مقصود هذه السورة ذكر أحكام العفاف والستر . وكتب عمر رضي الله عنه إلى أهل الكوفة : ( علموا نساءكم سورة النور ) . وقالت عائشة رضي الله عنها : ( لا تنزلوا النساء الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن سورة النور والغزل ) . " وفرضناها " قرئ بتخفيف الراء ، أي فرضنا عليكم وعلى من بعدكم ما فيها من الأحكام . وبالتشديد : أي أنزلنا فيها فرائض مختلفة . وقرأ أبو عمرو : " وفرضناها " بالتشديد أي قطعناها في الإنزال نجما نجما . والفرض القطع ، ومنه فُرْضة القوس . وفرائض الميراث وفرض النفقة . وعنه أيضا " فرضناها " فصلناها وبيناها . وقيل : هو على التكثير ؛ لكثرة ما فيها من الفرائض . والسورة في اللغة اسم للمنزلة الشريفة ؛ ولذلك سميت السورة من القرآن سورة . قال زهير{[11730]} :
ألم تر أن الله أعطاك سورة *** ترى كلَّ مَلْكٍ دونها يتذبذب
وقد مضى في مقدمة الكتاب{[11731]} القول فيها . وقرئ " سورة " بالرفع على أنها مبتدأ وخبرها " أنزلناها " ، قاله أبو عبيدة والأخفش . وقال الزجاج والفراء والمبرد : " سورة " بالرفع لأنها خبر الابتداء ؛ لأنها نكرة ولا يبتدأ بالنكرة في كل موضع ، أي هذه سورة . ويحتمل أن يكون قوله " سورة " ابتداء وما بعدها صفة لها أخرجتها عن حد النكرة المحضة فحسن الابتداء لذلك ، ويكون الخبر في قوله " الزانية والزاني " . وقرئ " سورةً " بالنصب ، على تقدير أنزلنا سورة أنزلناها . وقال الشاعر{[11732]} :
والذئبَ أخشاه إن مررتُ به *** وحدي وأخشى الرياح والمطرا
أو تكون منصوبة بإضمار فعل أي اتل سورة . وقال الفراء : هي حال من الهاء والألف والحال من المكنى يجوز أن يتقدم عليه .
هذه السورة مدنية ، وآياتها أربع وستون آية . وهي تتضمن جوانب كثيرة ومختلفة من الأحكام والعبر والحِكَم وأدب السلوك . ويأتي في مقدمة ذلك كله تشريع الحد في حق الزاني والزانية . فقد شدد الإسلام نكيره البالغ على فاحشة الزنا لما في ذلك من تزييف للنسل وإفساد للأنساب ، وتدمير للضمائر والقيمَ ، وإشاعة للظنون والفوضى .
وتتضمن السورة الإخبار عن حديث الإفك وما فيه من إساءة مستقبحة ومشينة على الجناب الطاهر المصون لأم المؤمنين ، بنت الصديق رضي الله عنهما .
وفي السورة تشريع العقوبة للقاذف الذي يطعن شرف المسلمين بمقالته الكريهة فيهم ؛ إذ يُشيع بينهم السوء وفحش القول بغير بينة . إلى غير ذلك من الأحكام والمعاني كالنهي عن إبداء الزينة إلا للمحارم من الرجال . وكذلك أدب الدخول على المسلمين ووجوب الاستئذان بذلك . ثم الوعد الصادق من الله للمسلمين الصابرين المخلصين باستخلافهم في الأرض وتمكينهم فيها وجعل الغلبة والسلطان لهم .
قوله تعالى : { سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون ( 1 ) الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ( 2 ) } ( سورة ) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ( أنزلناها ) صفة لسورة . وتقديره : هذه سورة منزلة{[3211]} أو هذه سورة أنزلناها . وفي ذلك ما لا يخفى من التنبيه على الاعتناء بهذه السورة لما فيها من أحكام في العفة والستر ودفع الفواحش عن المسلمين وصونهم في سمعتهم وشرفهم وكرامتهم ( وفرضناها ) أي فرضنا ما فيها من الأحكام عليكم وعلى الذين يأتون من بعدكم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.