تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} (3)

وهؤلاء المتقون هم الذين وصفهم الله تعالى بقوله : الذين يؤمنون بالغيب الآيات 3-5 :

الذين يصدّقون بما غاب عنهم علمُه ، كذات الله تعالى ، وملائكته ، والدار الآخرة وما فيها من بعث ، ونشور ، وحساب ، وجنة ، ونار .

ويقيمون الصلاة : يؤدون الصلاة المفروضة عليهم خاشعين لله ، وقلوبهم حاضرة لمراقبة خالقهم . وإقامة الصلاة توفية حقوقها وإدامتها . وقد أمر الله تعالى بإقامة الصلاة ، وطلب أن تكون تامة وافية الشروط ، فقال : { أَقِمِ الصلاة } ، و{ والمقيمين الصلاة } . . وهذا يعني أنهم يوفونها حقها . وعندما ذم المنافقين قال : { فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ } [ الماعون : 4 ] . وفي ذلك تنبيه على أن المصلّين كثير ، والمقيمين قليل .

وقد نوه القرآن كثيراً بالصلاة وحثّ على إقامتها في كثير من الآيات ، لأثرها العظيم في تهذيب النفوس ، والسموّ بها إلى الملكوت الأعلى . وسيأتي تفصيل ذلك في كثير من الآيات . . .

{ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } الرزق كل ما يُنتفع به من المال ، والثمار ، والحيوان ، وغيره . والإنفاق : العطاء . . يعطون من أموالهم التي رزقهم إياها الله إلى المحتاجين ، من الفقراء ، والمساكين ، وذوي القربى ، واليتامى ، وأمثالهم . وكذلك ينفقون في سبيل الله ، للجهاد ، وفي الدفاع عن الوطن ، ولبناء المساجد ، والمدارس ، والمستشفيات ، ومساعدة كل مشروع فيه نفع للناس . فكما أن الله يرزقهم ، يجب عليهم أن ينفقوا ، لأن الدنيا أخذ وعطاء . والواقع اليوم أن كثيراً من الناس قد بات همهم جمعَ المال وتكديسه ، فأولئك ليسوا من المتقين . وآية الإنفاق هنا أن يكون في وجه الخير ونفع الناس ، أما على الترف والمباهاة وفي طريق السفه ، فإن الإنفاق تبذير ممجوج يمقته الله ، وعلى المسلمين أن يوقفوه ، ولو كان ذلك عن طريق العنف .

إن أموال الله التي في يد المسلمين هي لكافّتهم بالخير ، لا لقلتهم بالضلالة .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} (3)

ثم وصف المتقين بالعقائد والأعمال الباطنة ، والأعمال الظاهرة ، لتضمن التقوى لذلك فقال : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } حقيقة الإيمان : هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل ، المتضمن لانقياد الجوارح ، وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس ، فإنه لا يتميز بها المسلم من الكافر . إنما الشأن في الإيمان بالغيب ، الذي لم نره ولم نشاهده ، وإنما نؤمن به ، لخبر الله وخبر رسوله . فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر ، لأنه تصديق مجرد لله ورسله . فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به ، أو أخبر به رسوله ، سواء شاهده ، أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله ، أو لم يهتد إليه عقله وفهمه . بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبية ، لأن عقولهم القاصرة المقصرة لم تهتد إليها فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم ، ومرجت أحلامهم . وزكت عقول المؤمنين المصدقين المهتدين بهدى الله .

ويدخل في الإيمان بالغيب ، [ الإيمان ب ] بجميع ما أخبر الله به من الغيوب الماضية والمستقبلة ، وأحوال الآخرة ، وحقائق أوصاف الله وكيفيتها ، [ وما أخبرت به الرسل من ذلك ] فيؤمنون بصفات الله ووجودها ، ويتيقنونها ، وإن لم يفهموا كيفيتها .

ثم قال : { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ } لم يقل : يفعلون الصلاة ، أو يأتون بالصلاة ، لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة . فإقامة الصلاة ، إقامتها ظاهرا ، بإتمام أركانها ، وواجباتها ، وشروطها . وإقامتها باطنا{[32]}  بإقامة روحها ، وهو حضور القلب فيها ، وتدبر ما يقوله ويفعله منها ، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها : { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } وهي التي يترتب عليها الثواب . فلا ثواب للإنسان{[33]}  من صلاته ، إلا ما عقل منها ، ويدخل في الصلاة فرائضها ونوافلها .

ثم قال : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة ، والنفقة على الزوجات والأقارب ، والمماليك ونحو ذلك . والنفقات المستحبة بجميع طرق الخير . ولم يذكر المنفق عليهم ، لكثرة أسبابه وتنوع أهله ، ولأن النفقة من حيث هي ، قربة إلى الله ، وأتى ب " من " الدالة على التبعيض ، لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءا يسيرا من أموالهم ، غير ضار لهم ولا مثقل ، بل ينتفعون هم بإنفاقه ، وينتفع به إخوانهم .

وفي قوله : { رَزَقْنَاهُمْ } إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم ، ليست حاصلة بقوتكم وملككم ، وإنما هي رزق الله الذي خولكم ، وأنعم به عليكم ، فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده ، فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم به عليكم ، وواسوا إخوانكم المعدمين .

وكثيرا ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن ، لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود ، والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده ، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود ، وسعيه في نفع الخلق ، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه ، فلا إخلاص ولا إحسان .


[32]:- كذا في ب، وفي أ: وباطنها.
[33]:- في ب: للعبد.