مُبْلِسون : متحسرون ، يائسون من النجاة .
فلما أعرضوا عن الاتعاظ بما ابتليناهم من الفقر والمرض ، وأصرّوا على كفرهم ، ابتليناهم بعد ذلك بالرزق الواسع ، وفتحنا عليهم أبواب رخاء العيش وصحة الأجسام والأمن على الأنفس ، حتى إذا فرحوا بكل ذلك ولم يشكروا الله عليه ، جاءهم العذابُ بغتة ، فإذا هم متحسّرون يائسون من النجاة لا يجدون إليها سبيلا .
والخلاصة أن الله تعالى سلّط عليهم المكاره والشدائد ليعتبروا ويتعظوا ، فلما لم تجدِ معهم شيئا نَقَلَهم إلى حال هي ضدُّها ، ففتح عليهم أبواب الخيرات ، وسهّل لهم سبل الرزق والرخاء فلم ينتفعوا به أيضاً . عند ذاك أذاقهم جزاءهم العادل .
روى الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا ، على معاصيه ، ما يحب ، فإنما هو استدراج ، ثم تلا هذه الآية .
وروى مسلم عن صُهيب عن النبي أنه قال : «عجبا لأمر المؤمن ، إن أمْرَهُ كلّه خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابتْه سراءُ شكَر فكان خيراً له ، وإن أصابتْه ضراءُ صبرَ فكان خيراً له » .
ثم بين - سبحانه - أنه قد ابتلاهم بالنعم بعد أن عالجهم بالشدائد فلم يرتدعوا فقال - تعالى - :
{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } .
والمعنى : فلما أعرضوا عن النذر والعظات التى وجهها إليهم الرسل ، فتحنا عليهم أبواب كل شىء من الرزق وأسباب القوة والجاه . حتى إذا اغتروا وبطروا بما أوتوا من ذلك أخذناهم بغتة فإذا هم متحسرون يائسون من النجاة .
ولفاء فى قوله - تعالى - { فَلَمَّا نَسُواْ } لتفصيل ما كان منهم . وبيان ما ترتب على كفرهم من عواقب قريبة وأخرى بعيدة .
والمراد بالنسيان هنا : الإعراض والترك . أى : تركوا الإهتداء بما جاء به الرسل حتى نسوه أو جعلوه كالمنسى فى عدم الاعتبار والاتعاظ به لإصرارهم على كفرهم ، وجمودهم على تقليد من قبلهم .
والتعبير بقوله - تعالى - { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } يرسم صورة بليغة لإقبال الدنيا عليهم من جميع أقطارها بجميع ألوان نعمها ، وبكل قوتها وإغرائها ، فهو اختبار لهم بالنعمة بعد أن ابتلاهم بالبأساء والضراء .
وعبر - سبحانه - عن إعطائهم النعمة بقوله : { بِمَآ أوتوا } بالبناء للمجهول لأنهم يحسبون أن ذلك بعلمهم وقدرتهم وحدهم ، كما قال قارون من قبل { إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي } وأضاف - سبحانه - الأخذ إلى ذاته فى قوله { أَخَذْنَاهُمْ } لأنهم كانوا لا ينكرون ذلك ، بل كانوا ينسبون الخلق والإيجاد إلى الله - تعالى - .
وكان الأخذ بغتة ليكون أشد عليهم وأفظع هولا ، أى أخذناهم بعذاب الاستئصال حال كوننا مباغتين لهم . أو حال كونهم مبغوتين ، فقد فجأهم العذاب على غرة بدون إمهال .
وإذا فى قوله { فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } فجائية ، والمبلس : الباهت الحزين البائس من الخير ، الذى لا يحير جواباً لشدة ما نزل به من سوء الحال .
روى الإمام أحمد بسنده عن عقبة بن عامر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " وإذا رأيت الله يعطى العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج " ، ثم تلا قوله - تعالى - { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ } . . الاية .
قوله : { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبوب كل شيء } نسوا بمعنى تركوا . أي تركوا ما ذكروا به مما دعاهم إليه رسل الله فلم يتعظوا ولم يصدقوا بل انهمكوا في المعاصي والآثام وفعل المنكرات . ولم يعبأوا بما نزل بهم من البأساء والضراء . وعقيب ذلك فتح الله عليهم أبواب كل شيء من النعم الكثيرة كالرخاء والرغد والسعة على سبل الاستدراج للظالمين الغافلين السادرين في الغي والظلم والشهوات . وذلك وجه من وجوه الفتنة الكبيرة التي تنشد إليها قلوب الكثير من البشر ممن تستهويهم المغريات والشهوات ، وتستذلهم مطامع الدنيا الكثيرة فيهبطون منتكسين في ذلة وخور . حتى كانوا ضالعين في الإعراض والغواية والملذات أتاهم العذاب من حيث لم يحتسبوا .
قوله : { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذنهم بغتة فإذا هم مبلسون } أي فرحوا بطرا ، وظنوا أن ما أتوه من الخير والعطاء الجزيل لا يغني ولا يبيد وأنه كان باستحقاقهم . عندئذ على غرة ومن غير أمارة أو قرينة مقدمة . ولا يخفى أن الإهلاك وإنزال النقمة على حين غفلة أو غرة من الظالمين لهو أشد نكاية وإيلاما . فضلا عن كون ذلك جائيا بعد رخاء وسعة من العيش الراغد .
قوله : { فإذا هم مبلسون } من البلس ، بالتحريك : من لا خير فيه . والإبلاس وهو الإنكار والحزن واليأس . وأبلس بمعنى يئس وتحير ومنه إبليس . والملبس ، الذي انقطع رجاؤه . والمبلسون ، الآيسون من كل خير{[1164]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.