فيه اثنان{[11733]} وعشرون مسألة :
الأولى-قوله تعالى : " الزانية والزاني " كان الزنى في اللغة معروفا قبل الشرع ، مثل اسم السرقة والقتل . وهو اسم لوطء الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح بمطاوعتها . وإن شئت قلت : هو إدخال فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا ، فإذا كان ذلك وجب الحد . وقد مضى الكلام في حد الزنى وحقيقته وما للعلماء في ذلك . وهذه الآية ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة " النساء " {[11734]} باتفاق .
الثانية-قوله تعالى : " مائة جلدة " هذا حد الزاني الحر البالغ البكر ، وكذلك الزانية البالغة البكر الحرة . وثبت بالسنة تغريب عام ، على الخلاف في ذلك . وأما المملوكات فالواجب خمسون جلدة ؛ لقوله تعالى : " فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " [ النساء : 25 ] وهذا في الأمة ، ثم العبد في معناها . وأما المحصن من الأحرار فعليه الرجم دون الجلد . ومن العلماء من يقول : يجلد مائة ثم يرجم . وقد مضى هذا كله ممهدا في " النساء " فأغنى عن إعادته ، والحمد لله .
الثالثة-قرأ الجمهور " الزانية والزاني " بالرفع . وقرأ عيسى بن عمر الثقفي " الزانية " بالنصب ، وهو أوجه عند سيبويه ؛ لأنه عنده كقولك : زيدا اضرب . ووجه الرفع عنده : خبر ابتداء{[11735]} ، وتقديره : فيما يتلى عليكم [ حكم ]{[11736]} الزانية والزاني . وأجمع الناس على الرفع وإن كان القياس عند سيبويه النصب . وأما الفراء والمبرد والزجاج فإن الرفع عندهم هو الأوجه ، والخبر في قوله " فاجلدوا " لأن المعنى : الزانية والزاني مجلودان بحكم الله وهو قول جيد وهو قول أكثر النحاة . وإن شئت قدرت الخبر : ينبغي أن يجلدا . وقرأ ابن مسعود " والزان " بغير ياء .
الرابعة-ذكر الله سبحانه وتعالى الذكر والأنثى ، والزاني كان يكفي منهما ، فقيل : ذكرهما للتأكيد كما قال تعالى : " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " {[11737]} [ المائدة : 38 ] . ويحتمل أن يكون ذكرهما هنا لئلا يظن ظان أن الرجل لما كان هو الواطئ والمرأة محل ليست بواطئة فلا يجب عليها حد فذكرها رفعا لهذا الإشكال الذي أوقع جماعة من العلماء منهم الشافعي . فقالوا : لا كفارة على المرأة في الوطء في رمضان ؛ لأنه قال جامعت أهلي في نهار رمضان ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( كفر ) . فأمره بالكفارة ، والمرأة ليس بمجامعة ولا واطئة .
الخامسة-قدمت " الزانية " في الآية من حيث كان في ذلك الزمان زنى النساء فاش ، وكان لإماء العرب وبغايا الوقت رايات ، وكن مجاهرات بذلك . وقيل : لأن الزنى في النساء أعَرُّ وهو لأجل الحبل أضرُّ . وقيل : لأن الشهوة في المرأة أكثر وعليها أغلب فصدرها تغليظا لتردع شهوتها وإن كان قد ركب فيها حياء لكنها إذا زنت ذهب الحياء كله . وأيضا فإن العار بالنساء ألحق إذ موضوعهن الحجب{[11738]} والصيانة فقدم ذكرهن تغليظا واهتماما .
السادسة-الألف واللام في قول " الزانية والزاني " للجنس ، وذلك يعطي أنها عامة في جميع الزناة . ومن قال بالجلد مع الرجم قال : السنة جاءت بزيادة حكم فيقام مع الجلد . وهو قول إسحاق بن راهويه والحسن بن أبي الحسن ، وفعله علي بن أبي طالب رضي الله عنه بشُرَاحة وقد مضى في " النساء " {[11739]} بيانه . وقال الجمهور : هي خاصة في البكرين ، واستدلوا على أنها غير عامة بخروج العبيد والإماء منها .
