الإيمان والصلاح ، والوازع الخارجي وهو الخوف من العقاب والنكال .

يا ولاة الأمور ، اقطعوا يد من يسرق مِن الكف إلى الرسغ . وذلك لأن السرقة تحصل بالكف مباشرة . وتُقطع اليد اليمنى أولاً لأن التناول يكون بها في الغالب .

والسرقة هي أخذُ مال الغير المحرَزِ خفيةً ، فلا بد أن يكون المسروق مالاً مقوَّما . والمبلغ المتفق بينَ فقهاء المسلمين على عقوبة سرقته هو ربعُ دينار . ولا بد أن يكون هذا المالُ محفوظاً في دار أو مخزن وأن يأخذه السارق من هناك . فلا قطع مثلاً على المؤتمن على مالٍ إذا سرقه أو أنكره . وكذلك الخادم المأذون له بدخول البيت لا يُقطع فيما يسرق . ولا على المستعير إذا جَحَد العارية . ولا على سارق الثمار في الحقل . ولا على المال خارج البيت أو الصندوق المعد لصيانته .

ولا قطْع حين يسرق الشريكُ من مال شريكه ، ولا على الذي يسرق من بيت مال المسلمين . وعقوبة هؤلاء هي التعزير أو الحبس أو ما يراه القاضي .

والشُبهة تَدرأ الحدَّ ، فشبهة الجوع والحاجة تدرأه ، وشبهة الشركة في المال تدرأه ، ورجوع المعترف وتوبته تدرأ . وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام «إدرأوا الحُدودَ بالشُبُهات » وفي ذلك يقول سيدنا عمر بن الخطاب : «لأَنْ أَعطِّلَ الحدودَ بالشُبهاتِ أحبُّ إليَّ من أن أقيمَها بالشُبُهات » .

والعقوبة هنا على السرقة الصريحة ، أمّا السرقة الضمنية ، كالالتواء في التجارة وسرقة أقوات الشعب بتهريب الأموال إلى خارج دار الإسلام ، فلها أحكام أخرى .

والإسلام يكفل حق كل فرد في الحصول على ضرورات الحياة ، فمن حق كل فرد ( حتى غير المسلم ) الحصولُ على ضرورات الحياة ، أن يأكل ويشرب ويلبس ويكون له بيت يؤويه ، وأن يوفَّر له العمل ما دام قادراً . فإذا تعطَّل لعدم وجود العمل ، أو لعدم قدرته على العمل ، فله الحق بأن تؤمِّن له الدولة الضروري من العيش . فإذا سرق وهو مكفيّ الحاجة ، فإنه لا يُعذر ، ولا ينبغي لأحد أن يرأف به .

فأما حين توجد شُبهة من حاجة أو غيرها ، فالمبدأ العام في الإسلام هو درءُ الحدود بالشُبهات . ولذلك لم يوجِب سيدنا عمر القطعَ في عام الرّمادَة حيث عمَتِ المجاعة . كذلك لم يقطع عندما سرق غلمانُ حاطبٍ بن أَبي بلتعة ناقةً رجل من مزينة ثم تبين للخليفة أن سيِّدهم يتركهم جياعاً .

هكذا يجب أن نفهم الحدودَ في الإسلام : يضع الضمانات للجميع ، ويتخذ أسباب الوقاية قبل العقوبة .

{ والله عزيز حكيم } عزيز في انتقامه من السارق وغيره من أهل المعاصي ، حكيم في وضعه الحدود والعقوبات بما تقتضي المصلحة .

قال الأصمعي : كنت أقرأ سورة المائدة ومعي أعرابي ، فقرأ هذه الآية فقلت «والله غفور رحيم » سهواً . فقال الأعرابي : كلام من هذا ؟ قلت : كلام الله . قال : أعِد ، فأعدت . ثم تنبّهت فقلت «والله عزيز حيكم » . فقال : الآن أصبت ، فقلت : كيف عرفت ؟ قال : يا هذا «عزيز حكيم » فأمَرَ بالقطع ، ولو غفر ورحم لما أمر به . فقد فهم الأعرابي أن مقتضى العزة والحكمة غير مقتضى المغفرة والرحمة .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (38)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}، يعني أيْمانهما من الكرسوع، يقول: القطع {جزاء بما كسبا}، يعني سرقا، {نكالا من الله}: عقوبة من الله قطع اليد، {والله عزيز حكيم}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

من سرق من رجل أو امرأة، فاقطعوا أيها الناس يده. ولذلك رفع السارق والسارقة، لأنهما غير معينين، ولو أريد بذلك سارق وسارقة بأعيانهما لكان وجه الكلام النصب. وقد رُوي عن عبد لله بن مسعود أنه كان يقرأ ذلك: «والسارقون والسارقات».

"فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما" والمعنى أيديهما اليمنى... في قراءة عبد الله: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما».

ثم اختلفوا في السارق الذي عناه الله؛

فقال بعضهم: عني بذلك سارق ثلاثة دراهم فصاعدا، وذلك قول جماعة من أهل المدينة، منهم مالك بن أنس ومن قال بقوله. واحتجوا لقولهم ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم «قطع في مجنّ قيمته ثلاثة دراهم».

وقال آخرون: بل عنى بذلك: سارق ربع دينار أو قيمته. وممن قال ذلك الأوزاعي ومن قال بقوله. واحتجوا لقولهم ذلك بالخبر الذي رُوي عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القَطْعُ في رُبْعِ دينارٍ فَصَاعِدا».

وقال آخرون: بل عنى بذلك سارق عشرة دراهم فصاعدا. وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه. واحتجوا في ذلك بالخبر الذي رُوي عن عبد الله بن عمر وابن عباس، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم «قطع في مجنّ قيمته عشرة دراهم».

وقال آخرون: بل عني بذلك سارق القليل والكثير. واحتجوا في ذلك بأن الآية على الظاهر، وأنه ليس لأحد أن يخصّ منها شيئا إلاّ بحجة يجب التسليم لها. وقالوا: لم يصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بأن ذلك في خاصّ من السّرّاق. قالوا: والأخبار فيما قَطَع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربة مختلفة، ولم يرو عنه أحد أنه أُتِي بسارق درهم فخلّى عنه، وإنما رووا عنه أنه قطع في مجنّ قيمته ثلاثة دراهم. قالوا: وممكن أن يكون لو أتى بسارق ما قيمته دانق أن يقطع. قالوا: وقد قطع ابن الزبير في درهم. ورُوي عن ابن عباس أنه قال: الآية على العموم.

والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال: الآية معنيّ بها خاصّ من السراق، وهو سراق ربع دينار فصاعدا أو قيمته، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القَطْعُ في رُبعِ دِينَارٍ فصَاعِدا». وقد استقصيت ذكر أقوال المختلفين في ذلك مع عللهم التي اعتلوا بها لأقوالهم، والتلميح عن أوْلاها بالصواب بشواهده في كتابنا "كتاب السرقة". "جَزَاءً بِمَا كَسَبا نَكالاً مِنَ اللّهِ": مكافأة لهما على سرقتهما وعملهما في التلصص بمعصية الله.

