الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ} (11)

قوله تعالى : " له معقبات " قوله تعالى : " له معقبات " أي لله ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار ، فإذا صعدت ملائكة الليل أعقبتها ملائكة النهار . وقال : " معقبات " والملائكة ذكران لأنه جمع معقبة ، يقال : ملك معقب ، وملائكة معقبة ، ثم معقبات جمع الجمع . وقرأ بعضهم - " له معاقيب من بين يديه ومن خلفه " . ومعاقيب جمع معقب{[9347]} ، وقيل للملائكة معقبة على لفظ الملائكة وقيل : أنث لكثرة ذلك منهم ، نحو نسابة وعلامة وراوية ، قاله الجوهري وغيره . والتعقب العود بعد البدء ، قال الله تعالى : " ولى مدبرا ولم يعقب{[9348]} " [ النمل : 10 ] أي لم يرجع ، وفي الحديث{[9349]} : ( معقبات لا يخيب قائلهن - أو - فاعلهن ) فذكر التسبيح والتحميد والتكبير . قال أبو الهيثم : سمين " معقبات " لأنهن عادت مرة بعد مرة ، فعل من عمل عملا ثم عاد إليه فقد عقب . والمعقبات من الإبل اللواتي يقمن عند أعجاز الإبل المعتركات على الحوض ، فإذا انصرفت ناقة دخلت مكانها أخرى . وقوله : " من بين يديه ومن خلفه " أي المستخفي بالليل والسارب بالنهار .

قوله تعالى : " يحفظونه من أمر الله " اختلف في هذا{[9350]} الحفظ ، فقيل : يحتمل أن يكون توكيل الملائكة بهم لحفظهم من الوحوش والهوام والأشياء المضرة ، لطفا منه به ، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه ، قال ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما . قال أبو مجلز : جاء رجل من مراد{[9351]} إلى علي فقال : احترس فإن ناسا من مراد يريدون قتلك ، فقال : إن مع كل رجل ملكين يحفظانه ما لم يقدر ، فإذا جاء القدر خليا بينه وبين قدر الله ، وإن الأجل حصن حصينة ، وعلى هذا " يحفظونه من أمر الله " أي بأمر الله وبإذنه ، ف " من " بمعنى الباء ، وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض . وقيل : " من " بمعنى عن ، أي يحفظونه عن أمر الله ، وهذا قريب من الأول ، أي حفظهم عن أمر الله لا من عند أنفسهم ، وهذا قول الحسن ، تقول : كسوته عن عُرْي ومن عُرْي ، ومنه قوله عز وجل : " أطعمهم من جوع{[9352]} " [ قريش : 4 ] أي عن جوع . وقيل : يحفظونه من ملائكة العذاب ، حتى لا تحل به عقوبة ؛ لأن الله لا يغير ما بقوم من النعمة والعافية حتى يغيروا ما بأنفسهم بالإصرار على الكفر ، فإن أصروا حان الأجل المضروب ونزلت بهم النقمة ، وتزول عنهم الحفظة المعقبات . وقيل : يحفظونه من الجن ، قال كعب : لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفتكم الجن . وملائكة العذاب من أمر الله ، وخصهم بأن قال : " من أمر الله " لأنهم غير معاينين ، كما قال : " قل الروح من أمر ربي{[9353]} " [ الإسراء : 85 ] أي ليس مما تشاهدونه أنتم . وقال الفراء : في الكلام تقديم وتأخير ، تقديره : له معقبات من أمر الله من بين يديه ومن خلفه يحفظونه . وهو مروي عن مجاهد وابن جريج والنخعي ، وعلى أن ملائكة العذاب والجن من أمر الله لا تقديم فيه ولا تأخير . وقال ابن جريج : إن المعنى يحفظون عليه عمله ، فحذف المضاف . وقال قتادة : يكتبون أقواله وأفعاله . ويجوز إذا كانت المعقبات الملائكة أن تكون الهاء في " له " لله عز وجل ، كما ذكرنا ، ويجوز أن تكون للمستخفي ، فهذا قول .