السابعة-نص الله سبحانه وتعالى على ما يجب على الزانيين إذا شُهد بذلك عليهما على ما يأتي وأجمع العلماء على القول به . واختلفوا فيما يجب على الرجل يوجد مع المرأة في ثوب واحد فقال إسحاق بن راهويه : يضرب كل واحد منهما مائة جلدة . وروي ذلك عن عمر وعلي وليس يثبت ذلك عنهما . وقال عطاء وسفيان الثوري : يؤدبان . وبه قال مالك وأحمد على قدر مذاهبهم في الأدب . قال ابن المنذر : والأكثر ممن رأيناه يرى على من وجد على هذه الحال الأدب . وقد مضى في " هود " {[11740]} اختيار ما في هذه المسألة ، والحمد لله وحده .
الثامنة-قوله تعالى : " فاجلدوا " دخلت الفاء لأنه موضع أمر والأمر مضارع للشرط . وقال المبرد : فيه معنى الجزاء ، أي إن زنى زان فافعلوا به كذا ، ولهذا دخلت الفاء ، وهكذا " السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " {[11741]} [ المائدة : 38 ] .
التاسعة-لا خلاف أن المخاطب بهذا الأمر الإمام ومن ناب منابه . وزاد مالك والشافعي : السادة في العبيد . قال الشافعي : في كل جلد وقطع . وقال مالك : في الجلد دون القطع . وقيل : الخطاب للمسلمين ؛ لأن إقامة مراسم الدين واجبة على المسلمين ، ثم الإمام ينوب عنهم إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود .
العاشرة-أجمع العلماء على أن الجلد بالسوط يجب . والسوط الذي يجب أن يجلد به يكون سوطا بين سوطين . لا شديدا ولا لينا . وروى مالك عن زيد بن أسلم أن رجلا اعترف على نفسه بالزنى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط ، فأتي بسوط مكسور ، فقال : ( فوق هذا ) فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته{[11742]} فقال : ( دون هذا ) فأتي بسوط قد رُكب به ولان{[11743]} . فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد . . . ) الحديث . قال أبو عمر : هكذا روى الحديث مرسلا جميع رواة الموطأ ولا أعلمه يستند بهذا اللفظ بوجه من الوجوه ، وقد روى معمر عن يحيى بن أبي كثير عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء . وقد تقدم في " المائدة " ضرب عمر قدامة{[11744]} في الخمر بسوط تام . يريد وسطا .
الحادية عشرة-اختلف العلماء في تجريد المجلود في الزنى ، فقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما : يجرد ، ويترك على المرأة ما يسترها دون ما يقيها الضرب . وقال الأوزاعي : الإمام مخير إن شاء جرد وإن شاء ترك . وقال الشعبي والنخعي : لا يجرد ولكن يترك عليه قميص . قال ابن مسعود : لا يحل في الأمة تجريد ولا مد ، وبه قال الثوري .
الثانية عشرة-اختلف العلماء في كيفية ضرب الرجال والنساء ، فقال مالك : الرجل والمرأة في الحدود كلها سواء لا يقام واحد منهما ، ولا يجزى عنده إلا في الظهر . وأصحاب الرأي والشافعي يرون أن يجلد الرجل وهو واقف ، وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وقال الليث[ بن سعد ]{[11745]} وأبو حنيفة والشافعي : الضرب في الحدود كلها وفي التعزير مجردا قائما غير ممدود إلا حد القذف فإنه يضرب وعليه ثيابه . وحكاه المهدوي في التحصيل عن مالك . وينزع عنه الحشو والفرو . وقال الشافعي : إن كان مده صلاحا مد .