"نَكَالاً مِنَ الله": عقوبة من الله على لصوصيتهما. عن قتادة: لا تَرْثُوا لهم أن تقيموا فيهم الحدود، فإنه والله ما أمر الله بأمر قطّ إلاّ وهو صلاح، ولا نهى عن أمر قطّ إلاّ وهو فساد.

" وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكيمٌ": والله عزيز في انتقامه من هذا السارق والسارقة وغيرهما من أهل معاصيه، حكيم في حكمه فيهم وقضائه عليهم. يقول: فلا تفرطوا إيها المؤمنون في إقامة حكمي على السارق وغيرهم من أهل الجرائم الذين أوجبت عليهم حدودا في الدنيا عقوبة لهم، فإني بحكمي قضيت ذلك عليهم، وعلمي بصلاح ذلك لهم ولكم.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

فإن قيل لنا إيش الحكمة في إقامة الحد في السرقة على ما به تكتسب السرقة، وهو اليد؟ ولم يقم الحد في سائر الحدود في ما به كان اكتسابها من نحو القصاص [في الزنى] وغيره: إنه إذا قتل [فلان] آخر لا تقطع يده، وبها كان اكتساب القتل، وكذا الزنى لم يقم الحد إلا ما به كان الزنى، بل أقيم على غير ما به كان ذلك الفعل؟ وفي السرقة أقيم على ما به كان ذلك الفعل خاصة؟. قيل، والله أعلم، لخلتين: إما لقصور في الاستيفاء من الحق أو لخوف الزيادة في الاستيفاء على الحق لأنه إذا قتل، أو قطعت يده، بقيت له النفس، وقد تتلف نفس الآخر، فكان في ذلك قصور في استفاء الحق. وفي الزنى لو أقيم به على الذي كان اكتساب الفعل لخيف تلف نفسه به، فكان في ذلك استيفاء الزيادة على الحق. وأما السرقة فإنه أمكن استيفاء الحق مما كان به اكتسابها على غير قصور يقع في الاستيفاء ولا خوف الزيادة في الاستيفاء. لذلك كان ما ذكر، والله أعلم. فإن قيل: ما الحكمة في يد قيمتها ألوف بسرقة عشرة؟ وذلك مما لا يماثله في الظاهر، وقد أخبر أن {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} [الأنعام: 160 وغافر: 40] كيف جزى هذا بأضعاف ذلك؟ قيل: لهذا جوابان: أحدهما: أن جزاء الدنيا محنة، يمتحن عباده بأنواع المحن ابتداء على غير جعل ذلك جزاء لكسب يكتسب. فمن له الامتحان بأنواع المحن على غير جعلها جزاء الشيء كان له الامتحان بأن يجعل ما يساوي ألوفا فلسا أو حبة. وبالله العصمة والنجاة. والثاني: أن ليس القطع في السرقة جزاء ما أخذ من المال، ولكنه جزاء ما هتك من الحرمة. ألا ترى أنه قال: {جزاء بما كسبا} ولم يقل بما أخذا من الأموال؟ فيجوز أن يبلغ جزاء هتك تلك الحرمة قطع اليد، وإن قصر علم البشر على ذلك لأن مقادير العقوبات إنما يعرفها من يعرف مقادير الإجرام. وليس أحد من الخلائق يحتمل علمه مبلغ مقادير الإجرام. فإذا لم يحتمل علمهم مبلغ مقادير عقوبات ماذا كان؟ فحق القول فيه الاتباع والتسليم بعد العلم في الاتباع أن الله لا يجزي السيئة إلا مثلها.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

إنما بدأ الله تعالى في السرقة بالسارق قبل السارقة، وفي الزنى بالزانية قبل الزاني، لأن حب المال على الرجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب، ثم جعل حد السرقة قطع اليد لتناول المال بها، ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به، لثلاثة معانٍ: أحدها: أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن انزجر بها اعتاض بالثانية، وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه. والثاني: أن الحد زجر للمحدود وغيره، وقطع اليد في السرقة ظاهر، وقطع الذكر في الزنى باطن، والثالث: أن في قطع الذكر إبطال النسل وليس في قطع اليد إبطاله...

جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :

- يرتب الحكم على الفعل بفاء التعقيب والتسبيب فهو تنبيه على الحكم بالفعل الذي رتب عليه، كقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} فدل ذلك على أن القطع معلل بالسرقة، وأنها سببه. [نفسه: 27-28].

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وأخذ ملك الغير يتنوع بحسب قرائنه؛ فمنه الغصب وقرينته علم المغصوب منه وقت الغصب أو علم مشاهد غيره، ومنه الخيانة وقرينتها أن الخائن قد طرق له إلى المال بتصرف ما، ومنه السرقة وقرائنها أن يؤخذ مال لم يطرق إليه على غير علم من المسروق ماله وفي خفاء من جميع الناس فيما يرى السارق، وهذا هو الذي يجب عليه القطع وحده من بين أخذة الأموال لخبث هذا المنزع وقلة العذر فيه، وحاط الله تعالى البشر على لسان نبيه بأن القطع لا يكون إلا بقرائن، منها الإخراج من حرز، ومنه القدر المسروق على اختلاف أهل العلم فيه، ومنها أن يعلم السارق بتحريم السرقة، وأن تكون السرقة فيما يحل ملكه، فلفظ {السارق} في الآية عموم معناه الخصوص...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

في اتصال الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنه تعالى لما أوجب في الآية المتقدمة قطع الأيد والأرجل عند أخذ المال على سبيل المحاربة، بين في هذه الآية أن أخذ المال على سبيل السرقة يوجب قطع الأيدي والأرجل أيضا، والثاني: أنه لما ذكر تعظيم أمر القتل حيث قال: {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} ذكر بعد هذا الجنايات التي تبيح القتل والإيلام، فذكر أولا: قطع الطريق، وثانيا: أمر السرقة...

{والله عزيز حكيم}: عزيز في انتقامه، حكيم في شرائعه وتكاليفه...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كانت السرقة من جملة المحاربة والسعي بالفساد، وكان فاعلها غير متقٍ ولا متوسل، عقب بها فقال: {والسارق} الآخذ لما هو في حرز خفيةً لكونه لا يستحقه {والسارقة} أي كذلك؛ ولما كان التقدير: وهما مفسدان، أو حكمهما فيما يتلى عليكم، سبب عنه قوله: {فاقطعوا} وال -قال المبرد- للتعريف بمعنى: الذي، والفاء للسبب كقولك: الذي يأتيني فله كذا كذا درهم {أيديهما} أي الأيامن من الكوع إذا كان المأخوذ ربع دينار فصاعداً من حرز مثله من غير شبهة له فيه -كما بين جميع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم- ويرد مع القطع ما سرقه؛ ثم علل ذلك بقوله: {جزاء بما كسبا} أي فعلا من ذلك، وإدالته على أدنى وجوه السرقة وقاية للمال وهواناً لها للخيانة، وديتها إذا قطعت في غير حقها خمسمائة دينار وقاية للنفس من غير أن ترخصها الخيانة، ثم علل هذا الجزاء بقوله: {نكالاً} أي منعاً لهما كما يمنع القيد {من الله} أي الذي له جميع العظمة فهو المرهوب لكل مربوب، وأعاد الاسم الأعظم تعظيماً للأمر فقال: {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال {عزيز} أي في انتقامه فلا يغالبه شيء {حكيم} أي بالغ الحكم والحكمة في شرائعه، فلا يستطاع الامتناع من سطوته ولا نقض شيء يفعله، لأنه يضعه في أتقن مواضعه.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

