تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ} (2)

قدم صدق : سابقةٌ حسنة ، والمنزلة الرفيعة .

مبين : ظاهر .

ما كان للناس أن يعجبوا وينكروا إنزال الوحي على رجل من جنسهم . ولِمَ هذا التعجب والإنكار ، والله قادر على أن يتصل بأي عبد من عباده ويصطفيه برسالته ، { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ الأنعام : 124 ] ، وأن لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام من الصفات والمكرمات ما يؤهّله لهذه الرسالة الكريمة .

وبعد أن بيّن الله عجبَ الكافرين من الوحي إلى النبي الكريم بيّن حقيقةَ ما أوحى به إليه ، وهو إنذارُ الناس وتحذيرهم من عذاب لله ، وتبشيرُ المؤمنين بأن لهم منزلةً عالية عند ربهم نالوها بصدق القول وحسن النية .

{ قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ } .

فلما أتاهم بوحي الله وتلاه عليهم قالوا : إن هذا الرجلَ ساحرٌ أمره واضح ، فما جاءَ به سحرٌ لأنه خارق للعادة في تأثيره على الناس ، وجذْبه النفوس إلى الإيمان به .

قراءات :

قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي : «لساحر مبين » بألف بعد السين . وقرأ الباقون «لسحر مبين » بغير ألف .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ} (2)

قوله تعالى : " أكان للناس عجبا " استفهام معناه التقرير والتوبيخ . " وعجبا " خبر كان ، واسمها " أن أوحينا " وهو في موضع رفع ، أي كان إيحاؤنا عجبا للناس . وفي قراءة عبد الله " عجب " على أنه اسم كان . والخبر " أن أوحينا " . " إلى رجل منهم " ، قرئ " رَجْل " بإسكان الجيم . وسبب النزول فيما روي عن ابن عباس أن الكفار قالوا لما بعث محمد : إن الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا . وقالوا : ما وجد الله من يرسله إلا يتيم أبي طالب ، فنزلت : " أكان للناس " يعني أهل مكة " عجبا " . وقيل : إنما تعجبوا من ذكر البعث .

قوله تعالى : " أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا " في موضع نصب بإسقاط الخافض ، أي بأن أنذر الناس ، وقد تقدم معنى النذارة والبشارة{[8415]} وغير ذلك من ألفاظ الآية . " أن لهم قدم صدق " اختلف في معنى " قدم صدق " فقال ابن عباس : قدم صدق منزل صدق ، دليله قوله تعالى : " وقل رب أدخلني مدخل صدق{[8416]} " [ الإسراء : 80 ] . وعنه أيضا أجرا حسنا بما قدموا من أعمالهم . وعنه أيضا " قدم صدق " سبق السعادة في الذكر الأول ، وقاله مجاهد . الزجاج : درجة عالية . قال ذو الرمة :

لكم قَدَمٌ لا ينكر الناس أنها*** مع الحسب العالي{[8417]} طَمَّت على البحر

قتادة : سلف صدق . الربيع : ثواب صدق . عطاء : مقام صدق . يمان : إيمان صدق . وقيل : دعوة الملائكة . وقيل : ولد صالح قدموه . الماوردي : أن يوافق صدق الطاعة الجزاء . وقال الحسن وقتادة أيضا : هو محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه شفيع مطاع يتقدمهم ، كما قال : ( أنا فرطكم على الحوض{[8418]} ) . وقد سئل صلى الله عليه وسلم فقال : ( هي شفاعتي توسلون بي إلى ربكم ) . وقال الترمذي الحكيم : قدمه صلى الله عليه وسلم في المقام المحمود . وعن الحسن أيضا : مصيبتهم في النبي صلى الله عليه وسلم . وقال عبد العزيز بن يحيى : " قدم صدق " قوله تعالى : " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون{[8419]} " [ الأنبياء : 101 ] وقال مقاتل : أعمالا قدموها ، واختاره الطبري . قال الوضاح :

صلِّ لذي العرشِ واتَّخِذْ قَدَمًا*** تُنْجِيك يوم العِثَارِ والزَّلَل وقيل : هو تقديم الله هذه الأمة في الحشر من القبر وفي إدخال الجنة . كما قال : ( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المفضي لهم قبل الخلائق ) . وحقيقته أنه كناية عن السعي في العمل الصالح ، فكني عنه بالقدم كما يكنى عن الإنعام باليد وعن الثناء باللسان . وأنشد حسان :