الثالثة عشرة- واختلفوا في المواضع التي تضرب من الإنسان في الحدود ، فقال مالك : الحدود كلها لا تضرب إلا في الظهر ، وكذلك التعزير . وقال الشافعي وأصحابه : يتقى الوجه والفرج وتضرب سائر الأعضاء ، وروي عن علي . وأشار ابن عمر بالضرب إلى رجلي أمة جلدها في الزنى . قال ابن عطية : والإجماع في تسليم الوجه والعورة والمقاتل . واختلفوا في ضرب الرأس فقال الجمهور : يتقى الرأس . وقال أبو يوسف : يضرب الرأس . وروي عن عمر وابنه فقالا : يضرب الرأس . وضرب عمر رضي الله عنه صبيغا{[11746]} في رأسه وكان تعزيرا لا حدا . ومن حجة مالك ما أدرك عليه الناس ، وقوله عليه السلام : ( البينة وإلا حد في ظهرك ) وسيأتي .
الرابعة عشرة-الضرب الذي يجب هو أن يكون مؤلما لا يجرح ولا يبضع ، ولا يخرج الضارب يده من تحت إبطه . وبه قال الجمهور ، وهو قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما . وأتي عمر رضي الله عنه برجل في حد فأتي بسوط بين سوطين ، وقال للضارب : اضرب ولا يرى إبطك وأعط كل عضو حقه . وأتي رضي الله عنه بشارب فقال : لأبعثنك إلى رجل لا تأخذه فيك هوادة فبعثه إلى مطيع بن الأسود العدوي فقال : إذا أصبحت الغد فاضربه الحد فجاء عمر رضي الله عنه وهو يضربه ضربا شديدا فقال : قتلت الرجل كم ضربته ؟ فقال ستين ، فقال : أقِصَّ عنه بعشرين . قال أبو عبيدة[ قوله ]{[11747]} : ( أقِصَّ عنه بعشرين ) يقول : اجعل شدة هذا الضرب الذي ضربته قصاصا بالعشرين التي بقيت ولا تضربه العشرين . وفي هذا الحديث من الفقه أن ضرب الشارب ضرب خفيف . وقد اختلف العلماء في أشد الحدود ضربا وهي :
الخامسة عشرة- فقال مالك وأصحابه والليث بن سعد : الضرب في الحدود كلها سواء ضرب غير مبرح ، ضرب بين ضربين . هو قول الشافعي رضي الله عنه . وقال أبو حنيفة وأصحابه : التعزير أشد الضرب ، وضرب الزنى أشد من الضرب في الخمر ، وضرب الشارب أشد من ضرب القذف . وقال الثوري : ضرب الزنى أشد من ضرب القذف ، وضرب القذف أشد من ضرب الخمر . احتج مالك بورود التوقيف عل عدد الجلدات ، ولم يرد في شيء منها تخفيف ولا تثقيل عمن يجب التسليم له . احتج أبو حنيفة بفعل عمر ، فإنه ضرب في التعزير ضربا أشد منه في الزنى . احتج الثوري بأن الزنى لما كان أكثر عددا في الجلدات استحال أن يكون القذف أبلغ في النكاية . وكذلك الخمر ؛ لأنه لم يثبت الحد إلا بالاجتهاد ، وسبيل مسائل الاجتهاد لا يقوي قوة مسائل التوقيف .
السادسة عشرة-الحد الذي أوجب الله في الزنى والخمر والقذف وغير ذلك ينبغي أن يقام بين أيدي الحكام ، ولا يقيمه إلا فضلاء الناس وخيارهم يختارهم الإمام لذلك . وكذلك كانت الصحابة تفعل كلما وقع لهم شيء من ذلك ، رضي الله عنهم . وسبب ذلك أنه قيام بقاعدة شرعية وقربة تعبدية ، تجب المحافظة على فعلها وقدرها ومحلها وحالها ، بحيث لا يتعدى شيء من شروطها ولا أحكامها ، فإن دم المسلم وحرمته عظيمة ، فيجب مراعاته بكل ما أمكن . روى الصحيح عن حضين{[11748]} بن المنذر أبي ساسان قال : شهدت عثمان بن عفان وأتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال : أزيدكم ؟ فشهد عليه رجلان ، أحدهما حمران أنه شرب الخمر ، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ ، فقال عثمان : إنه لم يتقيأ حتى شربها ، فقال : يا علي قم فاجلده ، فقال علي : قم يا حسن فاجلده . فقال الحسن : ولِّ حارَّها{[11749]} من تَولَّى قَارَّها - فكأنه وجد عليه - فقال : يا عبدالله بن جعفر ، قم فاجلده ، فجلده وعلي يعد . . . ) الحديث . وقد تقدم في المائدة . فانظر قول عثمان للإمام علي : قم فاجلده .