المحاربون المفسدون في الأرض يأكلون أموال الناس بالباطل جهرة، وينتزعونها منهم عنوة، واللصوص يأكلونها كذلك ولكنهم يأخذونها خفية، فلما بين الله تعالى عقاب أولئك، وأمر بالتقوى وابتغاء الوسيلة والجهاد في سبيل الله – وهي الأعمال التي يكمل بها الإيمان، وتتهذب بها النفوس حتى تنفر من الحرام، -بين عقاب هؤلاء أيضا، جمعا بين الوازع النفسي وهو الإيمان والصلاح، والوازع الخارجي وهو الخوف من العقاب والنكال، فقال عز من قائل: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} أي والسارق والسارقة مما يتلى عليكم حكمهما، ويبين لكم حدهما، كما بين لكم حد المفسدين في الأرض مثلهما، فاقطعوا أيديهما، أو التقدير: وكل من السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، كما تقطعون أيدي المحاربين إذا سلبا المال مثلهما. والمراد قطع يد كل منهما، أي إذا سرق الذكر تقطع يده، وإذا سرقت الأنثى تقطع يدها، وإنما جمع اليد ولم يقل يديهما لأن فصحاء العرب يستثقلون إضافة المثنى إلى ضمير التثنية، أي الجمع بين تثنيتين. ومثله قوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} (التحريم: 4) والوصف هنا متضمن لمعنى الشرط فقرن خبره بالفاء على الأظهر.

وقد صرح بأن هذا الحد على الرجال والنساء كما صرح بذلك في حد الزنا لأن كلا من الذنبين يقع من كل منهما، فأراد الله زجر كل منهما بتلاوة القرآن، وإن كانت الأحكام الشرعية مشتركة بينهما عند الإطلاق، وتغليب وصف الذكورة وضمائرها في الكلام، إلا ما خص الشرع الرجال، كالإمامة والقتال. والمتبادر من إطلاق اليد أنها الكف إلى الرسغ، ولهذا قال في آية الوضوء {وأيديكم إلى المرافق} [المائدة:6] وإنما تقع السرقة بالكف مباشرة، والساعد والعضد يحملان الكف كما يحملها معها البدن، فيقال إن اليد لا تعمل إلا بهما. ولهذا المعنى- وهو إيقاع العذاب على العضو المباشر للجريمة – قالوا إن اليمنى هي التي تقطع، لأن التناول يكون بها إلا ما شذ.

{جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ} هذا تعليل للحد، أي اقطعوا أيديهما جزاء لهما بعملهما وكسبهما السيئ، ونكالا وعبرة لغيرهما. فالنكال مأخوذ من النكل وهو (بالكسر) قيد الدابة.؟ ونكل عن الشيء عجز أو امتنع لمانع صرفه عنه. فالنكال هنا ما ينكل الناس ويمنعهم أن يسرقوا. ولعمر الحق أن قطع اليد الذي يفضح صاحبه طول حياته ويسمه بميسم الذل والعار هو أجدر العقوبات بمنع السرقة وتأمين الناس على أموالهم، وكذا على أرواحهم، لأن الأرواح كثيرا ما تتبع الأموال، إذا قاوم أهلها السرقة عند العلم بهم {وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فهو غالب على أمره، حكيم في صنعه وفي شرعه، فهو يضع الحدود والعقوبات بحسب الحكمة التي توافق المصلحة...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وفي نهاية هذا الدرس يرد حكم السرقة:

(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا -نكالا من الله- والله عزيز حكيم. فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه، إن الله غفور رحيم. ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض، يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، والله على كل شيء قدير)..

إن المجتمع المسلم يوفر لأهل دار الإسلام -على اختلاف عقائدهم- ما يدفع خاطر السرقة عن كل نفس سوية.. إنه يوفر لهم ضمانات العيش والكفاية. وضمانات التربية والتقويم. وضمانات العدالة في التوزيع. وفي الوقت ذاته يجعل كل ملكية فردية فيه تنبت من حلال؛ ويجعل الملكية الفردية وظيفة اجتماعية تنفع المجتمع ولا تؤذيه.. ومن أجل هذا كله يدفع خاطر السرقة عن كل نفس سوية.. فمن حقه إذن أن يشدد في عقوبة السرقة، والاعتداء على الملكية الفردية، والاعتداء على أمن الجماعة.. ومع تشديده فهو يدرأ الحد بالشبهة؛ ويوفر الضمانات كاملة للمتهم حتى لا يؤخذ بغير الدليل الثابت..

ولعله من المناسب أن نفصل شيئا في هذا الإجمال..

إن النظام الإسلامي كل متكامل، فلا تفهم حكمة الجزئيات التشريعية فيه حق فهمها إلا أن ينظر في طبيعة النظام وأصوله ومبادئه وضماناته. كذلك لا تصلح هذه الجزئيات فيه للتطبيق إلا أن يؤخذ النظام كاملا؛ ويعمل به جملة. أما الاجتزاء بحكم من أحكام الإسلام، أو مبدأ من مبادئه، في ظل نظام ليس كله إسلاميا، فلا جدوى له؛ ولا يعد الجزء المقتطع منه تطبيقا للإسلام. لأن الإسلام ليس أجزاء وتفاريق. الإسلام هو هذا النظام المتكامل الذي يشمل تطبيقه كل جوانب الحياة..

هذا بصفة عامة. أما بالنسبة لموضوع السرقة، فالأمر لا يختلف..

إن الإسلام يبدأ بتقرير حق كل فرد، في المجتمع المسلم في دار الإسلام، في الحياة. وحقه في كل الوسائل الضرورية لحفظ الحياة.. من حق كل فرد أن يأكل وأن يشرب وأن يلبس وأن يكون له بيت يكنه ويؤويه، ويجد فيه السكن والراحة.. من حق كل فرد على الجماعة -وعلى الدولة النائبة عن الجماعة- أن يحصل على هذه الضروريات.. أولا عن طريق العمل -ما دام قادرا على العمل- وعلى الجماعة -والدولة النائبة عن الجماعة- أن تعلمه كيف يعمل، وأن تيسر له العمل، وأداة العمل.. فإذا تعطل لعدم وجود العمل، أو أداته، أو لعدم قدرته على العمل، جزئيا أو كليا، وقتيا أو دائما. أو إذا كان كسبه من عمله لا يكفي لضرورياته. فله الحق في استكمال هذه الضروريات من عدة وجوه: أولا: من النفقة التي تفرض له شرعاعلى القادرين في أسرته. وثانيا على القادرين من أهل محلته. وثالثا: من بيت مال المسلمين من حقه المفروض له في الزكاة. فإذا لم تكف الزكاة فرضت الدولة المسلمة المنفذة لشريعة الإسلام كلها في دار الإسلام، ما يحقق الكفاية للمحرومين في مال الواجدين؛ بحيث لا تتجاوز هذه الحدود، ولا تتوسع في غير ضرورة. ولا تجور على الملكية الفردية الناشئة من حلال..

