تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ} (34)

يأكلون أموال الناس : يأخذونها بغير حق وبطرقٍ غير مشروعة . يصدون عن سبيل الله : يمنعون الناس عن معرفة الحقيقة .

يكنزون الذهب والفضة : يخزنونها .

بعد أن بين الله تعالى في الآيات السالفة كيف بدّل اليهود والنصارى ديانتهم واتّخذوا أحبارَهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ، يبيّن هنا سيرةَ كثيرٍ من هؤلاء الرؤساء الدينّيين في معاملاتهم مع الناس ، ثم أوعدَ الباخِلين الذين يكنزون الذهب والفضة في خزائنهم ولا ينفقون منها في سبيل البر والخير ، أوعَدَهم بالعذاب الأليم في نار جهنم .

{ يا أيها الذين آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأحبار والرهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } .

يا أيها المؤمنون : اعلموا أن كثيراً من علماء اليهودِ ورهبان النصارى يستحلُّون أكْلَ أموال الناس بغير حق ، ويستغلّون ثقة الناس فيهم واتّباعَهم لهم في كلّ ما يقولون ، ويصدّون الناسَ عن الدخول في الإسلام ، ويَحْمِلونهم على الطعن فيه بما يبثّونه من تعاليم تخالف الواقع .

وقوله تعالى : ( إن كثيراً من الأحبار والرهبان ) فيه دِقة واحتراز ، فإن بينهم من لا يأكلُ أموال الناس ولا بدّ من أفرادٍ في أية جماعة من الناس فيهم بقيةُ خير .

وأخذُ أموال الناس بغير حقٍّ شرعيّ له طرق عديدة ، منها الرشوة لأجل الحكم والمساعدة على إبطال حق أو إحقاق باطل . وهي حرام على كلّ من أخذَها سواء أكان من الرؤساء الدينيّين أو من الموظفين والحكّام . . .

وكذلك الرّبا ، فإنه من أكبر الفواحش . ومنها أخذُ المال جُعلا على مغفرةِ الذنوب ، ومنها أخذُ الأموال على الفتاوى لتحليلِ الحرام وتحريم الحلال . وهذا من أشدّ الذنوب وأكبر الكبائر ، كما قال تعالى مخاطبا اليهود :

{ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَآءَ بِهِ موسى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تعلموا أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } [ الأنعام : 91 ] .

{ والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } .

والذين يجمعون الأموالَ من جميع أصنافها ويكنزونها في خزائنهم ، ولا ينفقون منها في سبيل الله بأن يُخرجوا زكاتها ، ويتصدّقوا منها لبناء المدارس والمستشفيات ، ودور الأيتام والدفاع عن الوطن والعقيدة ، فهؤلاء أنذِرْهم أيها الرسول الكريم بعذابٍ موجع .

وقد وردت عدة روايات عن الصحابة والعلماء المجتهدين أن المال الذي تؤدى زكاتُه ليس بكنز ، وهذا صحيح . ولكن هناك واجباتٍ أُخرى تستلزمها الضرورةُ فيجب على أصحاب الأموال أن يشاركوا فيها مثل : الجهاد ، بناء المدارس ، والمساجد ، والمصحّات وغير ذلك ، والذي يدخلُ تحت قوله تعالى : { وفي أَمْوَالِهِمْ حَقّ ٌمعلوم لَّلسَّائِلِ والمحروم } [ الذاريات : 19 ] .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ} (34)

ثم ختم - سبحانه - الحديث عن أهل الكتاب بتوجيه نداء إلى المؤمنين بين لهم فيه بعض الرذائل التي انغمس فيها الأحبار والرهبان ، وكيف جمعوا بين ضلال أنفسهم وإضلال أتباعهم ، حيث أمروا هؤلاء الأتباع بالانقياد لهم فيما يأتون ويذرون . . فقال - تعالى - : { ياأيها الذين آمَنُواْ . . . مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ } .

قال الفخر الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية والترفع على الخلق ، وصفهم في هذه الآية بالطمع والحرص على أخذ أموال الناس ، تنبيها على أن المقصود من إظهار تلك الربوبية والتجبر والفخر ، أخذ أموال الناس بالباطل .

ولعمرى من تأمل أحوال أهل الناموس والتزوير في زمانان وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم ، وفى شرح أحوالهم ، فترى الواحد منهم يدعى أنه لا يلتفت إلى الدنيا ، ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات ، وأنه في الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين ؛ حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك عليه ؛ ويتحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله .

المراد بالأكل في قوله : { لَيَأْكُلُونَ } مطلق الأخذ والانتفاع .

وعبر عن ذلك بالأكل ، لأنه المقصود الأعظم من جمع الأموال ، فسمى الشئ باسم ما هو أعظم مقاصده ، على سبيل المجاز المرسل ، بعلاقة العلية والمعلولية . وأكلهم أموالهم الناس بالباطل ، يتناول ما كانوا يأخذونه من سفلتهم عن طريق الرشوة والتدليس أو التحايل أو الفتاوى الباطلة . كما يتناول ما سوى ذلك ما كانوا يأخذونه بغير وجه حق .