السابعة عشرة- نص الله تعالى على عدد الجلد في الزنى والقذف ، وثبت التوقيف في الخمر على ثمانين من فعل عمر في جميع{[11750]} الصحابة - على ما تقدم في المائدة{[11751]} - فلا يجوز أن يتعدى الحد في ذلك كله . قال ابن العربي : وهذا ما لم يتابع الناس في الشر ولا احلولت لهم المعاصي ، حتى يتخذوها ضراوة{[11752]}ويعطفون عليها بالهوادة فلا يتناهوا عن منكر فعلوه ، فحينئذ تتعين الشدة ويزاد الحد{[11753]} لأجل زيادة الذنب . وقد أتي عمر بسكران في رمضان فضربه مائة ، ثمانين حد الخمر وعشرين لهتك حرمة الشهر . فهكذا يجب أن تركب العقوبات على تغليظ الجنايات وهتك الحرمات . وقد لعب رجل بصبي فضربه الوالي ثلاثمائة سوط فلم يغير ذلك{[11754]} مالك حين بلغه ، فكيف لو رأى زماننا هذا بهتك الحرمات والاستهتار بالمعاصي ، والتظاهر بالمناكر وبيع الحدود واستيفاء العبيد لها في منصب القضاة ، لمات كمدا ولم يجالس أحدا ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
قلت : ولهذا المعنى - والله أعلم - زيد في حد الخمر حتى انتهى إلى ثمانين . وروى الدارقطني حدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا أسامة بن زيد عن الزهري قال أخبرني عبد الرحمن بن أزهر قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وهو يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد ، فأتي بسكران ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن عنده فضربوه بما في أيديهم . وقال : وحثا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه التراب . قال : ثم أتي أبو بكر رضي الله عنه بسكران ، قال : فتوخى الذي كان من ضربهم يومئذ ، فضرب أربعين . قال الزهري : ثم أخبرني حميد بن عبدالرحمن عن ابن وبرة الكلبي قال : أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر ، قال فأتيته ومعه عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وعلي وطلحة والزبير وهم معه متكئون في المسجد فقلت : إن خالد بن الوليد أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام ويقول : إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه ، فقال عمر : هم هؤلاء عندك فسلهم . فقال علي : نراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون ، قال فقال عمر : أبلغ صاحبك ما قال . قال : فجلد خالد ثمانين وعمر ثمانين . قال : وكان عمر إذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الذلة ضربه أربعين ، قال : وجلد عثمان أيضا ثمانين وأربعين . ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( لو تأخر الهلال لزدتكم ) كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا . في رواية ( لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم ){[11755]} . وروى حامد بن يحيى عن سفيان عن مسعر عن عطاء بن أبي مروان أن عليا ضرب النجاشي في الخمر مائة جلدة ؛ ذكره أبو عمرو ولم يذكر سببا .
الثامنة عشر-قوله تعالى : " ولا تأخذكم بهما رأفة " أي لا تمتنعوا عن إقامة الحدود شفقة على المحدود ، ولا تخففوا الضرب من غير إيجاع ، وهذا قول جماعة أهل التفسير . وقال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير : " لا تأخذكم بهما رأفة " قالوا في الضرب والجلد . وقال أبو هريرة رضي الله عنه : إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة ، ثم قرأ هذه الآية . والرأفة أرق الرحمة . وقرئ " رأَفة " بفتح الألف على وزن فعلة . وقرئ " رآفة " على وزن فَعَالة ، ثلاث لغات ، هي كلها مصادر ، أشهرها الأولى ، من رؤوف إذا رق ورحم . ويقال : رأفة ورآفة ؛ مثل كأبة وكآبة . وقد رأفت به ورؤفت به . والرؤوف من صفات الله تعالى : العطوف الرحيم .