والإسلام كذلك يتشدد في تحديد وسائل جمع المال؛ فلا تقوم الملكية الفردية فيه إلا من حلال.. ومن ثم لا تثير الملكية الفردية في المجتمع المسلم أحقاد الذين لا يملكون؛ ولا تثير أطماعهم في سلب ما في أيدي الآخرين. وبخاصة أن النظام يكفل لهم الكفاية؛ ولا يدعهم محرومين. والإسلام يربى ضمائر الناس وأخلاقهم؛ فيجعل تفكيرهم يتجه إلى العمل والكسب عن طريقة؛ لا إلى السرقة والكسب عن طريقها.. فإذا لم يوجد العمل، أو لم يكف لتوفير ضرورياتهم، أعطاهم حقهم بالوسائل النظيفة الكريمة..

وإذن فلماذا يسرق السارق في ظل هذا النظام؟ إنه لا يسرق لسد حاجة. إنما يسرق للطمع في الثراء من غير طريق العمل. والثراء لا يطلب من هذا الوجه الذي يروع الجماعة المسلمة في دار الإسلام. ويحرمها الطمأنينة التي من حقها أن تستمتع بها. ويحرم أصحاب المال الحلال أن يطمئنوا على مالهم الحلال.

وإنه لمن حق كل فرد في مثل هذا المجتمع، كسب ماله من حلال، لا من ربا، ولا من غش، ولا من احتكار، ولا من أكل أجور العمال، ثم أخرج زكاته، وقدم ما قد تحتاج إليه الجماعة من بعد الزكاة.. من حق كل فرد في مثل هذا النظام أن يأمن على ماله الخاص، وألا يباح هذا المال للسرقات أو لغير السرقات.

فإذا سرق السارق بعد ذلك كله.. إذا سرق وهو مكفي الحاجة، متبين حرمة الجريمة، غير محتاج لسلب ما في أيدي الآخرين، لأن الآخرين لم يغصبوا أموالهم ولم يجمعوها من حرام.. إذا سرق في مثل هذه الأحوال. فإنه لا يسرق وله عذر. ولا ينبغي لأحد أن يرأف به متى ثبتت عليه الجريمة.

فأما حين توجد شبهة من حاجة أو غيرها، فالمبدأ العام في الإسلام هو درء الحدود بالشبهات. لذلك لم يقطع عمر -رضي الله عنه- في عام الرمادة، حينما عمت المجاعة. ولم يقطع كذلك في حادثة خاصة؛ عندما سرق غلمان حاطب بن أبي بلتعة ناقة من رجل من مزينة. فقد أمر بقطعهم؛ ولكن حين تبين له أن سيدهم يجيعهم، درا عنهم الحد؛ وغرم سيدهم ضعف ثمن الناقة تأديبا له..

وهكذا ينبغي أن تفهم حدود الإسلام، في ظل نظامه المتكامل؛ الذي يضع الضمانات للجميع لا لطبقة على حساب طبقة.. والذي يتخذ أسباب الوقاية قبل أن يتخذ أسباب العقوبة. والذي لا يعاقب إلا المعتدين بلا مبرر للاعتداء..

وبعد بيان هذه الحقيقة العامة نستطيع أن نأخذ في الحديث عن حد السرقة..

السرقة هي أخذ مال الغير والمحرز، خفية.. فلا بد أن يكون المأخوذ مالا مقوما.. والحد المتفق عليه تقريبا بين فقهاء المسلمين للمال الذي يعد أخذه من حرزه خفية سرقة هو ما يعادل ربع دينار.. أي حوالي خمسة وعشرين قرشا بنقدنا الحاضر.. ولا بد أن يكون هذا المال محرزا وأن يأخذه السارق من حرزه، ويخرج به عنه.. فلا قطع مثلا على المؤتمن على مال إذا سرقه. والخادم المأذون له بدخول البيت لا يقطع فيما يسرق لأنه ليس محرزا منه. ولا على المستعير إذا جحد العارية. ولا على الثمار في الحقل حتى يؤويها الجرين. ولا على المال خارج البيت أو الصندوق المعد لصيانته.. وهكذا.. ولا بد أن يكون هذا المال المحرز للغير.. فلا قطعحين يسرق الشريك من مال شريكه لأن له فيه شركة فليس خالصا للغير. والذي يسرق من بيت مال المسلمين لا يقطع لأن له نصيبا فيه فليس خالصا للغير كذلك.. والعقوبة في مثل هذه الحالات ليست هي القطع، وإنما هي التعزيز.. [والتعزيز عقوبة دون الحد، بالجلد أو بالحبس أو بالتوبيخ أو بالموعظة في بعض الحالات التي يناسبها هذا حسب رأي القاضي والظروف المحيطة].

والقطع يكون لليد اليمنى إلى الرسغ. فإذا عاد كان القطع في الرجل اليسرى إلى الكعب وهذا هو القدر المتفق عليه في القطع.. ثم تختلف بعد ذلك آراء الفقهاء عند الثالثة والرابعة.

والشبهة تدرأ الحد.. فشبهة الجوع والحاجة تدرأ الحد. وشبهة الشركة في المال تدرأ الحد. ورجوع المعترف في اعترافه -إذا لم يكن هناك شهود- شبهة تدرأ الحد. ونكول الشهود شبهة.. وهكذا..

ويختلف الفقهاء فيما يعدونه شبهة. فأبو حنيفة مثلا يدرأ الحد في سرقة ما هو مباح الأصل -حتى بعد إحرازه- كسرقة الماء بعد إحرازه، وسرقة الصيد بعد صيده، لأن كليهما مباح الأصل. وإباحة الأصل تورث شبهة في بقائه مباحا بعد إحرازه. والشركة العامة فيه تورث شبهة في بقاء الشركة بعد الإحراز.. بينما مالك والشافعي وأحمد لا يدرأون الحد في مثل هذه الحالة. ويدرأ أبو حنيفة الحد في سرقة كل ما يسارع إليه الفساد، كالطعام الرطب والبقول واللحم والخبز وما أشبه. ويخالفه أبو يوسف ويأخذ برأي الثلاثة.

ولا نملك أن نمضي في تفصيل اختلافات الفقهاء في هذا المجال، فتطلب في كتب الفقه؛ وحسبنا هذه الأمثلة للدلالة على سماحة الإسلام وحرصه على ألا يأخذ الناس بالشبهات.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ادرأوا الحدود بالشبهات "وعمر ابن الخطاب يقول: "لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات"..