وأسند - سبحانه - هذه الجريمة - وهى أكل أموال الناس بالباطل - إلى كثير من الأحبار والرهبان ولم ينسدها إلى جميعهم ، إنصافا للعدد القليل منهم الذي لم يفعل ذلك ، فإن كل طائفة أو جماعة لا تخلو من وجود أفراد من بينها يتعففون عن الحرام ، ويقيدون أنفسهم بالحلال .

قال صاحب المنار : وإسناد هذه الجريمة المزرية إلى الكثيرين منهم دون جميعهم من دقائق تحرى الحق في عبارات الكتاب العزيز ، فهو لا يحكم على الأمة الكبيرة بفساد جميع أفرادها أو فسقهم أو ظلمهم ، بل يسند ذلك إلى الكثير أو الأكثر ، أو يطلق اللفظ العام ثم يستثنى منه .

فمن الأول قوله - تعالى - في اليهود : { وترى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثم والعدوان وَأَكْلِهِمُ السحت لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الربانيون والأحبار عَن قَوْلِهِمُ الإثم وَأَكْلِهِمُ السحت لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } ومن الثانى قوله - تعالى - في اليهود أيضاً : { قُلْ ياأهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } ومن الثالث قوله - سبحانه - في شأن المحرفين للكلم الطاعنين في الإِسلام من اليهود - أيضاً - : { مِّنَ الذين هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدين وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا واسمع وانظرنا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } وقد نبهنا في تفسير هذه الآيات وأمثالها على العدل الدقيق في أحكام القرآن على البشر وإنما نكرره لعظيم شأنه .

.

وقوله : { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } جريمة من جرائمهم الكثيرة .

والصد : المنع والصرف عن الشئ . . وسبيل الله : دينه وشريعته .

أى : أن هؤلاء الكثيرين من الأحبار والرهبان لا يكتفون بأكل أموال الناس بالباطل ، بل إنهم يضيفون إلى ذلك جريمة ثانية من جرائمهم المتعددة وهى انهم ينصرفون عن الدين الحق وهو دين الإِسلام انقياداً لأحقادهم وشهواتهم ، ويصرفون أتباعهم عنه بشتى الوسائل ، كأن يصفوه لهم بأنه دين باطل ، أو بأن رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليس هو الرسول الذي بشرت به الكتب السماوية السابقة . . إلى غير ذلك من وسائلهم المتنوعة في صرف الناس عن الحق .

والاسم الموصول في قوله : { والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله . . . } يرى بعضهم أن المراد به أولئك الأحبار والرهبان ، لأن الكلام مسوق في ذمهم ، وتكون هذه الجملة ذما لهم على رذيلة ثالثة هي الحرص والبخل ، بعد ذمهم على رذيلتى أكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله .

ويرى آخرون أن المراد بهم البخلاء من المسلمين ، وأن الجملة مستأنفة لذم ما نعى الزكاة بقرينة قوله : { وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله } ويكون نظمهم مع أهل السوء من الأحبار والرهبان من باب التحذير والوعيد والإِشارة إلى أن الأشحاء المانعين لحقوق الله ، مصيرهم كمصير الأحبار والرهبان في استحقاق البشارة بالعذاب .

وترى طائفة ثالثة من العلماء أن المراد به كل من كنز المال ، ولم يخرج الحقوق الواجبة فيه ، سواء أكان من المسلمين أم من غيرهم ، لأن اللفظ مطلق ، فيجب إجراؤه على إطلاقه وعمومه ، إذ لم ما يقديه أو يخصصه .

وقوله : { يَكْنِزُونَ } من الكنز ، وأصله في اللغة العربية : الضم الجمع .

يقال : كنزت التمر في الوعاء إذا جمعته فيه . وكل شئ مجموع بعضه إلى بعض في بطن الأرض أو على ظهرها فهو كنز ، وجمعه كنوز .

وخص الذهب والفضة بالذكر ، لأنها الأصل الغالب في الأموال ولأنهما اللذان يقصدان بالكنز أكثر من غيرهما .

وقال الفخر الرازى ما ملخصه : ذكر - سبحانه - شيئين هما الذهب والفضة ثم قال : { وَلاَ يُنفِقُونَهَا } - وكان الظاهر أن يقول " ولا ينفقونهما " والجواب من وجهين : الأول : أن الضمير عائد إلى المعنى دون اللفظ ، لأن كل واحد منهما جملة وافية ؛ وعدة كثيرة ودنانير ودراهم فهو كقوله - تعالى - { وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا } أو أن يكون التقدير : والذين يكنزون الكنوز ولا ينفقونها في سبيل الله ، فيكون الضمير عائد إلى الكنوز المدلول عليها بالفعل { يَكْنِزُونَ } .

الثانى : أن يكون الضمير عائد إلى اللفظ ، ويكون ذكر أحدهما يغنى عن ذكر الآخر ، كقوله - تعالى - { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا } جعل الضمير للتجارة . .

وقوله : { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } خبر الموصول .

والتعبير بالبشارة من باب التهكم بهم ، والسخرية منهم ، فهو كقولهم : تحيتهم الضرب ؛ وإكرامهم الشتم .