التاسعة عشرة- " في دين الله " أي في حكم الله ، كما قال تعالى : " ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك " {[11756]} [ يوسف : 76 ] أي في حكمه . وقيل : " في دين الله " أي في طاعة الله وشرعه فيما أمركم به من إقامة الحدود . " إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر " قررهم على معنى التثبيت والحض بقوله تعالى : " إن كنتم تؤمنون بالله " . وهذا كما تقول لرجل تحضه : إن كنت رجلا فافعل كذا ، أي هذه أفعال الرجال .
الموفية عشرين-قوله تعالى : " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " قيل : لا يشهد التعذيب إلا من لا يستحق{[11757]} التأديب . قال مجاهد : رجل فما فوقه إلى ألف . وقال ابن زيد : لا بد من حضور أربعة قياسا على الشهادة على الزنى ، وأن هذا باب منه ، وهو قول مالك والليث والشافعي . وقال عكرمة وعطاء : لا بد من اثنين ، وهذا مشهور قول مالك ، فرآها موضع شهادة . وقال الزهري : ثلاثة ؛ لأنه أقل الجمع . الحسن : واحد فصاعدا ، وعنه عشرة . الربيع : ما زاد على الثلاثة . وحجة مجاهد قوله تعالى : " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة " {[11758]} [ التوبة : 122 ] ، وقوله : " وإن طائفتان " {[11759]} [ الحجرات : 9 ] ، ونزلت في تقاتل رجلين ، فكذلك قوله تعالى : " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " . والواحد يسمى طائفة إلى الألف ، وقاله ابن عباس وإبراهيم . وأمر أبو برزة الأسلمي بجارية له قد زنت وولدت فألقى عليها ثوبا ، وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضربة غير مبرح ولا خفيف لكن مؤلم ، ودعا جماعة ثم تلا " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " .
الحادية والعشرون-اختلف في المراد بحضور الجماعة . هل المقصود بها الإغلاظ على الزناة والتوبيخ بحضرة الناس ، وأن ذلك يدع المحدود ، ومن شهده وحضره يتعظ به ويزدجر لأجله ، ويشيع حديثه فيعتبر به من بعده ، أو الدعاء لهما بالتوبة والرحمة ، قولان للعلماء . الثانية{[11760]} والعشرون-روي عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يا معاشر الناس اتقوا الزنى فإن فيه ست خصال : ثلاثا في الدنيا وثلاثا في الآخرة ، فأما اللواتي الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر ، وأما اللواتي في الآخرة فيوجب السخط وسوء الحساب والخلود في النار ) . وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أعمال أمتي تعرض علي كل جمعة مرتين فاشتد غضب الله على الزناة ) . وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله على أمتي فغفر لكل مؤمن لا يشرك بالله شيئا إلا خمسة : ساحرا أو كاهنا أو عاقا لوالديه أو مدمن خمر أو مصرا على الزنى ) .
قوله : ( الزانية والزاني فاجدلوا كل واحد منهما مائة جلدة ) بدأ بذكر الزانية قبل الزاني لإيجاب الحد إذا تحققت شروطه . أما البداية بذكر الزانية قبل الزاني ؛ فإنها تزجي بالسؤال عن سبب ذلك . ولعل الجواب عن ذلك أن فاحشة الزنا إنما تؤتى في الغالب من قبل المرأة . وذلك يعني أن المرأة أقدر من الرجل على صون نفسها بالاصطبار والاستعصام وطول الاحتمال دون السقوط في الزنا ، فضلا عن خصلة الاحتجاز والأنفة اللذين فطرت عليهما المرأة ، فإنها بطبعها تجنح للتماسك والاحتجاز والأنفة عن المراودة أو التحرش من قبل الرجال الذين يندفعون في الغالب صوب النساء لقضاء أوطارهم منهن . وليس أدل على هذه الحقيقة من أن المرأة في الغالب لا تأتي بل إنها تؤتى . فالرجل يتقدم نحوها مبتغيا راغبا . والمرأة من جهتها تستقبل دون أن تبرح مكانها ولا تريم .