ولكن لا بد من كلمة في ملاءمة عقوبة القطع في السرقة؛ بعد بيان موجبات التشدد في أخذ السارق بالحد، في المجتمع المسلم في دار الإسلام؛ بعد توافر أسباب الوقاية وضمانات العدالة..

وعلة فرض عقوبة القطع للسرقة أن السارق حينما يفكر في السرقة إنما يفكر في أن يزيد كسبه بكسب غيره. فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال، ويريد أن ينميه من طريق الحرام. وهو لا يكتفي بثمرة عمله، فيطمع في ثمرة عمل غيره. وهو يفعل ذلك ليزيد من قدرته على الإنفاق أو الظهور، أو ليرتاح من عناء الكد والعمل. أو ليأمن على مستقبله. فالدافع الذي يدفع إلى السرقة ويرجع إلى هذه الاعتبارات هو زيادة الكسب أو زيادة الثراء.. وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع. لأن قطع اليد أو الرجل يؤدي إلى نقص الكسب، إذ اليد والرجل كلاهما أداة العمل أيا كان. ونقص الكسب يؤدي إلى نقص الثراء. وهذا يؤدي إلى نقص القدرة على الإنفاق وعلى الظهور، ويدعو إلى شدة الكدح وكثرة العمل، والتخوف الشديد على المستقبل.

فالشريعة الإسلامية بتقريرها عقوبة القطع دفعت العوامل النفسية التي تدعو لارتكاب الجريمة بعوامل نفسية مضادة تصرف عن جريمة السرقة. فإذا تغلبت العوامل النفسية الداعية، وارتكب الإنسان الجريمة مرة كان في العقوبة والمرارة التي تصيبه منها ما يغلب العوامل النفسية الصارفة، فلا يعود للجريمة مرة ثانية.

ذلك هو الأساس الذي قامت عليه عقوبة السرقة في الشريعة الإسلامية. وإنه لعمري خير أساس قامت عقوبة السرقة من يوم نشأة عالمنا حتى الآن...

"وتجعل القوانين الحبس عقوبة السرقة. وهي عقوبة قد أخفقت في محاربة الجريمة على العموم. والسرقة على الخصوص. والعلة في هذا الإخفاق أن عقوبة الحبس لا تخلق في نفس السارق العوامل النفسية التي تصرفه عن جريمة السرقة. لأن عقوبة الحبس لا تحول بين السارق وبين العمل إلا مدة الحبس، وما حاجته إلى الكسب في المحبس وهو موفر الطلبات مكفي الحاجات؟ فإذا خرج من محبسه استطاع أن يعمل وأن يكسب. وكان لديه أوسع الفرص لأن يزيد من كسبه وينمي ثروته، من طريق الحلال والحرام على السواء! واستطاع أن يخدع الناس وأن يظهر أمامهم بمظهر الشريف، فيأمنوا جانبه، ويتعاونوا معه.

فإن وصل في الخاتمة إلى ما يبغي فذلك هو الذي أراد؛ وإن لم يصل إلى بغيته فإنه لم يخسر شيئاً، ولم تفته منفعة ذات بال.

" أما عقوبة القطع فتحول بين السارق وبين العمل، أو تنقص من قدرته على العمل والكسب نقصاً كبيراً؛ ففرصة زيادة الكسب مقطوع بضياعها على كل حال، ونقص الكسب إلى حد ضئيل أو انقطاعه هو المرجح في أغلب الأحوال، ولن يستطيع أن يخدع الناس أو يحملهم على الثقة به والتعاون معه رجل يحمل أثر الجريمة في جسمه، وتعلن يده المقطوعة عن سوابقه. فالخاتمة التي لا يخطئها الحساب أن جانب الخسارة مقطوع به إذا كانت العقوبة القطع؛ وجانب الربح مرجح إذا كانت العقوبة الحبس. وفي طبيعة الناس كلهم -لا السارق وحده- أن لا يتأخروا عن عمل يرجح فيه جانب المنفعة، وألا يقدموا على عمل تتحقق فيه الخسارة.

" وأعجب بعد ذلك ممن يقولون: إن عقوبة القطع لا تتفق مع ما وصلت إليه الإنسانية والمدنية في عصرنا الحاضر. كأن الإنسانية والمدنية أن نقابل السارق بالمكافأة على جريمته، وأن نشجعه على السير في غوايته، وأن نعيش في خوف واضطراب، وأن نكد ونشقى ليستولي على ثمار عملنا العاطلون واللصوص!

" ثم أعجب بعد ذلك مرة ثانية ممن يقولون: إن عقوبة القطع لا تتفق مع ما وصلت إليه الإنسانية والمدنية، كأن المدنية والإنسانية أن ننكر العلم الحديث والمنطق الدقيق؛ وأن ننسى طبائع البشر، ونتجاهل تجارب الأمم؛ وأن نلغي عقولنا، ونهمل النتائج التي وصل إليها تفكيرنا، لنأخذ بما يقوله قائله فلا يجد عليه دليلاً إلا التهويل والتضليل!

" وإذا كانت العقوبة الصالحة حقاً هي التي تتفق مع المدنية والإنسانية، فإن عقوبة الحبس قد حق عليها الإلغاء، وعقوبة القطع قد كتب لها البقاء. لأن الأخيرة تقوم على أساس متين من علم النفس. وطبائع البشر وتجارب الأمم، ومنطق العقول والأشياء. وهي نفس الأسس التي تقوم عليها المدنية والإنسانية. أما عقوبة الحبس فلا تقوم على أساس من العلم ولا التجربة، ولا تتفق مع منطق العقول ولا طبائع الأشياء.

" إن أساس عقوبة القطع هو دراسة نفسية الإنسان وعقليته. فهي إذن عقوبة ملائمة للأفراد، وهي في الوقت ذاته صالحة للجماعة، لأنها تؤدي إلى تقليل الجرائم، وتأمين المجتمع. و ما دامت العقوبة ملائمة للفرد وصالحة للجماعة، فهي أفضل العقوبات وأعدلها".

" ولكن ذلك كله لا يكفي عند بعض الناس لتبرير عقوبة القطع، لأنهم يرونها -كما يقولون- عقوبة موسومة بالقسوة. وتلك حجتهم الأولى والأخيرة. وهي حجة داحضة. فإن اسم العقوبة مشتق من العقاب، ولا يكون العقاب عقاباً إذا كان موسوما بالرخاوة والضعف، بل يكون لعباً أو عبثاً أو شيئاً قريباً من هذا.

فالقسوة لا بد أن تتمثل في العقوبة حتى يصح تسميتها بهذا الاسم "

والله -سبحانه- وهو أرحم الراحمين يقول وهو يشدد عقوبة السرقة:

(فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله..)