لنا القدم العليا إليك وخلفُنا*** لأوَّلنا في طاعة الله تابع

يريد السابقة بإخلاص الطاعة ، والله أعلم . وقال أبو عبيدة والكسائي : كل سابق من خير أو شر فهو عند العرب قدم ، يقال : لفلان قدم في الإسلام ، له عندي قدم صدق وقدم شر وقدم خير . وهو مؤنث وقد يذكر ، يقال : قدم حسن وقدم صالحة . وقال ابن الأعرابي : القدم التقدم في الشرف ، قال العجاج :

زل بنو العوام عن آل الحكم*** وتركوا الملك لملك ذي قدم

وفي الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لي خمسة أسماء . أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب ) يريد آخر الأنبياء ، كما قال تعالى : " وخاتم النبيين{[8420]} " [ الأحزاب : 40 ] .

قوله تعالى : " قال الكافرون إن هذا لساحر مبين " قرأ ابن محيصن وابن كثير والكوفيون عاصم وحمزة والكسائي وخلف والأعمش " لساحر " نعتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وقرأ الباقون " لسحر " نعتا للقرآن وقد تقدم معنى السحر في " البقرة{[8421]} " .


[8415]:راجع ج 1 ص 184 وص 238.
[8416]:راجع ج 10 ص 312.
[8417]:في ديوانه وتفسير الطبري "العادي".
[8418]:أي متقدمكم إليه.
[8419]:راجع ج 11 ص 345
[8420]:راجع ج 14 ص.
[8421]:راجع ج 3 ص 43
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ} (2)

قوله : { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم } الهمزة للاستفهام الإنكاري . والمصدر من { أن أوحينا } اسم كان . وخبرها { عجبا } {[1934]} والمراد بالناس : الكافرون من العرب ؛ فقد ذكر عن ابن عباس قوله في ذلك : لما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم ، فقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد ؛ فأنزل الله الآية .

وقوله : { إلى رجل منهم } أي بشر من جنسهم ومن مشاهيرهم يعرفونه حق المعرفة في صدقه وشرفه وعظيم خلقه . والمعنى : أن هؤلاء الكافرين الضالين جعلوا من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أعجوبة يتعجبون منها ويجعلونه لهم موضع استنكار واستسخار . لا جرم أنهم هم موضع الزراية والسفاهة . فهل في بعث رجل كريم من جنسهم ومشاهيرهم لإرشادهم وهدايتهم ما يثير مثل هذا الإنكار والتعجيب لولا أنهم هم الجاهلون والضالون والحمقى ؟ !

قوله : { أنا أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم } { أن } ، تفسيرية ، أو مصدرية ؛ أي إنذار الناس . أي أخبر الناس بما يخوفهم عواقب الإدبار والنكول عن الإيمان . { وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم } أطلقت القدم على السبق على سبيل المجاز . والمراد به الشرف والتقدم نحو الرفيع من المنازل .

وقيل : المراد بقدم الصدق : شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : السعادة السابقة للمؤمنين من هذه الأمة في اللوح المحفوظ .

قوله : { قال الكافرون إن هذا لساحر مبين } لما أنذرهم الرسول صلى الله عليه وسلم وبشرهم بادر المشركون من العرب بالقول { إن هذا لساحر مبين } والإشارة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فهو في زعمهم المريض ووهمهم الباطل ساحر ظاهر ، قد فرق شملهم وجال بين القريب منهم وقريبه . وهذا إشعار بعجز العرب عن مضاهاة القرآن أو معارضته أو اصطناع شيء مثله . فما وجدوا بعد ذلك سبيلا يسلكونه أو ذريعة يستمسكون بها للنيل من القرآن والطعن فيه إلا أن قالوا : إن محمدا لساحر وأن ما جاءهم به سحر . لا جرم أن ذلك دليل أبلج على صدق هذا الكتاب الحكيم . وأنه معجز خارج عن طوق البشر بل إنه منزل من خالق الكائنات والقدر . وما دون ذلك من لغط ليس إلا الهذيان المتلجلج ، والإسفاف التافه المهين الذي ينحدر إليه الضالون المضلون من أعداء الإسلام في كل مكان وزمان{[1935]} .


[1934]:الدر المصون جـ 6 ص 144.
[1935]:روح المعاني جـ 6 ص 61- 64. والبحر المحيط جـ 5 ص 124- 127 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 405.