تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (52)

تمنى : تمنى الشيء أراده : وحدث نفسه بما يكون وما لا يكون . وتمنى : سأل ربه : وفي الحديث : إذا تمنى أحدكم فليستكثر . وتمنى الكتابَ : قرأه .

ينسخ : يبطل .

يحكِم : يجعلها محكمة مثبتة .

إن أغلى أُمنية لأي رسولٍ أو نبيّ هي أن يعرف الناسُ حقيقةَ رسالته ويفهموها ويدركوا أهدافها ليهتدوا بها ، فلا تحزنْ أيها الرسول من محاولاتِ هؤلاء الكفارِ أربابِ الأطماع ، فقد جرت الحوادثُ من قبلك مع كلِّ رسولٍ ونبيّ من أنبيائنا أنه كلما قرأ عليهم شيئاً يدعوهم به إلى الحقّ تصدّى له شياطينُ الإنس المتمردون لإبطال دعوته وتشكيك الناس فيما يتلوه . وذلك لكي يَحولوا دون تحقيق أُمنيته في إجابة دعوته ، فينسخُ الله ما يدبّرون ، ثم يثّبت شريعته وينصر رسله ، ويجعل آياتهِ محكَمةً لا تقبل الردّ . إنه عليم بأحوال الناس ومكايدهم ، حكيم في أفعاله يضع كل شيء في موضعه .

وجاء في كثير من التفاسير روايةٌ منسوبة إلى ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا على قريش سورةَ النجم ، ولما بلغ قوله تعالى : { أَفَرَأَيْتُمُ اللات والعزى وَمَنَاةَ الثالثة الأخرى } ألقى الشيطانُ في تلاوة الرسول : « تِلك الغرانيقُ العُلى ، وإنّ شفاعتَهن لتُرتَجى » . فلمّا سمعتْ قريش ذلك فرِحوا به . ولما سجد الرسول سجد المسلمون والمشركون جميعا بسجوده . . . . فنزلت هذه الآية والآياتُ الثلاث التي بعدها .

وهذه الرواية مكذوبة لا أصل لها ولم تردْ في كتاب من الكتب الموثوقة ، وليس لها سند صحيح . بل إنها من وضع الكذّابين المشككين في الدين .

وقد كذّبها العلماء . . . قال القاضي عياض في الشفاء : إن هذا لم يُخرجه أحد من أهل الصحيح ، ولا رواه ثقةٌ بسندٍ سليم متصل . وقال أبو بكر البزّار : هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل . وقال الفخر الرازي في تفسيره : هذه الرواية باطلة موضوعة عند أهل التحقيق . وقال الإمام أبو بكر البَيْهقي : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل .

وهذه السورة مدنية فكيف نوفق بينها وبين سورة النجم وهي مكية ومن أوائل ما نزل بمكة ! ولا أعتقد بصحة ما يقوله بعض المفسرين أن هذه الآيات 52 ، 53 ، 54 ، 55 من سورة الحج مكية ، فإنهم قالوا إنها مكية حتى توافقَ هذه الروايةَ الباطلة .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (52)

يخبر تعالى بحكمته البالغة ، واختياره لعباده ، وأن الله ما أرسل قبل محمد { مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى } أي : قرأ قراءته ، التي يذكر بها الناس ، ويأمرهم وينهاهم ، { أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ } أي : في قراءته ، من طرقه ومكايده ، ما هو مناقض لتلك القراءة ، مع أن الله تعالى قد عصم الرسل بما يبلغون عن الله ، وحفظ وحيه أن يشتبه ، أو يختلط بغيره . ولكن هذا الإلقاء من الشيطان ، غير مستقر ولا مستمر ، وإنما هو عارض يعرض ، ثم يزول ، وللعوارض أحكام ، ولهذا قال : { فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ } أي : يزيله ويذهبه ويبطله ، ويبين أنه ليس من آياته ، و { يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ } أي : يتقنها ، ويحررها ، ويحفظها ، فتبقى خالصة من مخالطة إلقاء الشيطان ، { وَاللَّهُ عَزِيزٌ } أي : كامل القوة والاقتدار ، فبكمال قوته ، يحفظ وحيه ، ويزيل ما تلقيه الشياطين ، { حَكِيمٌ } يضع الأشياء مواضعها ، فمن كمال حكمته ، مكن الشياطين من الإلقاء المذكور ، ليحصل ما ذكره بقوله : { لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً }

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (52)

قوله تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ( 52 ) ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد ( 53 ) وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ( 54 ) } .

قوله : ( من رسول ولا نبي ) الواو تفيد المغايرة في المعنى بين المعطوف والمعطوف عليه ؛ فيستبين لنا أن كل رسول نبي ، وليس كل نبي رسولا ، وهذا يدل على الفرق بين حقيقة الرسول والنبي . فقد قيل : الرسول : الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانا ومخاطبته له شفاها . أما النبي : فهو الذي يأتيه الوحي إلهاما أو في المنام . وقيل : الرسول : من بعثه الله بشرع وأمره بتبليغه . أما النبي : فهو المأمور أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله ولم ينزل عليه كتاب . وهما كلاهما لابد لهما من المعجزة .

قوله : ( إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) ( تمنى ) أي اشتهى ورغب فيما يهواه . وقال المفسرون : ( تمنى ) بمعنى تلا . و ( أمنيته ) يعني تلاوته .