فهي تنكيل من الله رادع. والردع عن ارتكاب الجريمة رحمة بمن تحدثه نفسه بها، لأنه يكفه عنها، ورحمة بالجماعة كلها لأنه يوفر لها الطمأنينة.. ولن يدعي أحد أنه أرحم بالناس من خالق الناس، إلا وفي قلبه عمى، وفي روحه انطماس! والواقع يشهد أن عقوبة القطع لم تطبق في خلال نحو قرن من الزمان في صدر الإسلام إلا في آحاد؛ لأن المجتمع بنظامه، والعقوبة بشدتها، والضمانات بكفايتها لم تنتج إلا هذه الآحاد.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

ووجه ذكر السارقة مع السارق دفعُ توهّم أن يكون صيغة التذكير في السارق قيداً بحيث لا يجري حدّ السرقة إلاّ على الرجال، وقد كانت العرب لا يقيمون للمرأة وزناً فلا يجرون عليها الحدود، وهو الدّاعي إلى ذكر الأنثى في قوله تعالى في سورة البقرة: (178) {الحُرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} وقد سرقت المخزوميّة في زمن رسول الله فأمر بقطع يدها وعظم ذلك على قريش، فقالوا: من يشفع لها عند رسول الله إلاّ زيد بن حارثة، فلمّا شفع لها أنكر عليه وقال: أتشفع في حدّ من حدود الله، وخطب فقال: إنّما أهلك الّذين من قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه وإذا سرق الضّعيف قطعوه، والله لو أنّ فاطمة سرقت لقطعت يدها.

.. وفي تحقيق معنى السرقة ونصاب المقدار المسروق الموجب للحدّ وكيفية القطع مجال لأهل الاجتهاد من علماء السلف وأيّمة المذاهب وليس من غرض المفسّر. وليس من عادة القرآن تحديد المعاني الشّرعية وتفاصيلها ولكنّه يؤصّل تأوصيلها ويحيل ما وراء ذلك إلى متعارف أهل اللّسان من معرفة حقائقها وتمييزها عمّا يشابهها..

فحكمة مشروعيّة القطع الجزاء على السرقة جزاء يقصد منه الردع وعدم العود، أي جزاء ليس بانتقام ولكنّه استصلاح.

وضَلّ من حسب القطع تعويضاً عن المسروق.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وضرورة الإعلان عن تنفيذ عقوبة الفعل المؤثم من أجل الاعتبار والعظة، فالتشريع ليس من بشر لبشر، إنما تشريع خالق لمخلوق، والخالق هو الذي صنع الصنعة فلا تتعالم على خالق الصنعة، والشريعة لا تقرر مثل هذا العقاب رغبة في قطع الأيدي بل تريد أن تمنع قطع الأيادي. وإن ظل التشريع على الورق دون تطبيق فلن يرتدع أحد، والذين قالوا "قطع الأيدي فعل وحشي"، نقول لهم: إن يدا واحدة قطعت في السعودية فامتنعت كل سرقة، وإذا كان القتل أنفى للقتل، فالقطع أنف للقطع، أما عن مسألة التشويه التي يطنطنون بها فحادثة سيارة واحدة تشوه عددا من الناس وكذلك حادثة انفجار لأنبوبة "بوتاجاز "تفعل أكثر من ذلك فلا تنظروا إلى القصاص مفصولا عن السرقة إن انتشرت في المجتمع، وإبطاء القائمين على الأمر للإجراءات التي يترتب عليها العقوبات يُنسي المجتمع بشاعة الجريمة الأولى، وعندما يحين وقت محاكمة المجرم تكون الرحمة موجودة. لكن إن وقع العقاب ساعة الجرم تنته المسألة، وساعة يسمع اللصوص أننا سنقطع يد السارق، سيكفر كل منهم قبل أن يسرق ولا يرتكب الجرم لأن المراد من الجزاء العبرة والعظة ومقصد من مقاصد التربية وتذكرة للإنسان بمطلوبات الله عنده إن أخذته الغفلة في سياسة الحياة فالجزاء هنا نكالا أي عقابا و" نكولا "وهو الرجوع عن فعل الذنب أي العبرة المانعة من وقوع الجرم، فكأن الجزاء كان المقصود منه أن يرى الإنسان من قطعت يده فيمتنع عن التفكير في مثل ما آلت إليه هذه الحالة.

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (38)

قوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم ( 38 ) فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ( 39 ) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير } تتضمن هذه الآية أحكام السرقة كثيرة ومستفيضة يمكن الوقوف عليها في مظانه من كتب الفقه .

على أن عقوبة السارق بقطع يده صارمة يراد منها الحيلولة بين المجتمع وأسباب الفساد والتخريب والفوضى التي يقترفها فريق فاسد من الخائنين أولي الهمم الخاوية والطباع المريضة . ونعرض هنا للحملة المسعورة الحمقاء التي يثيرها خصوم الإسلام من صليبيين واستعماريين وصهيونيين وشيوعيين ووثنيين وأتباعهم من المقلدين الناعقين . لقد أثار هؤلاء الظالمون ضجة لاهثة هوجاء من التجني على الإسلام من أجل هذه العقوبة التي فرضها الإسلام لدرء الشر والأذى عن المجتمع . أثاروا حملة مجنونة كاذبة من الدعايات الظالمة لتشويه الإسلام ولتنفير الناس من الإقبال على هذا الدين الكريم العظيم . لا جرم أنها دعايات مصطنعة ومفتراة لا تحتمل الثبات أو التماسك عند النظر والتبصر ولدى المناقشة في تعقل وروية . إن ما يثيره أعداء الإسلام من شبهات وتخريص حول هذا الدين لا يساوي في ميزان الحقيقة إلا ما تزنه الفقاقيع من ذرات البصاق المتطاير في الأفق عقيب الكلام الملفق الفاضح . الكلام الذي تجترحه حناجر الخراصين الدجاجلة من أعداء الإسلام في كل مكان وزمان .

لقد حسب هؤلاء الحاقدون الجهلة أن أيدي الناس سوف تقطع بالجملة لو عمل المسلمون بشريعة الإسلام . أو ظنوا أن مئات أو آلافا من الناس سوف يساقون في طوابير لتقطع أيديهم إذا ما طبق الإسلام ، لا جرم أن هذا بهتان مبين . بل إنه تصور ضال وجهول يراود هؤلاء الفارغين الذين لا يفهمون عن حقيقة الإسلام إلا ما يعيه الأطفال الرضع عن حقيقة الكون والحياة !

إن عقوبة السرقة بالقطع لا يفرضها الإسلام إلا ضمن ضوابط وشروط . وتلكم هي الشروط نذكرها باقتضاب وإيجاز .

الشرط الأول : التكليف . أي أن يكون السارق مكلفا . والتكليف يناط هنا بالعقل والبلوغ والاختيار . أما البلوغ فهو سن الاحتلام عند الذكور ، والمحيض لدى النساء .

أما الاختيار فهو كون السارق غير مكره . فإن أكره على السرقة فلا حد عليه ، وذلك للخبر " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ويستدل لدرء الحد عن السارق إن كان غير بالغ ولا عاقل بالحديث " رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق " .

الشرط الثاني : أن يكون المسروق مالا متقوما . وبذلك لو سرق خمرا أو خنزيرا أو كلبا أو جلد ميتة فلا تقطع يده . وكذلك لو سرق صنما أو أداة الملاهي لا حد عليه . يستوي في ذلك ما لو كان المسروق منه مسلما أو كتابيا من أهل الذمة{[948]} .