وقيل : " له معقبات من بين يديه ومن خلفه " يعني به النبي صلى الله عليه وسلم ، أي أن الملائكة تحفظه من أعدائه ، وقد جرى ذكر الرسول في قوله : " لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر " [ الرعد : 7 ] أي سواء منكم من أسر القول ومن جهر به في أنه لا يضر النبي صلى الله عليه وسلم ، بل له معقبات يحفظونه عليه السلام ، ويجوز أن يرجع هذا إلى جميع الرسل ؛ لأنه قد قال : " ولكل قوم هاد " [ الرعد : 7 ] أي يحفظون الهادي من بين يديه ومن خلفه . وقول رابع : أن المراد بالآية السلاطين والأمراء الذين لهم قوم من بين أيديهم ومن خلفهم يحفظونهم ، فإذا جاء أمر الله لم يغنوا عنهم من الله شيئا ، قاله ابن عباس وعكرمة ، وكذلك قال الضحاك : هو السلطان المتحرس من أمر الله ، المشرك . وقد قيل : إن في الكلام على هذا التأويل نفيا محذوفا ، تقديره : لا يحفظونه من أمر الله تعالى ، ذكره الماوردي . قال المهدوي : ومن جعل المعقبات الحرس فالمعنى : يحفظونه من أمر الله على ظنه وزعمه . وقيل : سواء من أسر القول ومن جهر به فله حراس وأعوان يتعاقبون عليه فيحملونه على المعاصي ، ويحفظونه من أن ينجع فيه وعظ ، قال القشيري : وهذا لا يمنع الرب من الإمهال إلى أن يحق العذاب ، وهو إذا غير هذا العاصي ما بنفسه بطول الإصرار فيصير ذلك سببا للعقوبة ، فكأنه الذي يحل العقوبة بنفسه ، فقوله : " يحفظونه من أمر الله " أي من امتثال أمر الله . وقال عبد الرحمن بن زيد : المعقبات ما يتعاقب من أمر الله تعالى وقضائه في عباده ، قال الماوردي : ومن قال بهذا القول ففي تأويل قوله : " يحفظونه من أمر الله " وجهان : أحدهما : يحفظونه من الموت ما لم يأت أجل ، قاله الضحاك . الثاني : يحفظونه من الجن والهوام المؤذية ، ما لم يأت قدر ، - قاله أبو أمامة وكعب الأحبار - فإذا جاء المقدور خلوا عنه ، والصحيح أن المعقبات الملائكة ، وبه قال الحسن ومجاهد وقتادة وابن جريج ، وروي عن ابن عباس ، واختاره النحاس ، واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يتعاقبون{[9354]} فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ) الحديث رواه الأئمة .

وروى الأئمة عن عمرو عن ابن عباس قرأ - " معقبات من بين يديه ورقباء من خلفه [ من أمر الله ]{[9355]} يحفظونه " فهذا قد بين المعنى . وقال كنانة العدوي : دخل عثمان رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! أخبرني عن العبد كم معه من ملك ؟ قال : ( ملك عن يمينك يكتب الحسنات وآخر عن الشمال يكتب السيئات والذي على اليمين أمير على الذي على الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشرا ، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين : أأكتب ؟ قال لا ، لعله يستغفر الله تعالى أو يتوب إليه ، فإذا قال ثلاثا قال : نعم اكتب أراحنا الله تعالى منه ، فبئس القرين هو ما أقل مراقبته لله عز وجل وأقل استحياءه منا يقول الله تعالى " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد{[9356]} " [ ق : 18 ] وملكان من بين يديك ومن خلفك يقول الله تعالى " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله " [ وملك قابض على ناصيتك ، فإذا تواضعت لله رفعك وإذا تجبرت على الله قصمك ]{[9357]} وملكان على شفتيك ، وليس يحفظان عليك إلا الصلاة على محمد وآله ، وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك وملكان على عينيك ، فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي يتداولون ملائكة الليل على ملائكة النهار ؛ لأن ملائكة الليل ليسوا بملائكة النهار فهؤلاء عشرون ملكا على كل آدمي وإبليس مع ابن آدم بالنهار وولده بالليل ) . ذكره الثعلبي . قال الحسن : المعقبات أربعة أملاك يجتمعون عند صلاة الفجر . واختيار الطبري : أن المعقبات المواكب بين أيدي الأمراء وخلفهم ، والهاء في " له " لهن ، على ما تقدم . وقال العلماء رضوان الله عليهم : إن الله سبحانه جعل أوامره على وجهين : أحدهما : قضى حلوله ووقوعه بصاحبه ، فذلك لا يدفعه أحد ولا يغيره . والآخر : قضى مجيئه ولم يقض حلوله ووقوعه ، بل قضى صرفه بالتوبة والدعاء والصدقة والحفظ .