وذكر أكثر المفسرين سببا لنزول هذه الآية . لكنه في الحقيقة سبب مريب لا ينبغي قبوله أو الاطمئنان . وهذه قصة معروفة هنا بقصة الغرانيق{[3133]} وهي قصة غريبة تقتضي التكذيب وعدم التصديق البتة وذلك لما نحسب أنها من وضع الزنادقة والماكرين من خصوم هذا الدين .

وجماع القول في سبب نزول هذه الآية ما روي عن سعيد بن جبير قال : قرأ رسول الله ( ص ) بمكة سورة النجم فلما بلغ قوله : ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) قال : فألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتجى . قالوا : ما ذكر آلهتنا قبل اليوم فسجد وسجدوا ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) الآية .

وفي رواية أخرى أن النبي ( ص ) جلس في ناد من أندية قومه ، كثير أهله . فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه يومئذ فأنزل الله ( والنجم إذا هوى ) فقرأ حتى إذا بلغ إلى قوله ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) ألقى عليه الشيطان كلمتين : تلك الغرانيق العلا . وإن شفاعتهن لترتجى . ثم مضى بقراءة السورة كلها ثم سجد في آخر السورة وسجد القوم جميعا معه . فلما أمسى أتاه جبريل فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين قال : ما جئتك بهاتين . أو قال له : تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله . فحزن رسول الله ( ص ) وخاف خوفا شديدا فأنزل الله هذه الآية{[3134]} . إلى غير ذلك من مثل هذه الروايات في قصة الغرانيق المصطنعة التي ابتدعها فريق من المارقين المغرضين أولي الهوى مبتغين بذلك إشاعة الشبهة والارتياب في نبوة رسول الله ( ص ) وفي صدق كلامه الذي لا يصدر عن هوى وإنما هو وحي يوحى . إن قصة الغرانيق لا نظنها غير ضرب من ضروب الإفك المفترى على عصمة رسول الله ( ص ) . وذلك بما يشوب عامة الروايات في القصة من شوائب الضعف والاضطراب . وقد طعن فيها كثير من أئمة العلم . فقال الشوكاني : لم يصح شيء منها ، ولا ثبت بوجه من الوجوه . ومع عدم صحته بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه . قال الله ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ) وقوله : ( وما ينطق عن الهوى ) وقوله : ( ولولا ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ) فنفى المقاربة للكون فضلا عن الركون نفسه .

وقال البزار : هذا حديث لا نعلمه يروى عن النبي ( ص ) بإسناد متصل .

وقال البيهقي : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل . ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم . وقال الإمام ابن خزيمة : إن هذه القصة من وضع الزنادقة . وقال القاضي عياض : إن الأمة أجمعت فيما طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه ، لا قصدا ولا سهوا ولا غلطا .

وقال ابن كثير : قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق ، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا ولكنها من طرق كلها مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح . وقال البغوي في تفسيره عن هذه القصة : كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه . ثم حكى أجوبة عن ذلك من ألطفها : أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك فتوهموا أنه صدر عن رسول الله ( ص ) وليس كذلك في نفس الأمر ، بل إنما كان من صنيع الشيطان لا عن رسول الرحمان ( ص ) {[3135]} .

ويضاف إلى ذلك كله : أن ذكر الغرانيق في هذا الموضع المزعوم من سورة النجم لا يستقيم ولا يتفق ؛ فإذ ذكرها هنا يخالف مقتضى الآيات عن اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى . فهذه أسماء لأصنام جيء بها في السورة بقصد الذم والتنديد بسفاهة المشركين الذين يعبدون هذه الأصنام الصماء والتي قال الله عنها موبخا مبكتا ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) .

قوله : ( إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) أي إذا تلا وقرأ كتاب الله أوقع الشيطان في مسامع المشركين مثل قصة الغرانيق من دون أن يتكلم بذلك رسول الله ( ص ) ولا جرى على لسانه البتة . وبذلك فإن هذه الآية جيء بها على سبيل التسلية لرسول الله ( ص ) . أي لا يحزنك يا محمد ، فقد أصاب من قبلك من النبيين والمرسلين مثل هذا من الشيطان ليفتن به الناس عن دينهم وليُشيع في نفوسهم الشك .

قوله : ( فينسخ الله ما يلقي الشيطان ) النسخ معناه الإزالة والإبطال{[3136]} .

أي أن الله يبطل ما يوقعه الشيطان في مسامع الناس ( ثم يحكم الله آياته ) أي يثبتها ويرسخها في قلوب العباد ( والله عليم حكيم ) الله يعلم ما يجري في العالمين وما يدور في بواطن العباد من إنس وجن وملك . وهو كذلك حكيم في تقديره وتدبيره وتصرفه في الكائنات .


[3133]:- الغرانيق، جمع ومفرده غرنوق، وهو في الأصل طير مائي أسود. والمراد به هنا الأصنام. انظر القاموس المحيط جـ3 ص 281.
[3134]:- أحكام القرآن لابن العربي جـ3 ص 1287 وتفسير ابن كثير جـ3 ص 229 وفتح القدير جـ3 ص 461. وأسباب النزول للنيسابوري ص 208.
[3135]:- فتح القدير جـ3 ص 462 وتفسير ابن كثير جـ3 ص 230.
[3136]:- مختار الصحاح ص 657 والمعجم الوسيط جـ2 ص 917.