الأولى : قال البراء بن عازب : هذه آخر آية نزلت من القرآن ، كذا في كتاب مسلم . وقيل : نزلت والنبي صلى الله عليه وسلم متجهز لحجة الوداع ، ونزلت بسبب جابر . قال جابر بن عبدالله : مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يعوداني ماشيين ، فأغمي علي ، فتوضأ رسول{[5188]} الله صلى الله عليه وسلم ثم صب علي من وضوئه فأفقت ، فقلت : يا رسول الله كيف أقضي في مالي ؟ فلم يرد علي شيئا حتى نزلت آية الميراث " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة " رواه مسلم . وقال : آخر آية نزلت : " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله " [ البقرة : 281 ] وقد تقدم{[5189]} . ومضى في أول السورة الكلام في " الكلالة " مستوفى{[5190]} ، وأن المراد بالإخوة هنا الإخوة للأب والأم أو للأب{[5191]} وكان لجابر تسع أخوات .
الثانية : قوله تعالى : " إن امرؤ هلك ليس له ولد " أي ليس له ولد ولا والد ، فاكتفى بذكر أحدهما . قال الجرجاني : لفظ الولد ينطلق على الوالد والمولود ، فالوالد يسمى ، والدا لأنه ولد ، والمولود يسمى ولدا لأنه ولد ، كالذرية فإنها من ذرا ثم تطلق على المولود وعلى الوالد . قال الله تعالى : " وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون " {[5192]} [ يس : 41 ] .
الثالثة : والجمهور من العلماء من الصحابة والتابعين يجعلون الأخوات عصبة البنات وإن لم يكن معهن أخ ، غير ابن عباس ، فإنه كان لا يجعل الأخوات عصبة البنات ، وإليه ذهب داود وطائفة ، وحجتهم ظاهر قول الله تعالى : " إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك " ولم يورث الأخت إلا إذا لم يكن للميت ولد . قالوا : ومعلوم أن الابنة من الولد ، فوجب ألا ترث الأخت مع وجودها . وكان ابن الزبير يقول بقول ابن عباس في هذه المسألة حتى أخبره الأسود بن يزيد : أن معاذا قضى في بنت وأخت فجعل المال بينهما نصفين .
الرابعة : هذه الآية تسمى بآية الصيف ؛ لأنها نزلت في زمن الصيف . قال عمر : إني والله لا أدع شيئا أهم إلي من أمر الكلالة ، وقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها{[5193]} فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها ، حتى طعن بإصبعه في جنبي أو في صدري ثم قال : ( يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء ) . وعنه رضي الله عنه قال : ثلاث لأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهن أحب إلي من الدنيا وما فيها : الكلالة والربا والخلافة . خرجه ابن ماجة في سننه .
الخامسة : طعن بعض الرافضة بقول عمر : ( والله لا أدع ) الحديث .
السادسة : قوله تعالى : " يبين الله لكم أن تضلوا " قال الكسائي : المعنى يبين الله لكم لئلا تضلوا . قال أبو عبيد : فحدثت الكسائي بحديث رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يدعون أحدكم على ولده أن يوافق من الله إجابة ) فاستحسنه . قال النحاس : والمعنى عند أبي عبيد لئلا يوافق من الله إجابة ، وهذا القول عند البصريين خطأ صراح{[5194]} ؛ لأنهم{[5195]} لا يجيزون إضمار لا ، والمعنى عندهم : يبين الله لكم كراهة أن تضلوا ، ثم حذف ، كما قال : " واسأل القرية{[5196]} " [ يوسف : 82 ] وكذا معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أي كراهية أن يوافق من الله إجابة . " والله بكل شيء عليم " تقدم في غير موضع . والله أعلم .
وقوله تعالى : ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم ) .
أخرج الإمام أحمد في سبب نزول هذه الآية عن جابر بن عبد الله قال : دخل علي رسول الله ( ص ) وأنا مريض لا أعقل ، فتوضأ ثم صب عليّ ، أو قال : صبوا عليه ، ففعلت فقلت : إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث ؟ فأنزل الله آية الفرائض ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ) {[866]} أي يطلبون منك أن تفتيهم في الكلالة وهي كما بيناها سابقا مشتقة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه{[867]} . وقد فسرها أهل العلم بالذي يموت وليس له ولد ولا والد ، وذلك ما ذهب إليه جمهور الصحابة والتابعين والمذاهب الأربعة ، وقال آخرون : هو الذي ليس له ولد استنادا إلى ظاهر الآية ( إن امرؤا هلك ليس له ولد ) والمراد بالهلاك الموت . فإذا مات أحد وليس له ولد ولا والد ( الكلالة ) وكانت له أخت فإنها ترث نصف التركة ، أما إن كانت الكلالة أنثى فتوفيت عن أخ كان له التركة كلها .
فلو ماتت عن زوج وأخت لأب وأم ، كان للزوج النصف وللأخت النصف الآخر . ولو مات عن بنت وأخت ، كان للبنت النصف وللأخت النصف الآخر . وذلك أن النصف الذي للبنت يكون بالفرض وما للأخت فهو بالتعصيب استنادا إلى ما رواه البخاري عن معاذ بن جبل أنه قضى على عهد رسول الله ( ص ) بالنصف للبنت والنصف الآخر للأخت .
ولو مات عن ابنة وابنة ابن وأخت فإن النصف للبنت ولبنت الابن السدس تكملة للثلثين وما بقي فللأخت . وذلك ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود الذي قضى بمثل ما قضى به رسول الله ( ص ) .
وقوله : ( فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ) أي إذا مات أحد كلالة وكان له أختان ، فإن لكل واحدة منهما الثلث ليكون بذلك لهما الثلثان . وإذا زاد العدد عن الأختين كأن يكن ثلاث أخوات أو أكثر فإنهن جميعا يشتركن في الثلثين ، ذلك أن الثلثين أقصى ما يكون للأخوات هنا وإن كثرن .
قوله : ( وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ) إذا مات أحد وهو كلالة عن إخوة له من الذكور والإناث اتبع الأسلوب الذي ورد في مطلع السورة من حيث التوزيع وهو أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين .
وقوله : ( يبين الله لكم أن تضلوا ) وهو تبيين للفرائض والحدود التي رسمتها شريعة الله للمؤمنين لئلا يضلوا فيركبوا متن الضلالة والشطط أو يسيروا في طريق تائه متعثر .
وقوله : ( والله بكل شيء عليم ) الله جلت قدرته أعلم حيث يبين شرعه للناس فيوجب فرائضه لتتوزع التركات بين الورثة على أساس من القرابة أو الزوجية . وتلك هي سبيل الحق والعدل في التوزيع بما يلائم فطرة الإنسان وينشر بين أولي القربى أسباب المودة والالتئام . بعيدا في ذلك كله عن أساليب الإفراط والتفريط ، وبعيدا عن كل ظواهر العسف والحيف .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.