قوله تعالى : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير ، إما منهم أو من الناظر لهم ، أو ممن هو منهم بسبب ، كما غير الله بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة بأنفسهم ، إلى غير هذا من أمثلة الشريعة ، فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب ، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير ، كما قال صلى الله عليه وسلم : وقد( سئل أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث ){[9358]} . والله أعلم .

قوله تعالى : " وإذا أراد الله بقوم سوءا " أي هلاكا وعذابا ، " فلا مرد له " وقيل : إذا أراد بهم بلاء من أمراض وأسقام فلا مرد لبلائه . وله : إذا أراد الله بقوم سوءا أعمى أبصارهم حتى يختاروا ما فيه البلاء ويعملوه ، فيمشون إلى هلاكهم بأقدامهم ، حتى يبحث أحدهم عن حتفه بكفه ، ويسعى بقدمه إلى إراقة دمه . " وما لهم من دونه من وال " أي ملجأ ؛ وهو معنى قول السدي . وقيل : من ناصر يمنعهم من عذابه ، وقال الشاعر :

ما في السماء سوى الرحمنِ من والِ

ووال ووليّ كقادر وقدير .


[9347]:قال الزمخشري: جمع معقب أو معقبة بتشديد القاف فيهما، والياء عوض من حذف إحدى القافين في التكسير. وقال ابن جني: إنه تكسير معقب كمطعم ومطاعيم، كأنه جمع على معاقبة، ثم حذفت الهاء من الجمع وعوضت الياء عنها، قال الألوسي: ولعله الأظهر. "روح المعاني".
[9348]:راجع ج 13 ص 160.
[9349]:الحديث في الدعاء وهو بتمامه في "صحيح مسلم" : "معقبات لا يخيب قائلهن دبر كل صلاة مكتوبة ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وثلاث وثلاثون تكبيرة". سميت معقبات لأنها عادت مرة بعد مرة، أو لأنها تقال عقب كل صلاة.
[9350]:من ا و ح و و.
[9351]:مراد (بالضم وآخره دال مهملة): قبيلة من قبائل العرب سميت باسم أبيها.
[9352]:راجع ج 20 ص 209.
[9353]:راجع ج 10 ص 323.
[9354]:الحديث في ابن عطية : "يتعاقب فيهم ملائكة" والبحث في رواية القرطبي سندا ومتنا في العسقلاني ج 2 ص 28.
[9355]:الزيادة في تفسير الطبري.
[9356]:راجع ج 17 ص 11.
[9357]:الزيادة من تفسير الطبري وغيره.
[9358]:المراد بالخبث الفسق والفجور.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ} (11)

{ له } أي لذلك المستخفي أو السارب - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما{[43604]} { معقبات } أي أعوان وأنصار يتناوبون في أمره بأن يخلف كل{[43605]} واحد منهم{[43606]} صاحبه ويكون بدلاً منه .

ولما كان حفظ جهتي القدام والخلف يستلزم حفظ اليمين والشمال وكان ملأ كل من الجهتين من الحفظة على المخلوق متعذراً ، قال آتياً بالجار : { من بين يديه } أي من قدامه { ومن خلفه } واستأنف بيان فائدة المعقبات{[43607]} فقال : { يحفظونه } أي في زعمه من{[43608]} كل شيء يخشاه { من أمر الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة .

ولما دل هذا على غاية القدرة ، وجرت عادة المتمكنين{[43609]} من ملوك الأرض بالتعدي على جيرانهم واستلاب ممالكهم والعسف في شأنهم ، زيادة في المكنة وتوسعاً في الملك ، ولا سيما إذا كان ذلك الجار ظاناً مع ضعفه وعجزه أن يحفظه مانع من أخذه ، أخبر تعالى من كأنه سأل عن ذلك أنه{[43610]} على غير هذا لغناه عنه ، فقال : { إن الله } أي الذي له الإحاطة و{[43611]} الكمال كله { لا يغير ما بقوم } أي خيراً كان أوشراً { حتى يغيروا ما }{[43612]} أي الذي{[43613]} { بأنفسهم } مما{[43614]} كانوا يزينونها به{[43615]} من التحلي{[43616]} بالأعمال الصالحة والتخلي من أخلاق{[43617]} المفسدين ، فإذا غيروا ذلك غير ما{[43618]} بهم{[43619]} إذا أراد وإن كانوا في غاية القوة .