ولئن كانت المرأة قد فطرت على الاحتجاز والانثناء والأنفة ؛ فإن الرجل أضعف في احتباس نفسه دون التقدم والاندفاع جهة الجنس الآخر . لا جرم أن هذه خصلة من خصال الضعف المحسوبة على الرجال في مقابلة النساء .
وعلى هذا فإن المرأة من جهتها تمسك بصمام الأمان للحيلولة دون وقع الفاحشة . فإن هي استرخت أو أذنت للرجل الدنو منها أو مسها كان الرجل شديد الاندفاع في عجل لقضاء الشهوة المشبوبة . وحينئذ تقع الفاحشة ويتوجب العقاب الصارم . وهذه حقيقة مستفادة من قوله في تحذير النساء من اللين ورقة الخطاب أمام الرجال : ( فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ) أي لا تخاطبن الرجال إلا في جد واستقامة بعيدا عن بواعث الريبة والفتنة والإغراء الذي يثيره لين القول ورقة الخطاب المتكلف .
وبذلك لا يُتصور وقوع الزنا بغير إذن من المرأة وقبولها . فإن هي استعصمت مجتنبة ظواهر الإغراء وتكلف الخطاب ، فما يستطيع الرجل بعد ذلك أن يفعل شيئا إلا أن يجترئ في وقاحة شرسة فينقض انقضاض الكاسر المجنون .
الزنا خسيسة من خسائس المجتمعات البشرية . وهو رذيلة من الرذائل التي تدنّس الفرد والجماعة بما تفضي إليه هذه الفاحشة المستقذرة النكراء من خلط المياه وتزييف النسل والأنساب وإشاعة الفوضى والظنون في المجتمع ، وتبديد الثقة بين الأزواج والزوجات ، وإضعاف التلاحم وعرى المودة بين الناس . والإكثار من نسبة الطلاق والأولاد غير الشرعيين ؛ من أجل ذلك ندد الإسلام تنديدا بهذه الفاحشة المستقبحة وأعدّ من أجلها العقاب الرادع سواء في ذلك الزاني المحصن أو غير المحصن .
على أن الزنا الموجب للحد يعني الوطء من البالغ العاقل في قُبُل أو دُبر ممن لا عصمة بينهما ولا شبهة وهو قول الجمهور . بخلاف الحنفية ؛ فإن الزنا الموجب للحد عندهم ما كان في القبل دون الدبر .
وثمة شروط لوجوب حد الزنا وهي :
الشرط الأول : التكليف ؛ فإنه لا يقام الحد على الصغير والمجنون والمعتوه ، ولا على النائم أو المكره ؛ وذلك لما أخرجه أبو داود بسنده عن عائشة ( رضي الله عنها ) أن رسول الله ( ص ) قال : " رفع القلم عن ثلاث : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يعقل " .
الشرط الثاني : الاختيار . وذلك أن يكون كل من الزناة أو الزواني مختارا غير مكره . فأيما إكراه في وقوع الزنا يندرئ به الحد . وذلك في حق المرأة معلوم لا خلاف فيه . أما الرجل المكره على الزنا ففي حده خلاف ؛ فقد ذهبت الحنبلية والمالكية في الراجح من مذهبهم إلى حده . خلافا للشافعي وآخرين ؛ إذ قالوا بعدم وجوب الحد على الزاني المكره استنادا إلى عموم الخبر : " رفع عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه " .
أما الحنفية : فإن الإكراه الذي يندرئ به الحد عندهم ما كان بفعل السلطان . أما الإكراه من غير السلطان فلا يمنع من وقوع الحد على الزاني المكره{[3212]} .
الشرط الثالث : العلم بالتحريم ؛ فإنه يُعذر من جهل التحريم . كما لو كان الزاني حديث عهد بالإسلام ، أو ناشئا ببادية بعيدة عن المسلمين . وتفصيل ذلك في مواضعه من كتب الفقه .
الشرط الرابع : انتفاء الشبهة ؛ فإن الشبهة في الزنا تدرأ منه الحد ؛ لأن الحدود مبنية على الدرء والإسقاط بالشبهات . وفي ذلك أخرج أبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : " ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا " .
وروى الترمذي أيضا عن عائشة قالت : قال رسول الله ( ص ) : " ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم . فإن كان له مخرج فخلوا سبيله ؛ فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة " .
وضروب الشبهات في هذا الصدد كثيرة . كالوطء في نكاح مختلف في صحته . مثل النكاح بغير ولي ، أو بغير شهود ، أو في نكاح المتعة ، أو نكاح الشغار . وكذلك نكاح الأخت في عدة أختها . ونكاح الخامسة في عدة الزوجة الرابعة المطلقة طلاقا بائنا . وتفصيل ذلك في مظانه .
الشرط الخامس : ثبوت الزنا في حضرة الحاكم ؛ لأن الحاكم منوط به وحده إيقاع الحد على الزاني . فإن ثبت الزنا أمام غير الحاكم ؛ لم يجب الحد ، وينسحب ذلك على سائر الحدود والقصاص والتعزير .
أحدهما : الإقرار . وهو اعتراف الزاني أو الزانية بوقوع الزنا صراحة وفي وضوح لا لبس فيه ولا تردد . وصورة ذلك : أن يقر الزاني أو الزانية بوقوع الزنا أربعة أقارير ، على أن يكون الإقرار طوعا من غيره إكراه . فأيما إكراه على الإقرار ينخرم معه الشرط فلا يجب الحد .
ثانيهما : البينة . وهي الشهادة من أربعة شهود عدول على حصول الزنا ، على أن تتفق شهادات الشهود جميعا فيصفوا الزنا وصفا حقيقيا متطابقا . وأيما اختلاف بين شهادات الشهود ؛ فإنه يندرئ به الحد . وتفصيل ذلك في مظانه من كتب الفقه{[3213]} .
لا يثبت حد الزنا بالحمل ، فلو أن امرأة غير مزوجة حملت لا يقام عليها حد ما لم تعترف بالزنا أو يثبت ذلك بالشهادة كما بيناه سابقا . وهو قول الجمهور من الفقهاء . ووجه ذلك : أن الحمل لا يتجاوز في الإثبات مستوى القرينة من القرائن . أو هو ليس غير احتمال من الاحتمالات التي لا تثبت بها الفاحشة . وذلك في ذاته شبهة يندرئ بها الحد .
المحصن من الحصن وهو الموضع المنيع المصون . ومنه الإحصان بمعنى الصون والحماية{[3214]} والمحصن في الشرع معناه المتزوج . سمي بذلك لتحصنه بالزواج من الفتنة والوقوع في الفاحشة .
أما المحصن إذا زنا ، سواء كان ذكرا أو أنثى ، فقد وجب في حقه حد الرجم بالحجارة حتى الموت . وقد ثبت حد الرجم عن طريق السنة . بما لا يحتمل الشك .
ومن جملة ذلك ما أخرجه أبو داود وآخرون من أصحاب السنن عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله ( ص ) : " خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا : الثيب بالثيب ؛ جلد مئة ورمي بالحجارة . والبكر بالبكر ؛ جلد مائة ونفي سنة " . وكذلك أخرج أبو داود عن ابن عباس أن النبي ( ص ) قال لماعز بن مالك : " لعلك قبّلت أو غمزت أو نظرت " قال : لا . قال " أفنكتها ؟ " قال : نعم . قال : عند ذلك أمر برجمه ، وكذلك أخرج أبو داود عن جابر بن عبد الله قال : " رجم نبي الله ( ص ) رجلا من اليهود وامرأة زنيا " وغير ذلك من الأخبار في رجم المحصن كثير . وقال ابن المنذر في هذا الصدد : أجمع أهل العلم على أن المرجوم يدام عليه الرجم حتى يموت . وبذلك يثبت وجوب الرجم على الزاني المحصن .
على أن الرجم لا يجتمع مع الجلد . فإذا ثبت الزنا من المحصن وجب في حقه الرجم فقط . وهو قول أكثر أهل العلم وفيهم الحنفية والشافعية والمالكية ، وكذا الحنبلية في إحدى الروايتين لهم . وقد روي ذلك عن عبد الله بن مسعود . وقال به النخعي والزهري والأوزاعي وأبو ثور . واحتجوا لذلك بأن النبي ( ص ) رجم كلا من ماعز والغامدية ولم يجلدهما .
