تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ} (265)

مرضاة الله : طلب رضوانه .

تثبيثا من أنفسهم : لتمكين أنفسهم من مراتب الإيمان والإحسان .

الربوة : المكان المرتفع من الأرض .

آتت أُكلها : أثمرت وأعطت إنتاجها الجيد .

بعد أن ذكر سبحانه حال الذين ينفقون أموالهم رياء ، ثم يمنِّنون ويؤذون من أحسنوا إليهم ، ذكر في هذه الآية الكريمة حال المؤمنين الصادقين الذين ينفقون أموالهم اتبغاء رضوان الله تعالى ، وتمكيناً لأنفسهم في مراتب الإيمان . وقد جعلهم مثلَ بستان في أرض مرتفعة خصبة أصابه مطر جيد كثير فأعطى من الثمرات ضعفين ، وحتى لو جاءه مطر خفيف فإنه يكتفي بذلك المطر .

وهكذا حال المؤمن الجواد المنفق ، إن أصابه خير كثير تصدّق وأنفق بسخاء عن طيب خاطر ، وإن أصابه خير قليل أنفق بقدر ما يستطيع . . فخيره دائم وبره لا ينقطع .

القراءات :

قرأ ابن عامر وعاصم «بربوة » بفتح الراء كما هو هنا والباقون «بربوة » بضم الراء . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «أكلها » بتسكين الكاف .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ} (265)

{ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }

هذا مثل المنفقين أموالهم على وجه تزكو عليه نفقاتهم وتقبل به صدقاتهم فقال تعالى : { ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله } أي : قصدهم بذلك رضى ربهم والفوز بقربه { وتثبيتا من أنفسهم } أي : صدر الإنفاق على وجه منشرحة له النفس سخية به ، لا على وجه التردد وضعف النفس في إخراجها وذلك أن النفقة يعرض لها آفتان إما أن يقصد الإنسان بها محمدة الناس ومدحهم وهو الرياء ، أو يخرجها على خور وضعف عزيمة وتردد ، فهؤلاء سلموا من هاتين الآفتين فأنفقوا ابتغاء مرضات الله لا لغير ذلك من المقاصد ، وتثبيتا من أنفسهم ، فمثل نفقة هؤلاء { كمثل جنة } أي : كثيرة الأشجار غزيرة الظلال ، من الاجتنان وهو الستر ، لستر أشجارها ما فيها ، وهذه الجنة { بربوة } أي : محل مرتفع ضاح للشمس في أول النهار ووسطه وآخره ، فثماره أكثر الثمار وأحسنها ، ليست بمحل نازل عن الرياح والشمس ، ف { أصابها } أي : تلك الجنة التي بربوة { وابل } وهو المطر الغزير { فآتت أكلها ضعفين } أي : تضاعفت ثمراتها لطيب أرضها ووجود الأسباب الموجبة لذلك ، وحصول الماء الكثير الذي ينميها ويكملها { فإن لم يصبها وابل فطل } أي : مطر قليل يكفيها لطيب منبتها ، فهذه حالة المنفقين أهل النفقات الكثيرة والقليلة كل على حسب حاله ، وكل ينمى له ما أنفق أتم تنمية وأكملها والمنمي لها هو الذي أرحم بك من نفسك ، الذي يريد مصلحتك حيث لا تريدها ، فيالله لو قدر وجود بستان في هذه الدار بهذه الصفة لأسرعت إليه الهمم وتزاحم عليه كل أحد ، ولحصل الاقتتال عنده ، مع انقضاء هذه الدار وفنائها وكثرة آفاتها وشدة نصبها وعنائها ، وهذا الثواب الذي ذكره الله كأن المؤمن ينظر إليه بعين بصيرة الإيمان ، دائم مستمر فيه أنواع المسرات والفرحات ، ومع هذا تجد النفوس عنه راقدة ، والعزائم عن طلبه خامدة ، أترى ذلك زهدا في الآخرة ونعيمها ، أم ضعف إيمان بوعد الله ورجاء ثوابه ؟ ! وإلا فلو تيقن العبد ذلك حق اليقين وباشر الإيمان به بشاشة قلبه لانبعثت من قلبه مزعجات الشوق إليه ، وتوجهت همم عزائمه إليه ، وطوعت نفسه له بكثرة النفقات رجاء المثوبات ، ولهذا قال تعالى : { والله بما تعملون بصير } فيعلم عمل كل عامل ومصدر ذلك العمل ، فيجازيه عليه أتم الجزاء

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ} (265)

قوله تعالى : ( ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وبل فطل والله بما تعملون بصير ) بعد أن ضرب الله مثل المنانين المرائين وأنه كالصفوان الذي يأتيه المطر فيذهب بما عليه من تراب لِيَذَرَه صلدا أملسَ ، بعد ذلك ضرب الله مثل المنفقين المخلصين الذين يبذلون أموالهم صدقات يطلبون بها مرضاة الله ( وتثبيتا من أنفسهم ) أي تصديقا ويقينا . وقيل احتسابا ، أي أنهم ينفقون ويتصدقون وهم يحتسبون ثوابهم مقابل ذلك عند الله .

إن هذا الصنف التقي الزكي المخلص من العباد مثله ( كمثل جنة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين ) الجنة بمعنى البستان . وفعله جن يجن ، أي ستر يستر . أجنه في صدره أي أكنه ( فلما جن عليه الليل ) أي غشيه وغطاه والجنين معناها الولد المستور في بطن أمه . فالمراد بالجنة ما كان من أشجار وارفة كثيفة يستتر فيها من يدخل إليها{[347]} والربوة المكان المرتفع قليلا والذي يجلله النبات والخصب لكثافة ترابه وتمام انكشافه للشمس والهواء .

هؤلاء المنفقون والمتصدقون المخلصون الذي يبتغون وجه الله مثلهم كمثل هذه الجنة على ربوة تعطي ( أكلها ضعفين ) أي تعطي ثمرها ضعفي ما تعطيه جنة أخرى من الثمر . وقيل : تحمل من الثمر في كل سنة مرتين ، والراجح الأول . وقوله : ( فإن لم يصبها وابل فطل ) هذه الربوة متميزة بحسن مكانها وتمام خصبها ، حتى إن إثمارها يأتي مضاعفا ضعفين ولو لم يصبها إلا طلّ ، وهو المطر الخفيف الذي يشبه الرذاذ . فإذا لم يصبها الوابل وهو المطر الشديد بل أصابها الطل وهو الخفيف من المطر فإن حجم إثمارها وعطائها باق على حاله من المضاعفة .

وذلك هو مثل المؤمنين المخلصين الذين ينفقون أموالهم لا يبتغون بها جزاء الناس وشكورهم ، إنما يبتغون بها وجه الله فقط ، فإن الله جلت قدرته سيضاعف لهم الأجر ويمنح لهم من الثواب الجزيل ما لا يكافئه عمل العابدين في هذه الدنيا ، ولا يقدم العبد من العمل اليسير الهين يرتجي به رضوان الله إلا جزاه الله خيرا منه مثوبة وأجرا .

قوله : ( والله بما تعملون بصير ) ذلك تخويف للعباد وتحذير لهم من مخاطر المنّة والرياء ، لما في ذلك من إحباط للعمل ، وليعلموا أن الله سبحانه مطلع على أسرارهم عليم بأستارهم وحقيقة مقاصدهم ونواياهم ، فليخلصوا له العمل ، كيلا يأتي عليه الحبوط .


[347]:- مختار الصحاح ص 114 والمصباح المنير جـ 1 ص 122.