ولما كان ملوك الدنيا لا يتمكنون غالباً من جميع مراداتهم لكثرة المعارضين{[43620]} من الأمثال الصالحين للملك ، قال تعالى عاطفاً على ما تقديره : فإذا غيروا ما بأنفسهم أنزل بهم السوء : { وإذا أراد الله } أي الذي له صفات الكمال { بقوم } أي{[43621]} وإن كانوا في غاية القوة { سوءاً فلا مرد له } من أحد سواه ، وقد تقدم لهذه الآية في الأنفال مزيد بيان .

ولما كان كل أحد{[43622]} دونه في الرتبة لا إمكان له أن يقوم مقامه بوجه ، قال : { وما لهم } وبين سفول الرتب كلها عن رتبته فقال{[43623]} : { من دون } وأعرق في النفي فقال{[43624]} : { من }{[43625]} ولما كان السياق ظاهراً في أنه لا منفذ لهم مما أراده ، أتى بصيغة فاعل منقوص إشارة إلى نفي أدنى وجوه الولاية فكيف{[43626]} بما فوقها فقال : { وال * } أي من{[43627]} ملجأ يعيذهم ، بأن الفعل معهم من الإنجاء{[43628]} والنصرة{[43629]} ما يفعل القريب مع وليه الأقرب إليه ،


[43604]:راجع البحر 5/371.
[43605]:زيد من ظ و م ومد.
[43606]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: منهما.
[43607]:من م ومد، وفي الأصل: العقاب، وفي ظ: التعقبات.
[43608]:سقط من مد.
[43609]:في ظ: التمكين.
[43610]:زيد من ظ و م ومد.
[43611]:زيد من ظ.
[43612]:سقط ما بين الرقمين من م.
[43613]:سقط ما بين الرقمين من م.
[43614]:في ظ: بما.
[43615]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: بالتحلي.
[43616]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: بالتحلي.
[43617]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: أعمال.
[43618]:زيد لاستقامة العبارة.
[43619]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: هم.
[43620]:زيد بعده في الأصل: بهم، ولم تكن الزيادة في ظ و م ومد فحذفناها.
[43621]:سقط من ظ.
[43622]:في مد: واحد.
[43623]:في ظ: كلها.
[43624]:زيد من ظ و م ومد.
[43625]:العبارة من هنا إلى "فوقها فقال" ساقطة من م.
[43626]:من ظ ومد، وفي الأصل: فكيف.
[43627]:زيد من م.
[43628]:في ظ: الاتحا، وفي مد: الالحا- كذا.
[43629]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: النصر.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ} (11)

قوله : { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } { له } ، أي لمن أسر ومن جهر ، ومن استخفى ومن سرب . والمعقبات ، هم الملائكة الحفظة . سموا بالمعقبات ؛ لأن الملائكة الليل تعقب ملائكة النهار وبالعكس . والمعنى : أن للعبد ملائكة يتعاقبون عليه ، فريق يحرسونه بالليل وآخرون يحرسونه بالنهار { مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } أي من قدام هذا المستخفي بالليل والسارب بالنهار ، ومن روائه ، ومن كل ما حوله ؛ فقد أحط به هؤلاء المعقبات ليحصلوا عليه كل أعماله وأقواله على التمام ، من غير أن يفرطوا في حفظ شيء منها . وقيل : المراد أنهم يحرسونه من جميع المهالك .

قوله : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } { من } ، بمعنى الباء ؛ أي يحفظونه بأمر الله أو بإذنه . وقريب من ذلك كون { من } ، بمعنى عن ؛ أي يحفظونه عن أمر الله . وقيل : يحفظونه من اجل أمر الله ؛ أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه من بأسه ونقمته بدعائهم له . وقيل : ليس من عبد إلا ومعه ملائكة يحفظونه من الأسواء{[2325]} ؛ والنائبات ؛ فالملائكة موكلة بالعبد لحفظه من الوحوش والهوام والأخطار كأن تقع عليه حائط ، أو يهوي في بئر ، أو يأكله سبع ، أو ينتابه غرق أو حرق ، فغذا جاء القدر خلوا بينه وبين القدر .