الشرط الثالث : أن يكون المسروق بالغا نصابا . ومقدارا موضع خلاف بين العلماء . فقد ذهب الجمهور وفيهم المالكية والشافعية والحنابلة والشيعة الإمامية وآخرون أن نصاب السرقة ربع دينار أو ثلاثة دراهم ، فإن كان دون ذلك فليس نصابا ولا يجب فيه الحد . واحتجوا بجملة أخبار ، منها ما رواه مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا " .

وذهبت الحنفية إلى أن نصاب السرقة الموجب للقطع هو دينار أو عشرة دراهم فإن كان دون ذلك فلا حد على السارق{[949]} واستدلوا لذلك بجملة أحاديث منها ما رواه النسائي عن أيمن قال : " لم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم إلا في ثمن المجن وثمن المجن يومئذ دينار " .

الشرط الرابع : كون المسروق محرزا . أي أن يأخذه السارق من داخل الحرز . وهو الموضع المكين الحصين الذي يوجد فيه المال عند سرقته . نقول حرز حريز للتأكيد ، مثلما يقال حصن حصين . ونقول احترز من كذا . أي تحفظ منه{[950]} .

على أن شرط الإحراز عظيم الأهمية للغاية . ذلك أن المال المحرز محفوظ في مكانه المناسب المحصن بما لا يستطيع معه السارقون ومرضى النفوس أن ينفذوا إليه .

فإنهم يعوزهم الاقتدار على أخذه ما دام مخبوءا في موضعه الحصين . وذلك بخلاف غير المحرز فإنه مال في حكم المسيب الذي يصير عرضه لسطو اللصوص . بل إن كونه مسيبا وغير محرز فيه من الإغواء للسارقين ما يثيرهم ويغريهم بالنفاذ إليه لأخذه . وبذلك فإن صاحب المال غير المحرز ملوم لتقصيره وتفريطه إذ جعل ماله عرضة للسرقة . ومن بالغ العدل المطلق في شريعة الإسلام أن يكون لسارق المال من غير حرز بعض العذر ليندرئ عنه الحد .

وذلك بخلاف المال الذي يكون في حرز حصين مكين فإنه يصير بعيد المنال عن السارقين واللصوص لاستحالة بلوغه أو صعوبة الحصول عليه إلا بتحطيم الحرز وإتلافه .

فهو – في هذه الحال – لا ينفذ إليه إلا من كان حاذقا بارعا في الخيانة واللصوصية . أو كان على غاية من الاجتراء المتوقح الذي يستوجب العقاب الصارم وهو القطع .

واشتراط الحرز لوجوب القطع قال به عامة أهل العلم خلافا لأهل الظاهر وآخرين : إذا احتجوا بظاهر آية السرقة على وجوب القطع في كل سرقة كيفما كانت ومهما كان حجمها ، محرزة وغير محرزة . والصحيح الأول وهو اعتبار الحرز لإيقاع الحد{[951]} ويستدل على ذلك بما أخرجه البيهقي عن عثمان بن عفان قوله : " ليس على سارق قطع حتى يخرج المتاع من البيت " وكذلك روى البيهقي عن ابن أبي حسين المكي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة{[952]} جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن " والتفصيل بأكثر من ذلك في مسألة الحرز يطلب من مظانه في كتب الفقه .

الشرط الخامس : أن تكون ثمة دعوى أو خصومة يقيمها صاحب المال المسروق ليطالب الحاكم أو القاضي بتضمين المتهم بالسرقة . فإذا ما استبان للحاكم اقتراف السرقة تماما وبشروطها المعروفة أقام الحد على السارق . وبذلك لو اعترف الجاني بالسرقة أو قامت عليه بينة بحصول السرقة منه فلا يقطع ، إلا أن يأتي صاحب المال يباح بالبذل والإباحة . ومن المحتمل أن صاحب المال قد أباحه لآخذه وهو المتهم بالسرقة . أو أن يكون وقفه على المسلمين وهو واحد منهم أو أنه أذن له في دخول حرزه . ومثل هاتيك الاحتمالات تفضي إلى تحصيل الشبهة التي يدرأ بها الحد .

وبذلك لا يقام الحد على السارق إلا عقب المطالبة من صاحب المال{[953]} .

الشرط السادس : انعدام الشبهة . والشبهة في اللغة من الاشتباه وهو الالتباس . نقول تشابها واشتبها أي أشبه كل واحد منهما الآخر فالتبسا . وأمور مشتبهة ومشبهة أي مشكلة . وشبه عليه الأمر تشبيها أي لبس عليه . فالشبهة تعني الالتباس{[954]} .

والشبهة في الحدود ما كان من انخرام أو نقص في شروط الجناية الموجبة للحد بما يجعل هذه الجناية لا تكافئ العقوبة المقدرة في الشرع .

وهنا السرقة ، فأيما انخرام أو نقص في شروطها يجعله الشرع شبهة تهبط بمستوى السرقة لتكون دون الجناية الموجبة للقطع . ذلك أن القصور في درجة الجناية قمين بدفع الحد كيلا يقع على الجاني ، لأن جنايته بحصول الشبهة كانت دون الجناية الكاملة المكافئة لعقوبة القطع .

وجدير ذكره هنا أن الإسلام قد حرض تحريضا على التماس الشبهات لدرء الحدود عن الجناة ما أمكن . والتصور الإسلامي في ذلك أن الخطأ في إيقاف العقوبة خير من إيقاع العقوبة ظلما عند حصول الشبهة .

فقد أخرج الترمذي عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله ، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة " .

وأخرج الإمام أبو حنيفة في مسنده عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ادرؤوا الحدود بالشبهات " .

وروي عن عمر رضي الله عنه قوله : " لأن أخطئ في درء الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات " {[955]} .

وثمة أمثلة تطبيقية يتبين منها أن الشبهة تدرأ حد السرقة عن السارق الذي لم تكتمل جنايته . وهي أمثلة منتشرة وكثيرة :

منها : لو اجتاحت الناس مجاعة مضنية تلين فيها العزائم ، وتسترخي بسببها الهمم فتجنح أنفس كثيرة قد عضها الطوى – للسرقة من أموال الناس . فلا مساغ للحاكم في مثل هذه الحال أن يقيم الحد على السارقين لما يحل بساحتهم من شبهة الجوع المضني . يقول الله جل وعلا في عموم ذلك : { فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم } .

وكان عمر بن الخطاب يقول : " لا قطع في عام المجاعة والسنة " وذلك في عام الرمادة إذ حل بالمسلمين الجدب والقحط فقضهم الجوع قضا حتى إن بعضهم قد سرق لفرط الجوع فلم يقم عليهم عمر الحد . وذلك ما لا خلاف فيه{[956]} .

