المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية - ابن عطية  
{يَسۡتَفۡتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِي ٱلۡكَلَٰلَةِۚ إِنِ ٱمۡرُؤٌاْ هَلَكَ لَيۡسَ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَهُۥٓ أُخۡتٞ فَلَهَا نِصۡفُ مَا تَرَكَۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمۡ يَكُن لَّهَا وَلَدٞۚ فَإِن كَانَتَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَۚ وَإِن كَانُوٓاْ إِخۡوَةٗ رِّجَالٗا وَنِسَآءٗ فَلِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ أَن تَضِلُّواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ} (176)

تقدم القول في تفسير { الكلالة } في صدر السورة ، وان المترجح أنها الوراثة التي خلت من أب وابن وابنة ولم يكن فيها عمود نسب لا عال ولا سافل ، وبقي فيها من يتكلل ، أي : يحيط من الجوانب كما يحيط الإكليل ، وكان أَمر الكلالة عند عمر بن الخطاب مشكلاً فقال : ما راجعت رسول الله في شيء مراجعتي إياه في الكلالة ، ولوددت أن رسول الله لم يمت حتى يبينها وقال على المنبر : ثلاث لو بينها رسول الله كان أحب إليَّ من الدنيا : الجد والكلالة ، والخلافة ، وأبواب من الربا{[4392]} ، وروي عنه رضي الله عنه أنه كتب فيها كتاباً فمكث يستخير الله فيه ويقول : اللهم إن علمت فيه خيراً فأمضه ، فلما طعن دعا بالكتابة فمحي ، فلم يدر أحد ما كان فيه{[4393]} ، وروى الأعمش عن إبراهيم وسائر شيوخه قال : ذكروا أن عمر رضي الله عنه قال : لأن أكون أعلم الكلالة أحب إليَّ من جزية قصور الشام{[4394]} . وقال طارق بن شهاب : أخذ عمر بن الخطاب كتفاً وجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : لأقضين في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورها فخرجت عليهم حية من البيت فتفرقوا ، فقال عمر : لو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمه{[4395]} ، وقال معدان بن أبي طلحة : خطب عمر بالناس يوم الجمعة فقال : إني والله ما أدع بعدي شيئاً هو أهم إليَّ من أمر الكلالة وقد سألت عنها رسول الله ، فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها ، حتى طعن في نحري وقال : تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء فإن أعش فسأقضي فيها بقضية لا يختلف معها اثنان ممن يقرأ القرآن{[4396]} . وسئل عقبة بن عامر عن الكلالة فقال : ألا تعجبون لهذا يسألني عن الكلالة ؟ وما أعضل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ما أعضلت بهم الكلالة{[4397]} .

قال القاضي أبو محمد : فظاهر كلام عمر رضي الله عنه أن آية الصيف هي هذه ، وروى أبو سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الكلالة فقال : ألم تسمع الآية التي أنزلت في الصيف { وإن كان رجل يورث كلالة }إلى آخر الآية{[4398]} .

قال القاضي رحمه الله : هذا هو الظاهر ، لأن البراء بن عازب قال : آخر آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } وقال كثير من الصحابة : هي من آخر ما نزل{[4399]} ، وقال جابر بن عبد الله : نزلت بسببي ، عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض فقلت يا رسول الله : كيف أقضي في مالي وكان لي تسع أخوات ، ولم يكن لي والد ولا ولد ؟ فنزلت الآية{[4400]} .

قال القاضي أبو محمد : وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : تكفيك منها آية الصيف ، بيان فيه كفاية وجلاء ، ولا أدري ما الذي أشكل منها على الفاروق رضوان الله عليه ؟ إلا أن تكون دلالة اللفظ ولذلك قال بعضهم : { الكلالة } الميت نفسه{[4401]} ، وقال آخرون { الكلالة } المال ، إلى غير ذلك من الخلاف ، وإذا لم يكن في الفريضة والد ولا ولد وترك الميت أختاً ، فلها النصف فرضاً مسمى بهذه الآية ، فإن ترك الميت بنتاً وأختاً ، فللبنت النصف ، وللأخت النصف بالتعصيب لا بالفرض المسمى ، ولعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس في هذه المسألة خلاف للناس ، وذكر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في خطبته : ألا إن آية أول سورة النساء أنزلها الله في الولد والوالد ، والآية الثانية أنزلها الله في الزوج والزوجة والإخوة من الأم والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم ، والآية التي ختم بها سورة الأنفال ، أنزلها الله في أولي الأرحام{[4402]} .