وقيل : يجتمع الجلد والرجم . فإذا زنا المحصن وجب جلده ثم رجمه . وهو قول الحسن البصري وإسحاق وداود بن علي الظاهري . وهي الرواية الثانية للحنبلية .
واستدلوا لذلك بقوله تعالى : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) فقالوا : هذا النص يفيد العموم لكن السنة جاءت بالرجم في حق الثيب ، والجلد في حق البكر . {[3215]}
غير المحصن : وهو البكر إذا زنا ؛ فإنه يحد مائة جلدة ثم يغرب سنة خارج بلده . وسنعرض لمسألة التغريب إن شاء الله .
وقد ثبت حد الزنى للبكر بالكتاب الحكيم أي في هذه الآية ( الزانية والزاني فاجدلوا كل واحد منهما مائة جلدة ) وكذلك في السنة مما أخرجه أئمة الحديث عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله ( ص ) : " خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا ، البكر بالبكر ، جلد مائة ونفي سنة . والثيب بالثيب ؛ جلدة مائة والرجم " .
وروى البخاري وأحمد عن أبي هريرة أن النبي ( ص ) " قضى فيمن زنا ولم يحصن بنفي عام ، وإقامة الحد عليه " .
وهل يجب التغريب ، وهو النفي ، مع الجلد في حق البكر إذ زنا ؟ ثمة قولان في ذلك : القول الأول : وجوب التغريب مدة سنة سواء كان ذلك قبل الجلد أو عقبه . وهو قول الجمهور من الشافعية والمالكية والحنبلية وأهل الظاهر . وقد روي ذلك عن الخلفاء الراشدين . وبه قال ابن مسعود وابن عمر . وهو مذهب عطاء وطاووس والثوري وابن أبي ليلى وإسحاق وأبي ثور . ودليل ذلك ما رواه أبو داود عن عبادة بن الصامت أن النبي ( ص ) قال : " خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا ، الثيب بالثيب ؛ جلدة مائة ورمي بالحجارة ، و البكر بالبكر ، جلد مائة ونفي سنة " .
القول الثاني : عدم وجوب التغريب في حد البكر . وإنما حده الجلد فقط . وهو قول الحنفية . واستدلوا بقوله تعالى : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) فقد أمر بالجلد ولم يذكر التغريب ، فمن أوجبه فقد زاد على كتاب الله عز وجل والزيادة عليه نسخ ، ولا ينسخ نص الكتاب بخبر الواحد{[3216]} .
إلى غير ذلك من الأحكام المتعلقة بالزنا وحده مما لا يتسع لذكره المجال أكثر مما ذكرنا . وتفصيل ذلك في مظانه من كتب الفقه .
قوله : ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) أي لا يمنعكم عن طاعة الله فيما أمركم به من إقامة الحد على الزناة والزواني ، رحمة بهم أو شفقة عليهم . وذلك بترك الحد أو تخفيف الضرب كيلا يوجع ؛ بل تجب إقامة الحد بالضرب الوجيع في غير تبريح ولا مبالغة جزاء للزاني على ما اقترف ، وردعا لغيره من الناس ممن تسوّل له نفسه الوقوع في الفحش .
قوله : ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) يعني أقيموا حدود الله كجلد الزاني والزانية إن كنتم مصدقين بالله واليوم الآخر . والمراد التحريض على إقامة الحد من غير تردد أو إبطاء .
قوله : ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) أي ليحضر حد الزانيين طائفة من المؤمنين . واختلفوا في المراد بالطائفة . فقد قيل : الواحد فما زاد طائفة . وقيل : الطائفة ثلاثة نفر فصاعدا . وقيل : أربعة نفر فصاعدا طائفة .
والمراد من حضور الطائفة : توبيخهما وتعنيفهما وزيادة التنكيل بهما ، وافتضاح أمرهما ؛ فيكون ذلك أبلغ في زجرهما ، وأنجع في ردعهما فضلا عما في ذلك من ازدجار للناس . فإن من شهد الحد يتعظ به ويشيع حديثه فيعتبر به غيره{[3217]} .