ومنها : لو سرق ضيف من مضيفه . فإنه ينظر ، إن كان سرق منه من غير حرز فلا قطع عليه ، لأنه مأذون له بالدخول . ونفس الإذن يجعله الشرع شبهة تدرأ الحد . لكنه إذا سرق من حرز في داخل الدار وجب قطعه ، لأنه غير مأذون له بالدخول في الحرز . وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة . بخلاف الإمام مالك فلا يجب عنده القطع حتى لو كسر الحرز وسرق منه المتاع ، لأنه مأذون له بدخول الدار . ومجرد الإذن بدخول الدار شبهة تمنع الحد{[957]} .

ومنها : لو سرق من أصله وإن علا ، أو من فرعه وإن نزل – كأن يسرق من أبيه أو جده ، أو يسرق من ولده أو ولد ولده ، فلا حد عليه . وهو قول الجمهور من العلماء ، وفيهم الحنفية والشافعية والحنابلة . أما المالكية فقالوا بعدم قطع الأصل بسرقة الفرع ، لكن الفرع إذا سرق من مال الأصل وجب قطعه وهو قول الشيعة الإمامية وابن المنذر وأبي ثور{[958]} .

على أن إجماعهم على عدم قطع الأب بسرقة ولده يؤيده ما رواه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصم أباه فقال : يا رسول الله ! إن هذا قد اجتاح مالي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنت ومالك لأبيك " .

وأخرج ابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم " .

أما عدم قطع الابن بسرقة مال أبيه ، فوجهه أن النفقة تجب في مال الأب لابنه حفظا له من التلف فلا يجوز إتلافه حفظا للمال .

ومنها : لو نقب أحد السارقين وحده بيتا ، ثم دخل الآخر البيت وحده ، فأخرج من المتاع المسروق فلا قطع على الاثنين ، لأن الأول الذي نقب البيت لم يسرق بل نقب الحرز ( البيت ) فقط . أما الثاني فلم يهتك الحرز ( البيت ) بل سرق من حرز مهتوك هتكه غيره . فهو كما لو نقب رجلا بيتا ولم يدخله وذهب ثم جاء آخر فوجد البيت مهتوكا . فسرق منه فلا قطع على واحد منهما{[959]} .

ومنها : لو دخل حرزا وأخذ متاعا فحمله أو لم يحمله ثم مسك قبل أن يخرج من الحرز فلا قطع عليه . ولو رمى المتاع خارج الحرز ثم مسك قبل أن يخرج منه فلا قطع عليه أيضا ، لأن يده لم تثبت على المأخوذ في الحالتين . فلا الأخذ لا يتم بإخراج المسروق من الحرز . وهو قول الحنفية{[960]} .

ومنها : لو سرق نقودا من بيوت غير حريزة كما لو كانت غير مغلقة تماما وليس عندها حارس يحرسها فلا قطع .

ومنها : لو سرق من بيت في غير العمران ، كأن يكون ذلك في البر أو الصحراء أو سرق من البساتين وليس فيها حافظ يحرسها فلا قطع ، لأن المال في مثل هذه الأمكنة لا يكون محرزا بغير حافظ مستيقظ{[961]} .

إلى غير ذلك من الشبهات التي لا تقبل الحصر والتي تحول دون تنفيذ القطع وبذلك لا يتحقق القطع إلا في حق فريق من اللصوص المجاهرين بالسرقة في وقاحة مكشوفة واجتراء لئيم مفضوح . أولئك فريق من المجرمين الأشرار يقتحمون بيوت الناس وأماكنهم فيهتكون أستارها هتكا لسرقة أموالهم في مجاهرة خسيسة ظالمة . لا جرم أنهم قلة وهم مفسدون أشقياء لا يستحقون غير العقاب الصارم وهو القطع . فلا يحسبن أحد من الجاهلين أن تطبيق الشريعة مدعاة لقطع كثير من الأيدي . إن هذا الزعم ليس إلا الوهم الغليظ يغشى الأذهان المتربصين والمتعصبين الحانقين الذين يكرهون الإسلام .

إن تنفيذ هذا الحد قليلا ما يتحقق لشدة الضوابط التي قررتها الشريعة في ذلك . وهي ضوابط لا يتجاوزها من السارقين المستحقين للقطع- إلا القليل .

قوله : { جزاء بما كسبا } جزاء ، مفعول لأجله منصوب . أي اقطعوا أيديهما للجزاء وقيل : منصوب على المصدر لاقطعوا . وبما كسبا ، أي بسبب كسبهما أو ما كسباه من السرقة .

قوله : { نكالا من الله } مفعول لأجله أيضا . أو منصوب على المصدر كالقول في { الجزاء } فيكون تقدير الكلام : جازوهم ونكلوا بهم جزاء بما كسبا نكالا من الله . والنكال اسم . نكل به تنكيلا ، أي صنع به صنيعا يحذر غيره . ونكل به نكلة أي أصابه بنازلة . ونكل به التشديد للمبالغة{[962]} .

قوله : { والله عزيز حكيم } أي أن الله قوي في انتقامه من السارقين وهو سبحانه لا يغالب في كيده لهم والانتقام منهم بما أوجبه عليهم من حد ، وهو كذلك حكيم فيما فرضه على السارقين والعصاة من حدود{[963]} .


[948]:- المهذب ج 2 ص 277-28 والمدونة ج 4 ص 417 والأنوار للأردبيلي ج 2 ص 505 والبناية في شرح الهداية للعيني ج 5 ص 505 والنهاية للطوسي ص 716 والمغني ج 8 ص 258.
[949]:- بدائع الصنائع للكساني ج 7 ص 77 والبناية في شرح الهداية ج 5 ص 529.
[950]:- لسان العرب ج 7 ص 198.
[951]:- المغني ج 8 ص 248 والأحكام السلطانية ص 226 والمدونة ج 4 ص 416 ومختصر المزني ص 263 والمهذب ج 2 ص 279 وتحفة الفقهاء للسمرقندي ج 3 ص 237.
[952]:- الحريسة: الشاة المسروقة من المرعى.
[953]:- لمغني ج 8 ص 284 والبدائع ج 7 ص 88 والمهذب ج 2 ص 282.
[954]:- القاموس المحيط ج 4 ص 288.
[955]:- نيل الأوطار ج 7 ص 110.
[956]:- المهذب ج 2 ص 282 والمغني ج 8 ص 278 وأسهل المدارك ج 3 ص 178 والنهاية للطوسي ص 719.
[957]:- الأنوار ج 2 ص 510 والبناية ج 5 ص 565 والكافي ج 3 ص 181.
[958]:- المغني ج 8 ص 257 والمهذب ج 2 ص 281 والبناية ج 5 ص 565 والمدونة ج 4 ص 418.
[959]:- المغني ج 8 ص 281 والبدائع ج 7 ص 65.
[960]:- البدائع ج 7 ص 65.
[961]:- المهذب ج 2 ص 278 والكافي ج 3 ص 183 والبدائع ج 7 ص 73.
[962]:- القاموس المحيط ج 4 ص 61 والمصباح المنير ج 2 ص 296.
[963]:- روح المعاني ج 5 ص 134 وتفسير الطبري ج 6 ص 148 وتفسير القرطبي ج 6 ص 174.