وذكر أن هذه الآية : { سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ 10 لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } نزلت في حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلاءة الله له من الأشرار والخائنين ؛ فقد روي أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عامر : ما تجعل لي إن أنا اتبعك ؟ قال : ( أنت فارس ، أعطيك أعنة الخيل ) . قال : لا . قال : ( فما تبغي ؟ ) قال : لي الشرق ولك الغرب . قال : ( لا ) قال : فلي الوبر ولك المدر . قال : ( لا ) قال : لأملأنها عليك إذا خيلا ورجالا . قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يمنعك الله ذاك وأبناء قيلة ) يريد الأوس والخزرج . فخرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تشاورا فيما بينهما . فقال عامر : ارجع وأنا أشغله عنك بالمجادلة وكن وراءه فاضربه بالسيف ضربة واحدة . فكانا كذلك ، واحد وراء النبي صلى الله عليه وسلم والآخر قال : اقصص علينا قصصك ، ما يقول قرآنك ، فجعل يجادله ويستبطئه وهو يرجو أن يضرب أربد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف . ثم قال له عامر : مالك ، أجشمت{[2326]} ؟ قال : وضعت يدي على قائم سيفي فيبست فما قدرت على أن أحركها ! ثم خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال عامر : اخرج أنت يا أربد إلى ناحية عذبة ، وأخرج أنا إلى نجد فنجمع الرجال فنلتقي عليه . فخرج أربد حتى إذا كان بالرقم بعث الله سحابة من الصف فيها صاعقة فاحرقته . وخرج عامر حتى إذا كان بواد يقال له الجرير أرسل الله عليه الطاعون فجعل يصيح : يا آل عامر أعدة{[2327]} كغدة البكر تقتلني ! يا آل عامر أغدة البكر تقتلني ! فذلك هو قول الله : { سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ } حتى قوله : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } {[2328]} .

قوله : { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } ذلك إخبار من الله عن فضله على الناس وعن عدله فيهم ، وإن ما بهم من نعمة أو خير فما يزول إلا بعصيانهم وضلالهم وفسقهم عن أمر ربهم ؛ فالله جل وعلا لا يغير ما بقوم من عافية ونعمة فيزيلهما عنهم ويهلكهم حتى يقع منهم تغيير ، وذلك بظلم بعضهم بعضا ، واعتداء بعضهم على بعض ؛ فتحل بهم حينئذ من الله العقوبة والتغيير . أي أن زوال النعم وتغيير الحال من العافية والسلامة والعزة سببه المعاصي والحيدة عن منهج الله إلى ما يخالفه .

قوله : { وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } إذا أراد أن يصيب أحدا أو قوما أو أمة من الأمم بعذاب أو بلاء ، من أمراض أو أسقام أو كروب أو نحو ذلك من ألوان البلاء ؛ ساقهم ليختاروا ما فيه بلائهم . وهم بذلك يمضون إلى ما فيه هلاكهم من حيث لا يدرون ، وربما يساق المرء مختارا إلى حتفه وهو لا يدري أو يسعى جادا ليظفر بما يبتغيه ثم يجد ثمة مهلكته وهو لا يعلم . ولو كان بعلم لامتنع من الفعل وأحجم ؛ فهذا هو تقدير الله على عباده ، ولا يملك أن يرد ما أراده الله بعباده من سوء وغيره { وما لهم من دونه من وال } أي ليس لهم غير الله من ناصر يلي أمرهم فيدرأ عنهم البلاء ، أو ملجأ يأوون إليه فيحول بينهم وبين ما يريده الله لهم من السوء{[2329]} .


[2325]:الأسواء: جمع سوء انظر المعجم الوسيط جـ 1 ص 460.
[2326]:جشمت: تعبت. جشمت المر جشما، أي تكلفته على مشقة؛ أجشمته الأمر، وجشمته فتجشم. انظر المصباح المنير جـ 1 ص 110.
[2327]:الغدة: لحم يحدث من داء بين الجلد واللحم. والغدة للبعير كالطاعون للإنسان. انظر المصباح المنير جـ 1 ص 94.
[2328]:تفسير الطبري جـ 13 ص 95.
[2329]:الكشاف جـ 2 ص 352 وفتح القدير جـ 3 ص 71.