وقرأ ابن أبي عبلة «فإن للذكر مثل حظ » وقوله تعالى { أن تضلوا } معناه : كراهية أن تضلوا ، وحذر أن تضلوا فالتقدير . لئلا تضلوا ، ومنه قول القطامي في صفة ناقة : [ الوافُر ]

رَأَيْنا مَا يَرَى البُصَرَاءُ مِنْهَا *** فآلينا عَلَيْهَا أَنْ تُبَاعا{[4403]}

وكان عمر رضي الله عنه إذا قرأ { يبين الله لكم أن تضلوا } قال : اللهم من بَّينت له الكلالة فلم تتبّين لي{[4404]} .


[4392]:- أخرجه الطيالسي، وعبد الرزاق، والسعدني، وابن ماجة، والساجي، وابن جرير، والحاكم، والبيهقي- عن عمر رضي الله عنه (الدر المنثور).
[4393]:- أخرجه عبد الرزاق، عن سعيد بن المسيب، وفي آخره: (فقال: إني كنت كتبت في الجد والكلالة كتابا، وكنت استخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه).
[4394]:- أخرجه ابن جرير- عن عمر رضي الله عنه (الدر المنثور).
[4395]:- أخرجه ابن جرير- عن طارق بن شهاب (الدر المنثور).
[4396]:- أخرجه ابن جرير- عن معدان بن أبي طلحة، مع اختلاف يسير في اللفظ (الدر المنثور).
[4397]:- أخرجه ابن أبي شيبة، والدارمي، وابن جرير- عن أبي الخير (الدر المنثور).
[4398]:- أخرج عبد بن حميد، وأبو داود في المراسيل، والبيهقي- عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الكلالة فقال: (أما سمعت الآية التي أنزلت في الصيف: {يستفتونك، قل الله يفتيكم في الكلالة}، فمن لم يترك ولدا ولا والدا فورثته كلالة، وأخرجه الحاكم موصولا عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (الدر المنثور).
[4399]:- أخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن الضريس، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في "الدلائل" عن البراء قال: آخر سورة نزلت كاملة: براءة، وآخر آية نزلت: خاتمة سورة النساء {يستفتونك، قل الله يفتيكم في الكلالة}.
[4400]:- أخرج ابن سعد، والنسائي، وابن جرير، والبيهقي في سننه – عن جابر قال: اشتكيت فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أوصي لأخواتي بالثلث؟ قال: أحسن، قلت: بالشطر؟ قال: أحسن، ثم خرج، ثم دخل عليّ فقال: لا أراك تموت في وجعك هذا، إن الله أنزل وبيّن ما لأخواتك وهو الثلثان، فكان جابر يقول: نزلت هذه الآية فيّ {يستفتونك، قل الله يفتيكم في الكلالة} وأخرج ابن سعد، والبخاري ومسلم، وأحمد، وأبو داود وغيرهم عن جابر بن عبد الله قال: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ ثم صبّ عليّ فعقلت، فقلت: إنه لا يرثني إلا الكلالة، فكيف الميراث، فنزلت آية الفرائض، (الدر المنثور).
[4401]:- أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"، وابن المنذر- عن ابن عباس قال: الكلالة: الميت نفسه.
[4402]:-أخرجه ابن جرير، وعبد بن حميد، والبيهقي في سننه عن قتادة قال: ذكر لنا أن أبا بكر الصديق قال في خطبته: (ألا إن الآية...الخ) (الدر المنثور).
[4403]:- مفعول الفعل [يُبيّن] محذوف تقديره: يبيّن لكم الحقّ-أما [أن تضلوا] فمفعول لأجله، وقدره البصري والمبرد: كراهة أن تضلوا- أما الفراء والكسائي والزجاج فقدروه: لئلا تضلوا مثل البيت المذكور، والتقدير فيه: ألا تُباع- ومعروف أن البصريين لا يجيزون إضمار (لا).
[4404]:- أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر- عن ابن سيرين. (الدر المنثور).